وقد ترجم المؤلف لوالده محمد في وفيات سنة ٦٩٩ هـ وذكر أنه ولد في ثاني عشر رجب سنة ٦٣٨ هـ (^٣). ولما كان والده يوسف قد توفي وله خمس سنوات، فقد تولى جده لأمه الشيخ علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسي رعايته،
_________________
(١) تاريخ الإسلام ١٤/ ١٩١.
(٢) المقتفي ١/ ٤٧٣ (٤٢٣).
(٣) المقتفي ٣/ ٥٤٣ (٢٤١٨).
[ ١ / ١٤ ]
وهو أحد العلماء الكبار ترجمه العلامة ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" وتوفي قبله بخمسة وثلاثين عامًا، فقال: "القاسم بن أحمد بن الموفق أبو محمد الأندلسي اللورقي: يلقب علم الدين، مولده فيما أخبرني عن نفسه في حدود سنة إحدى وستين وخمس مئة. وهو إمام في العربية وعالم بالقرآن والقراءة، اشتغل بالأندلس في صباه، وأتعب نفسه حتى بلغ من العلم مناه، فصار عينًا للزمان ينظر به إلى حقائق الفضائل، فما من علم إلا وقد أخذ منه بأوفر نصيب وحصل منه على أعلى ذروة، وكنت لقيته بمحروسة حلب في سنة ثماني عشرة وست مئة ففزت من لقائه بالأمنية، واقتضبتُ من فوائده كلَّ فضيلةٍ شهية، وحدثني أنه قرأ القرآن بمرسية من بلاد الأندلس على الشيخ أبي عبد الله محمد بن سعيد بن محمد المرادي المرسي وعلى أبي الحسن علي بن يوسف بن الشريك الداني بمرسية، وببلنسية على أبي عبد الله محمد بن أيوب بن محمد بن نوح الغافقي الفقيه وعلى الشيخ المقرئ أبي العباس أحمد بن علي بن محمد بن عون الله الأندلسي، وقرأ النحو على أبي الحسن علي بن الشريك المذكور وابن نوح المذكور. ثم خرج إلى مصر في سنة إحدى وست مئة، فقرأ بها القرآن على الشيخ أبي الجود غياث بن فارس بن مكي اللخمي، وبدمشق على الشيخ الإمام تاج الدين أبي اليمن الكندي قرأ عليه القرآن جميعه بكتاب "المُبهج" تصنيف أبي محمد المقرئ وكتاب سيبويه وكثيرًا من كتب الأدب، وسمع منه أكثر سماعاته كـ "تاريخ الخطيب" و"الحجة" و"أدب الكاتب" وغير ذلك، وكان وروده إلى دمشق سنة ثلاث وست مئة، وببغداد على الشيخ أبي البقاء الحسين بن عبد الله العكبراوي، وسمع الحديث على جماعة منهم.
وأما معرفته بالفقه والأصول وعلوم الأوائل كالمنطق وغيره فهو الغاية فيه.
[ ١ / ١٥ ]
وله من التصانيف: كتاب شرح المفصل في عشر مجلدات. وكتاب في شرح قصيدة الشاطبي، وكتاب شرح مقدمة الجزولي مجلدان" (^١).
وذكره عز الدين الحسيني في وفيات سنة ٦٦١ هـ من صلة التكملة فقال: "وفي السابع من شهر رجب توفي الشيخ الإمام العالم أبو القاسم محمد، ويسمى أيضًا القاسم، ابن أحمد بن الموفق بن جعفر الأندلسي المُرْسيُّ اللُّورقيُّ المقرئ النحويُّ، المنعوتُ بالعَلَم، بدمشق، ودفن من الغد بمقابر باب تُوما.
ومولدُه في سنة خمس وسبعين وخمس مئة.
سمع ببغداد من الحافظ أبي محمد عبد العزيز بن محمود بن الأخضر، وغيره، وبدمشق من العلَّامة أبي اليُمْن زيد بن الحن الكِنْدي، وغيره، وبحلب من الشريف أبي هاشم عبد المطَّلب بن الفَضْل الهاشمي. واشتغلَ بالعربية ببغداد على الشيخ أبي البقاء عبد الله بن الحُسين العكبري، وبدمشق على العلَّامة أبي اليُمْن الكِنْدي. وبرع في ذلك، وشرح كتاب "المُفضَّل" و"مقدِّمة" الجُزُولي وقصيدة الشّاطبي. وكان أحد الفُضلاء المعروفين والعُلماء المشهورين" (^٢).
