أجمع العلماء المعاصرون والمتأخّرون عن البرزالي بالثناء عليه، وامتداحه، وذكر محاسنه، وحسن خلقه، وثقته في الحديث، وصدقه في كتابة التاريخ، وبراعته في جرح وتعديل الشيوخ، ومعرفة الأجزاء، والإجازات، وتراجم المحدّثين، وأخبار الأعلام، وطول باعه في تحصيل وقائع الحوادث من مصادره الموثوقة على اختلافها.
فقال المؤرّخ الحافظ شمس الدين الذهبيّ في «معجم الشيوخ»: «القاسم ابن شيخنا الإمام، العدل، الكبير، الورع، بهاء الدين أبي الفضل محمد بن يوسف بن محمد، الإمام الحافظ المتقن، الصادق، الحجّة، مفيدنا ومعلّمنا ورفيقنا، محدّث الشام، مؤرّخ العصر، علم الدين، أبو محمد البرزالي، الإشبيلي الأصل، الدمشقي،
[ ١ / ٤٥ ]
الشافعيّ. ولد سنة خمس وستين وستمائة. . . وسمع في سنة ثلاث وسبعين وستمائة وهلمّ جرّا وإلى اليوم من أبيه، فأكثر عنه. . . ثم على خلق من أقرانه، ومن الفضلاء والشعراء بالحرمين، ومصر، ودمشق، والقدس، وحلب، وحماه، والإسكندرية، وعدّة مدائن. فمشيخته بالإجازة والسماع فوق الثلاثة آلاف، وكتبه وأجزاؤه الصحيحة في عدّة أماكن، وهي مبذولة للطلبة، وقراءته المليحة الفصيحة الصحيحة مبذولة لمن قصده، وتواضعه وبشره مبذول لكلّ غنيّ وفقير، فالله يلهمه رشده ويمدّ في عمره.
سمعت منه في سنة أربع وتسعين وستمائة» (^١).
وقال في «ذيل تاريخ الإسلام»: «. . . حفظ القرآن، والتنبيه، ومقدّمة [ابن الحاجب] (^٢) في صغره، وسمع سنة ثلاث وسبعين من أبيه، ومن القاضي عزّ الدين ابن الصائغ، فلما سمعوا «صحيح مسلم» من الإربليّ بعثه والده فسمع الكتاب في سنة سبع، فأحبّ طلب الحديث، ونسخ أجزاء، ودار على الشيوخ،. . . وجدّ في الطلب وذهب إلى بعلبك، ثم ارتحل إلى حلب سنة خمس وثمانين، ومنها ارتحل إلى مصر، وأكثر عن العزّ الحرّاني، وطبقته. وكتب بخطّه الصحيح المليح كثيرا. وخرّج لنفسه وللشيوخ شيئا كثيرا، وجلس في شبيبته مدّة مع أعيان الشهود، وتقدّم في الشروط، ثم اقتصر على جهات تقوم به. ورث من أبيه جملة، وحصّل كتبا جيّدة وأجزاء في أربع خزائن، وبلغ ثبته بضعة وعشرين مجلّدا، وأثبت فيه من كان سمع معه. وله «تاريخ» بدأ فيه من عام مولده، الذي توفي فيه الإمام أبو شامة، فجعله صلة لتاريخ أبي شامة في خمس مجلّدات أو أكثر. وله مجاميع مفيدة كثيرة وتعاليق، وعمل في فنّ الرواية قلّ من بلغ إليه. وبلغ عدد مشايخه بالسماع أزيد من ألفين، وبالإجازة أكثر من ألف.
رتّب ذلك كلّه وترجمهم في مسوّدات متقنة. وكان رأسا في صدق اللهجة والأمانة، صاحب سنّة واتّباع ولزوم للفرائض، خيّرا، متواضعا، حسن البشر، عديم الشرّ، فصيح القراءة، قويّ الدّربة، عالما بالأسماء والألفاظ، سريع السرد مع عدم اللحن والدمج. قرأ ما لا يوصف كثرة، وروى من ذلك جملة وافرة، وكان حليما، صبورا، متودّدا، لا يتكثّر بفضائله، ولا ينتقص بفضائل أخيه، بل يوفّيه فوق حقّه، ويلاطف الناس. وله ودّ في القلوب، وحبّ في الصدور. احتسب عدّة أولاد درجوا، منهم:
محمد، تلا بالسبع، وحفظ كتبا، وعاش ثماني عشرة سنة، ومنهم: فاطمة، عاشت نيّفا وعشرين سنة، وكتبت «صحيح البخاري»، و«أحكام المجد»، وأشياء. وله إجازة عالية عام مولده من ابن عبد الدائم. وإسماعيل بن عزّون، والنجيب، وابن علاّق.
