تتكون النسخة من مجلدين محفوظين اليوم بمكتبة السلطان أحمد الثالث في متحف طوب قابي سراي بإستانبول برقم ٢٩٥١/ ١ و٢٩٥١/ ٢، تضمن المجلد الأول السنوات ٦٦٥ - ٦٩٨ هـ، واشتمل الثاني على السنوات ٦٩٩ - ٧٢٠ هـ.
وكاتب هذه النسخة مُحدّث عالم فاضل هو مجد الدين أبو عبد الله محمد (^١) بن محمد بن علي الأنصاري الصيرفي الدمشقي المعروف بسبط ابن الحبوبي، ولد في رجب سنة ٦٦١ هـ، وسمع من ابن أبي اليسر، ومحمد بن علي النُّشْبي، وابن أبي الخير ومن بعدهم، وأكثر، وعُني بالرواية، ونسخ الأجزاء ونسخ للناس كثيرًا مع الدين والسكون والتواضع، وخرّج لنفسه معجمًا كبيرًا استعان فيه بالطلبة، وجلس مع الشهود، وتوفي في رمضان سنة ٧٢٢ هـ، وكان قد أنهى كتابة المجلد الثاني في الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ٧٢١ هـ، وحال الانتهاء من النسخ قابله المؤلف مع الناسخ، فكتب بخطه في آخر المجلد الثاني: "قوبل هذا المجلد والذي قبله مع جامعه في مجالس
_________________
(١) ترجمته في معجم شيوخ الذهبي ٢/ ٢٧٦، والمعجم المختص ١١٠، وذكر مولده في تاريخ الإسلام ١٥/ ٤٩، والصفدي في أعيان العصر ٥/ ١٣٣، والوافي بالوفيات ١/ ٢٣١، والدرر الكامنة لابن حجر ٥/ ٤٦٤، ولحظ الألحاظ ٧٠، وشذرات الذهب ٨/ ١٠٦، وجميعها معتمدة على ما ذكره الذهبي. وأشار إليه المؤلف نفسه في ترجمة المسند شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن أبي العز بن مشرَّف الأنصاري الدمشقي البزاز حيث ذكر أن له مشيخة عن جماعة خرجها له كاتب هذا الكتاب محمد بن محمد بن علي الأنصارى سبط ابن الحبوبي (المقتفي ٤/ ٣٢١).
[ ١ / ١١٣ ]
آخرها تاسع ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبع مئة بدمشق والحمد لله وحده. كتبه القاسم بن محمد البرزالي".
فهذه النسخة هي نسخة المؤلف كلّف البرزالي هذا الرجل الفاضل العالم بجمعها من المسودة التي كتبها فبيضها.
وهذه الطريقة كان البرزالي يتبعها في بعض الكتب التي يُعنى بنسخها لنفسه، يكلّف ناسخًا أو أكثر بنسخها ثم يقابلها معه لتكون مدققة متقنة، فلما رغب في نسخة من كتاب شيخه ورفيقه جمال الدين المزي "تحفة الأشراف" كلّف أحد النساخ بذلك فكتب المجلدين الأول والثاني، ولم يكمل الكتاب، فعهد بإكماله إلى ناسخ آخر، فنسخ خمسة مجلدات، فصار الكتاب في سبعة مجلدات، ثم قابل الكتاب مع ناسخيه وسجل ذلك بقوله: "يقول القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي عفا الله عنه: كُتب لي هذا الكتاب المبارك، وهو سبع مجلدات في مدة أولها عاشر شوال سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وآخرها التاريخ المذكور أعلاه (عشية الثلاثاء ثالث رجب سنة ٧٢٧ هـ)، وقابلت المجلدين الأولين مع كاتبهما، وقابلت المجلدات الخمسة الأخيرة مع كاتبها المذكور أعلاه، وكان كل واحد منهما يقرأ من نسخة المصنف التي نسخ منها، وأنا أنظر في هذه النسخة وأجتهد غاية الاجتهاد، وأصلح ما يقع بخطي، وأضبط ما تيسر ضبطه، والله ينفع به المسلمين" (^١).
والمجلدان في الأصل مما أوقفه جمال الدين محمود بن علي بن أصفر عينه السودوني الاستدار (^٢) على مدرسته التي بناها بالقاهرة خارج باب
_________________
(١) مقدمتنا لتحفة الأشراف ١/ ١٥ (ط. دار الغرب ١٩٩٩ م)، وهذه النسخة محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وكان صاحبها قد أوقفها على دار الحديث النورية، وكانت من النسخ المعتمدة في تحقيقنا لهذا الكتاب مع ما وصل إلينا من أجزاء بخط المؤلف المزي نفسه.