وقال الإمام الذهبي في وفيات سنة ٦٦١ هـ من تاريخ الإسلام:
"ولد سنة خمس وسبعين وخمس مئة. وقرأ القراءات سنة ثمان وتسعين وبعدها على أبي جعفر أحمد بن علي بن يحيى بن عَوْن الله الحصّار، وأبي عبد الله محمد بن سعيد المُرادي المُرْسي، والقاضي أبي عبد الله محمد بن نوح الغافقي البَلَنْسي، عن قراءتهم على ابن هُذَيْل. وقرأ بمصر القراءات على أبي الجود. وبدمشق على الكِنْدي، وابن باسُوية. وأحكم العربية وبرع
_________________
(١) معجم الأدباء ٥/ ٢١٨٨ - ٢١٨٩.
(٢) صلة التكملة ١/ ٤٨٨ (٨٩٢).
[ ١ / ١٦ ]
فيها، واجتمع بالجُزُولي وسأله عن مسألة من مقدمته. وسمع ببغداد من أبي محمد ابن الأخضر، وبحلب من الافتخار الهاشمي. وبدمشق من الكِنْدي، وقرأ عليه "كتاب سيبوية" بكماله. واشتغل ببغداد أيضًا على الشيخ أبي البَقَاء. وقرأ علم الكلام والأصلَيْن والفلسفة. وكان خبيرًا بهذه العلوم، قائمًا عليها، مقصودًا بإقرائها.
وَلِيَ مَشْيخة التُّربة العادلية التي شَرْطها القراءات والنَّحو، ودَرَّس بالعزيزية نيابة. وصنَّف شرحًا مختصرًا "للشاطبية"، وشرح "المُفصَّل" للزمخشري في عدة مجلدات وما قَصَّر فيه. وشرحًا "للجُزُولية"، وغير ذلك. وكان مليحَ الشَّكل، حَسَنَ البِزّة، إمامًا كيرًا، مَهِيبًا، مُتَفنِّنًا. وقد عزم على الرِّحلة إلى الفخر ابن الخطيب فبلغه موته. وكان له حَلْقة إشغال.
وهو كان الحَكَم بين أبي شامة والشَّمس أبي الفتح في أيهما أولى بمَشْيخة التُّربة الصّالحية، والقصّة معروفة، فرجَّح أبا الفتح بعض الشيء. وقيل: لم يُرجِّحه، بل قال: هذا رجل يدري القراءات، وقال عن أبي شامة: هذا إمامٌ. فوقعت العناية بأبي الفتح.
وقد ذكره أبو شامة في "تاريخه" وما أنصفه، فقال (^١): في سابع رجب توفي العَلَم أبو محمد القاسم بن أحمد بن أبي السَّداد المغربيُّ النَّحويُّ، وكان معمَّرًا، مُشتغلًا بأنواع من العلوم على خلل في ذهنه" (^٢).
وما قاله أبو شامة لم يتابعه عليه أحد، فقد ترجمه الجم الغفير وأثنوا عليه بما هو أهله من العلم والفضل وتنوع المعارف، منهم: اليونيني (^٣)،
_________________
(١) ذيل الروضتين ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٢) تاريخ الإسلام ١٥/ ٤٤ - ٤٥.
(٣) ذيل مرآة الزمان ٢/ ٢٢١.
[ ١ / ١٧ ]
وابن الفوطي (^١)، والذهبي في كتبه الأخرى (^٢)، والصفدي (^٣)، وابن شاكر الكتبي (^٤)، واليافعي (^٥)، وابن كثير (^٦)، وابن الجزري (^٧)، والمقريزي (^٨)، والعيني (^٩)، والسيوطي (^١٠)، وابن العماد الحنبلي (^١١)، والمَقرّي (^١٢) وغيرهم.
وقد اعتنى هذا الجد بسبطه عناية فائقة، فأقرأه القراءات وشيئًا من الفقه والنحو، وعَلّمه الخط، فكتب الخط المنسوب وبرع فيه، ونَسخَ جملة من الكتب. واستجاز له طائفة من شيوخ بغداد من أصحاب ابن البطي وشُهْدَة الكاتبة، وابن المُقَيّر وجماعة من أصحاب السلفي من ديار مصر (^١٣)، وبعض علماء الشام، فتميّز الشاب لا سيما وأن أباه كان قد أحضرَهُ على مجموعة من متعيني علماء عصره مثل علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) (^١٤)، وكريمة بنت
_________________
(١) تلخيص مجمع الآداب ٤/ الترجمة ٨٩٠ بتحقيق شيخنا الدكتور مصطفى جواد.
(٢) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٦٠، والعبر ٥/ ٢٦٦.
(٣) الوافي بالوفيات ٢/ ١٠٢ و٢٤/ ١١٢.