وحدّث في أيام شيخه ابن البخاري. وكان حلو المحاضرة، قويّ المذاكرة، عارفا
_________________
(١) كتب الذهبيّ هذه الترجمة في حياة البرزالي، رحمهما الله.
(٢) ما بن الحاصرتين إضافة من (فوات الوفيات ٣/ ١٩٦).
[ ١ / ٤٦ ]
بالرجال الكبار، ولا سيما أهل زمانه وشيوخهم. يتقن ما يقوله، ولم يخلّف في معناه مثله، ولا عمل أحد في الطلب عمله. حجّ سنة ثمان وثمانين، وأخذ عن مشيخة الحرمين، وخرّج «أربعين بلدانية». ثم حجّ أربعا بعد ذلك. وفي عام وفاته توفي بين الحرمين محرما، وغبطه الناس بذلك، وكان باذلا لكتبه وأجزائه، سمحا في أمورهم، مؤثرا، متصدّقا، رحوما، مشهورا في الآفاق، ومقصدا لمن يلتمس إسماعه.
وكان هو الذي حبّب إليّ طلب الحديث، فإنّه رأى خطّي فقال: خطّك يشبه خطّ المحدّثين. فأثّر قوله فيّ. وسمعت وتخرّجت به في أشياء. ولّي قراءة الحديث سنة عشر وسبعمائة، وقرأه بالظاهرية، وحضر المدارس. وتفقّه مدّة بالشيخ تاج الدين عبد الرحمن وصحبه وأكثر عنه، وسافر معه. وجوّد القرآن على الرضيّ بن دبّوقا.
وتفرّد ببعض مرويّاته. وتخرّج به الطلبة، وما أظنّ الزمان يجود بوجود مثله، فعند ذلك نحتسب مصابنا به. ولقد حزن الجماعة به، خصوصا رفيقه أبو الحجّاج شيخنا، وبكى عليه غير مرة. وكان كلّ منهما يعظّم الآخر ويعرف له فضله. وكان﵀ وعفا عنه-قد أقبل على الخير في آخر عمره، وضعف وحصل له فتق، وختم له بخير، ولله الحمد. وانتقل إلى رضوان الله تعالى بخليص في بكرة يوم الأحد الرابع من ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة ونصف. وولي بعده مشيخة النورية شيخنا المزّي، ومشيخة القوصية ابن رافع، ومشيخة النفيسية العبد (^١)، وباقي وظائفه جماعة. ووقف كتبه وعقارا جيّدا على الصدقة (^٢).
وقال في موضع آخر: «وله في الطلب بضع وخمسون سنة» (^٣).
ووصفه «الصفدي» ب «شيخنا الإمام، الحافظ، المحدّث، المؤرّخ»، وقال إنه:
كتب بخطّه كثيرا، وخرّج لنفسه ولغيره كثيرا، وجلس في شبيبته مع العدول الأعيان مدّة. وتقدّم في معرفة الشروط. ثم إنه اقتصر على جهات تقوم به، وحصّل كتبا جيّدة، وأجزاء في أربع خزائن، وبلغ عدد مشايخه بالسماع أزيد من ألفين، وبالإجازة أكثر من ألف، رتّب كل ذلك وترجمهم في مسوّدات متقنة. وكان-رحمه الله تعالى-رأسا في صدقه، بارعا في خدمه، أمينا، صاحب سنّة واتّباع، ولزوم فرائض، ومجانبة الابتداع، متواضعا مع أصحابه ومن عداهم، حريصا على نفع الطلبة وتحصيل هداهم، حسن البشر، دائمه، صحيح الودّ، حافظ السرّ كاتمه. ليس فيه شرّ، ولا له على خيانة مقرّ، فصيح القراءة، عديم اللحن والدمج، ظاهر الوضاءة، لا يتكثّر بما يعرف من العلوم، ولا يتنقّص بفضائل غيره، بل يوفيه فوق حقّه المعلوم، وكان عالما بالأسماء والألفاظ،
_________________
(١) أي الذهبيّ نفسه.
(٢) ذيل تاريخ الإسلام. أنظر نصوص التراجم للبرزالي.
(٣) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٥٠١.
[ ١ / ٤٧ ]
وتراجم الرواة والحفّاظ، وخطّه كالوشي اليمانيّ، أو رونق الهندواني. لم يخلّف بعده في الطلب وعمله مثله، ولا جاء من وافق شكله شكله. . . وكان-رحمه الله تعالى- لدمشق به في الحديث جمال، بلغ ثبته أربعا وعشرين مجلّدا، وأثبت فيه من كان يسمع معه. وله تاريخ بدأ فيه من عام مولده الذي توفي فيه الإمام أبو شامة، فجعله صلة لتاريخ أبي شامة في ثماني مجلّدات. وله مجاميع وتعاليق كثيرة، وعمل كثير في الرواية، قلّ من وصل إليه، وخرّج أربعين بلديّة. . . ولّي دار الحديث مقرئا فيها، وقراءة الظاهرية سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وحضر المدارس، وتفقّه بالشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري، وصحبه، وأكثر عنه، وسافر معه، وجوّد القراءة على رضيّ الدين بن دبّوقا، وتفرّد ببعض مرويّاته. ثم تولّى مشيخة دار الحديث النورية، ومشيخة النفيسية، ووقف كتبه وعقارا جيّدا على الصدقات.