(٢) ترجمته في الدرر الكامنة ٦/ ٨٧، والنجوم الزاهرة ١٢/ ١٥٩ وغيرهما، وتوفي سنة ٧٩٩ هـ.
[ ١ / ١١٤ ]
زويلة، والمحتوية على نفائس الكتب، مثل "تاريخ الإسلام" بخط الذهبي، وسير أعلام النبلاء، وهذا الكتاب وغيرها مما كان اشتراه من كتب ابن جماعة بعد وفاته وهي كثيرة جدًّا، ثم نقلها الأتراك إلى إستانبول وتوزعت في مكتباتها، ومنها هذا الكتاب الذي استقر في مكتبة السلطان أحمد الثالث.
وقد جاء نص الوقفية على طرة المجلدين الأول والثاني ونصها:
"الحمد لله حق حمده.
وقف وحَبّس وسَبّل المقر الأشرف العالي الجمالي محمود استدار العالية الملكي الظاهري -أعز الله تعالى أنصاره- جميع هذا المجلد والذي بعده، كلاهما من تاريخ الشيخ علم الدين البِرْزالي، وقفًا شرعيًا على طلبة العلم الشريف ينتفعون به على الوجه الشَّرعي، وجعل مقر ذلك بالخزانة السعيدة المرصدة لذلك بمدرسته التي أنشأها بخط الموازنيين بالشارع الأعظم بالقاهرة المحروسة، وشرط أن لا يخرج ذلك ولا شيء منه من المدرسة المذكورة برهن ولا بغيره. وجعل النظر في ذلك لنفسه أيام حياته ثم مِن بعده لمن يؤول إليه النظر على المدرسة المذكورة على ما شرح في وقفها. وجعل لنفسه أن يزيد في شرط ذلك وينقص ما يراه دون غيره من النظار، كما جعل ذلك لنفسه في وقف المدرسة المذكورة ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١] بتاريخ خامس عشري شعبان سنة سبع وتسعين وسبع مئة"، ثم شهادة اثنين بذلك.
وجاءت طرة المجلد الأول كما يأتي:
"الأول من التاريخ المسمى بالمقتفي لتاريخ الشيخ الإمام شهاب الدين أبي شامة رحمه الله تعالى: تأليف الشيخ الإمام العالم الأوحد الكامل الحافظ علم الدين عمدة المحدثين مفيد الطالبين أبي محمد القاسم بن محمد بن
[ ١ / ١١٥ ]
يوسف ابن البرزالي امتع الله تعالى ببقائه وأدام فوائده". وفي الحاشية خط جعفر الأدفوي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ صاحب كتاب "الطالع السعيد" ونصه: "طالعه وانتقى منه ونبه على أوهام جعفر الأدفوي داعيًا لمالكه"، وعنوان الثاني قريب من ذلك.
ومسطرة الصفحة (٢٣) سطرًا في كل سطر بحدود (١٤) كلمة، والخط جميل واضح، لكن الورق قد انتشر فيه الحبر بحيث يتعذر على غير المختصين قراءة النص على الوجه.
وتوجد في مكتبة جامعة ليدن قطعة من هذا التاريخ رقمها (٣٠٩٨) فيها السنوات ٧٠٩ - ٧١٨ هـ لا قيمة لها لأنها منسوخة عن النسخة التي وصفناها كتبها محمد بن الحسين بن محمد السنجاري بسفح جبل قاسيون سنة ٧٥٢ هـ.
عملنا في الكتاب:
١ - قابلنا النص بأصله قبل الطبع وبعده ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، ونرجو أن تكون مقابلتنا متقنة وقراءتنا للنص جَيّدة.
٢ - نظمنا مادة النص كما هو متعارف عليه في عصرنا من حيث بداية الفقرات، ووضع النقط عند انتهاء المعاني، والفواصل التي تظهرها وتميزها، وبما يفيد فهم النص فهمًا جيّدًا، ويوضح معانيه ومراميه.
٣ - وعنينا عناية بالغة بتقييد النص بالحركات، لاسيما فيما يشتبه من الألفاظ وأسماء الناس كناهم وأنسابهم وألقابهم، وفي الكتاب جملة ليست بالقليلة من الأسماء والمصطلحات الأعجمية التي عملنا على ضبطها بما وفق الله تعالى، فضلًا عن أسماء البلدان والمواضع، وما رأيناه حريًا بالتقييد من اللغة والنحو وغيرهما.