(٤) عيون التواريخ ٢٠/ ٢٩١.
(٥) مرآة الجنان ٤/ ١٦٠.
(٦) البداية والنهاية ١٥/ ٣٩٥ (ط. ابن كثير).
(٧) غاية النهاية ٢/ ١٥.
(٨) السلوك ١/ ٥٠٣.
(٩) عقد الجمان ١/ ٣٦٨.
(١٠) بغية الوعاة ٢/ ٢٥٠.
(١١) شذرات الذهب ٧/ ٥٣٢.
(١٢) نفح الطيب ٢/ ٢٥٦.
(١٣) ينظر المقتفي ٣/ ٥٤٣، وتاريخ الإسلام ١٥/ ٩٣٧، ومعجم شيوخ الذهبي ٢/ ٣٠٧، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٨٧، ومعرفة القراء الكبار ٢/ ٧٣٨، وبرنامج الوادي آشي ١٣٣، وأعيان العصر ٢٦٤، والوافي بالوفيات ٥/ ٢٥٢، وعيون التواريخ ٢٣/ ٢٨٩.
(١٤) ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٢٢.
[ ١ / ١٨ ]
عبد الوهاب بن علي القرشية الزُّبيرية الدمشقية بنت الحَبَقْبَق (ت ٦٤١ هـ) (^١)، وابن الصلاح الفقيه المشهور صاحب المقدمة في الحديث (ت ٦٤٣ هـ) (^٢)، وعتيق بن أبي الفضل بن سلامة بن عبد الكريم السلماني (ت ٦٤٣ هـ) (^٣)، ومخلص الدين عبد الواحد بن عبد الرحمن بن هلال الأزدي الدمشقي (ت ٦٤١ هـ) (^٤)، وعفيف الدين المُرَجَّى بن الحسن بن علي الواسطي (ت ٦٥٦ هـ) (^٥) وغيرهم (^٦).
وفي هذا الجو العلمي تميّز الشاب، فصار من الشهود المُعَدَّلين المشار إليهم بالدقة والأمانة وطهارة القلم بحيث استدعي في سنة ٦٨٨ هـ إلى الديار المصرية في شهادة سلطانية، قال ابنه علم الدين في حوادث سنة ٦٨٩ هـ: "وفي سَلْخ المحرم وصل الركب الشامي. وفي هذا التاريخ وصل والدي إلى دمشق من الديار المصرية، وكان قد توجه إليها في شهادة سُلطانية هو وعز الدين الحموي وشمس الدين ابن المحدث وعماد الدين ابن البالسي، وكانت مدة غيبة والدي عن دمشق مدة غيبتي؛ كنت أنا بالحجاز وهو بالديار المصرية. وحدث هناك بمشيخة كريمة، وجزء ابن أبي ثابت وغير ذلك. سمع منه الشيخ فخر الدين التوزري وسعد الدين الحارثي، والشهاب ابن الدفوفي وغيرهم" (^٧). وفي سنة ٦٩٦ هـ سافر إلى صرخد واجتمع بالملك العادل كَتْبُغا وشهد عليه بالقلعة (^٨).
_________________
(١) ترجمتها في السير ٢٣/ ٩٢.
(٢) ترجمته في السير ١٤٠/ ٢٣.
(٣) ترجمته في السير ٢٣/ ٢٢١.
(٤) ترجمته في تاريخ الإسلام ١٤/ ٣٨٥.
(٥) ترجمته في السير ٢٣/ ٣٢٩.
(٦) المقتفي ٣/ ٥٤٣.
(٧) المقتفي ٢/ ٤٤١.
(٨) المقتفي ٣/ ٣٥٥.
[ ١ / ١٩ ]
وقد أجمع المؤرخون على تميزه وعدالته وفضله، فترجمه ابنه في وفيات سنة ٦٩٩ هـ، قال: "وتوفي والدي الشيخ بهاء الدين أبو الفضل محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الإشبيلي ثم الدمشقي في يوم الجمعة بعد الصلاة العشرين من شوال، وصُلّي عليه عصر النهار المذكور بالجامع المعمور، ودفن بمقبرة الباب الشرقي إلى جانب قبر والده، رحمهما الله تعالى، وحضر جنازته جمع كبير، وصُلِّي عليه ثلاث مرات، وكان مرضه حُمّى حادة دموية بلغت به أربعة عشر يومًا ومات. روى عن السخاوي، وكريمة، وابن الصلاح، وعتيق السلماني، والمخلص ابن هلال، ومرجى الواسطي وجماعة حضورًا. وأجاز له جماعة من أصحاب ابن البطي وشهدة من بغداد، وأجاز له ابن المقيّر وجماعة من أصحاب السلفي من ديار مصر. قرأتُ عليه كثيرًا، ومما قرأت عليه الكتب الستة. وحدث بالحجاز والشام والديار المصرية، وكان من عدول دمشق. وكان مشكور السيرة ملازمًا لوظيفته، معروفًا بالصيانة والتحري، وحسن الكتابة. وكان محبًّا لأهل الخير والصلاح. وتقدم له اشتغال بالعلم. وقرأ القراءات السبعة على جده لأمه الشيخ علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسي. ومولده في ثاني عشر رجب سنة ثمان وثلاثين وست مئة" (^١).
وقال الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "الإمام العدل المرتضى بهاء الدين أبو الفضل محمد بن يوسف ابن مفيد الشام زكي الدين محمد بن يوسف البرزالي الدمشقي الشروطي … وحصل له من جده مال، ثم تزوج وتفقه ونزل في الشامية وغيرها. وكُتب له محضر عدالة شهد له فيه ابن مالك والشيخ حسن الصقلي وقطب الدين ابن أبي عصرون وابن شعيب، وجلس بالعقيبة، ثم انتقل إلى حضرة الأشراف، وخدمَ موقعًا قبل ذلك عند ابن وداعة، ونسخ
_________________
(١) المقتفي ٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤.
[ ١ / ٢٠ ]
كتبًا كثيرة، من ذلك عدة نسخ لـ "محرر" الرافعي، وصحب محيي الدين ابن قاضي القضاة وجاوره في العزيزية وعادله في الحج. وبلغ في كتابة الإسجالات مع التصون (^١) والدين والحياء والتهجد، وحدث وله خمس وثلاثون سنة، وكتب لابن الصائغ ومَن بعده، واشهر وحَصّل، واحتسب جماعة من أولاده. وقرأ عليه ولده الحافظ علم الدين شيئًا كثيرًا، من ذلك الكتب الستة. وسمع منه ابن تيمية وابن سامة، وابن مسلّم، والمزي، وابن مظفر، والذهبي (كذا) وعدة" (^٢).
وقال في تاريخ الإسلام: "ورزق حظوة مع التصون والديانة والتقوى والتحري والنزاهة والوقار والتعبد. وكان قليل المثل في فنه. تفضّل وزكاني مرة عند القاضي جمال الدين الزرعي" (^٣).
وقال في معجم شيوخه: "الإمام المقرئ العدل الرضي المأمون الخيّر الصالح كبير الشهود بهاء الدين … كاتب الحكم العزيز … عالج الشروط فساد فيها على أهل زمانه لحسن خطه وجودة معرفته وكمال عدالته وتصوّنه … وكان ديِّنًا خيِّرًا وقورًا متعبِّدًا صاحب أوراد ومحبة السنن والآثار" (^٤).
وتزوج الشيخ بهاء الدين محمد، وهو في السادسة والعشرين من عمره سنة ٦٦٤ هـ، بزينب بنت سعيد بن علي بن يعلى الأندلسي الغرناطي (^٥)،
_________________
(١) في المطبوع: "التصوف"، خطأ.
(٢) تكملة السير ١/ ٤٦١.
(٣) تاريخ الإسلام ١٥/ ٩٣٧ - ٩٣٨.
(٤) معجم الشيوخ ٢/ ٣٠٧.
(٥) لم نقف على ترجمة له، والظاهر أنه لم يكن من أهل العلم أو الوظائف ليؤرخ، لكن ذكر المؤلف أن رفيقه الحاج علي بن محمد بن ملزوز البلنسي المغربي المتوفى في محرم سنة ٦٨٧ هـ قد دفن "إلى جانب رفيقه الحاج سعيد بن علي بن يعلى الغرناطي جدي لأمي بمقابر باب الصغير" (المقتفي ٢/ ٣٧٥).
[ ١ / ٢١ ]
وذكر المؤلف أنّ مولدها سنة ٦٥١ هـ تقريبًا (^١)، فتكون في الثالثة عشرة من عمرها.
وزينب هذه أندلسية الأبوين، فأمها هي حبونة بنت إبراهيم بن محمد الأندلسية أيضًا، ذكرها المؤلف في وفيات سنة ٦٩٥ هـ من كتابه فقال: "وفي لية الأحد تاسع ذي القعدة توفيت أم عبد الله حبونة بنت إبراهيم بن محمد الأندلسية، وهي جدتي لأمي، وكانت وفاتها بسفح قاسيون، ودفنت بمقابر باب الصغير يوم الأحد بعد الظهر. وكانت امرأة صالحة خيِّرة مباركة كثيرة الصلاة والتسبيح" (^٢).