[ ١ / ١١٦ ]
٤ - ولما كان الكتاب قد حوى الحوادث والتراجم، فقد مَيّزنا الحوادث بدائرة مطموسة (•)، ووضعنا أرقامًا مسلسلة للتراجم شملت جميع ما وصل إلينا من النص، ليمكن الإحالة عليها عند صنع الفهارس اللازمة، إذ جمعنا المترجمين في كل مجلد في نهايته، ثم صنعنا فهرسًا عامًا مرتبًا على حروف المعجم لجميع الكتاب، وآخر للإحالات، وهو فهرس مهم، إذ تكثر الإحالة في الكتب التراجمية إلى المترجمين بنسبهم أو ألقابهم أو كناهم، فيصعب العثور عليهم بغير مثل هذا الفهرس.
٥ - وذكرنا لكل ترجمة جملة طيبة من المصادر المختارة على سبيل الانتقاء لا الاستقصاء، مع الحرص على الإفادة منها جُهد المستطاع، ذلك أنَّ ذكر المصادر للمترجمين من غير الإفادة منها في ضبط النص ومقابلتها به نوع من العبث الذي لا فائدة منه، كما سيأتي بيانه مفصلًا فيما بعد. كما ذكرنا مصدرًا أو مصدرين لبعض الحوادث من غير استغراق ولا تتبع.
٦ - ولم نُعَلّق على النص إلا بما يفيد صحته وضبطه وبيان دلالاته وإشاراته وإثاراته.
٧ - وأصلحنا بعض الأخطاء النحوية التي نرى أن المؤلف في جلالة قدره وعلمه لا يمكن أن يقع فيها، وإنما هي من الناسخ، والظاهر أن المؤلف لم ينتبه إليها وربما كان المقابل يقرؤها على الوجه.
٨ - حافظنا جهد المستطاع على النص الذي عُني به العلامة الدكتور عبد الرحمن العثيمين يرحمه الله، لكننا أعدنا مقابلة النص ثانية، وخففنا من الشكل، وغيّرنا بعض طبعات المصادر إلى ما هو أجود، مثل "صلة التكملة" لعز الدين الحسيني، ومستدرك ابن أيبك الحسامي الدمياطي عليها، ونحوهما، وحذفنا استدراكه على الطبعات السيئة التي بدلناها بطبعات أجود.
[ ١ / ١١٧ ]
٩ - صنعنا في نهاية كل مجلد كشافًا لمحتوياته في الحوادث والتراجم. ثم خصصنا المجلد السادس للفهارس العامة، وفي مقدمتها فهرس المترجمين على حروف المعجم، ثم الإحالات. وعملنا كشافًا للكتب الواردة في المتن، وأكثرها مما قرأه علم الدين البرزالي على شيوخه، ثم كشافًا للمواضع من البلدان والمدن والقرى والمساجد والمدارس ودور الحديث والقلاع والحصون وما إلى ذلك.
١٠ - ولابُد لي أن أنوه بالجهد المتميز الذي بذله معي صديقي الأستاذ الدكتور تركي بن فهد بن عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود، فقد وفر مستلزمات هذا التحقيق على أحسن موفر من تحضير النسخ وأجهزة قراءتها المتطورة، والمشاركة الفاعلة في التحقيق من أول مراحله إلى منتهاه، ثم تجشمه لوحده، إعادة قراءة النص، وتصويب بعض الفوت في الضبط.
والدكتور تركي من فرسان هذا الميدان، فقد حقق ونشر أكثر من نص عن الفترة المملوكية مما عزز خبراته في هذا الميدان.
وإني لسعيد بمشاركته في هذا المجهود العلمي الذي آمل أن يكون فاتحة لأعمال أخرى، فإن العديد من النصوص المطبوعة لم تحقق تحقيقًا علميَّا رصينًا قائمًا على أسس هذا العلم القويمة، نسأل أن ينسأ في الأجل لتحقيق ذلك.
ولابُد لنا أن نذكر بالشكران والعرفان بالجميل إلى الأخ الدكتور سهيل صابان الذي تفضل فزودنا بنسخة ملونة من المخطوط، وأن ننوه بالمساعدة القيمة التي قام بها ثلاثة من طلبتنا النابهين هم: الدكتور مهران الزُّعبي والدكتور محمود بشار العبيدي، والشيخ أبو العباس البَشِّيتي المقدسي، نسأله تعالى أن يوفقهم لكل خير ويزيد من تمكنهم في العلم وتحصيله.
[ ١ / ١١٨ ]