وقال الصفدي: وقرأت أنا عليه بالرواحيّة قصيدة لابن إسرائيل يرويها عن المصنّف سماعا، وهي في مديح سيّدنا رسول الله ﷺ، أولها:
غنّها باسم من إليه سراها
وقرأت أيضا عليه قصيدتين: ميميّة أولها:
هي المنازل فانزل يمنة العلم
وداليّة، أولها:
قلب يقوم به الغرام ويقعد
في مديح سيّدنا رسول الله ﷺ، نظم الضياء أبي الحسن علي بن محمد بن يوسف الخزرجي، رواهما لي سماعا عن المصنف بالإسكندرية.
وسمعت عليه وعلى الحافظ جمال الدين المزّي «جزء الأربعين العوالي من المصافحات والموافقات والأبدال»، تخريج ابن جعوان للقاضي دانيال. وقرأت عليه غير ذلك، وقرأ هو عليّ قطعة من شعري.
وكان دائم البشر لي، جميل الودّ. وكان من عقله الوافر وفضله السافر أنه يصحب المتعاديين، وكلّ منهما يعتقد صحّة ودّه، ويبثّ سرّه إليه. وكان العلاّمة تقيّ الدين بن تيميّة يودّه ويصحبه. والشيخ العلاّمة كمال الدين بن الزّملكاني يصحبه ويودّه ويثني عليه.
وقال القاضي شهاب الدين بن فضل الله يرثيه بقصيدة أولها:
تراهم بالذي ألقاه قد علموا … شدّ المزار، وبان البان والعلم (^١)
وقال التاج السبكي: «أول سماعه من والده، وقاضي القضاة عزّ الدين بن
_________________
(١) أعيان العصر وأعوان النصر ٤/ ٤٩ - ٥٤، وستأتي القصيدة بكاملها في نصوص ملحق التراجم.
[ ١ / ٤٨ ]
محمد بن عبد القادر بن الصائغ في سنة ثلاث وسبعين وست مائة، ثم سمع بنفسه سنة سبع وسبعين وست مائة وبعدها». وذكر جملة من شيوخه، ونقل ترجمته عن الذهبي، وقال: «أجاز لنا في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة» (^١). وروى عنه عدّة أحاديث بسنده.
وذكر «ابن كثير» له ترجمة قصيرة، ولكنّها مهمّة، فبعد أن أرّخ لوفاته قال إنه غسّل وكفّن ولم يستر رأسه، وحمله الناس على نعشه وهم يبكون حوله، وكان يوما مشهودا، وسمع الكثير أزيد من ألف شيخ، وخرّج له المحدّث شمس الدين بن سعد مشيخة لم يكملها، وقرأ شيئا كثيرا، وأسمع شيئا كثيرا، وكان له خطّ حسن، وخلق حسن، وهو مشكور عند القضاة ومشايخه أهل العلم. سمعت العلاّمة ابن تيميّة يقول:
«نقل البرزالي نقر في حجر». وكان أصحابه من كل الطوائف يحبّونه ويكرمونه، وكان له أولاد ماتوا قبله. وكتبت ابنته فاطمة «البخاري» في ثلاثة عشر مجلّدا فقابله لها، وكان يقرأ فيه على الحافظ المزّي تحت القبّة، حتى صارت نسختها أصلا معتمدا يكتب منها الناس، وكان شيخ حديث بالنورية. وفيها وقف كتبه بدار الحديث السّنّية (^٢)، وبدار الحديث القوصيّة، وفي الجامع، وغيره، وعلى كراسي الحديث.
وكان متواضعا محبّبا إلى الناس، متودّدا إليهم (^٣).
وأثبت له «ابن حبيب الحلبيّ» ترجمة وقع فيها عدّة أخطاء، منها تلقيب والد البرزالي بشهاب الدين، إذ يرد اسم البرزالي ونسبه هكذا: «. . . القاسم ابن الشيخ شهاب الدين أبي الفضل محمد بن الشيخ شهاب الدين بن المولى يوسف بن الحافظ زكريّا بن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد البرزالي. . .»!
فأبو الفضل محمد لقبه «بهاء الدين» وليس «شهاب الدين».
وبين أبي الفضل محمد ويوسف لا يوجد من يقال له الشيخ شهاب الدين، فهذا اسم أو لقب مقحم. وبعد «يوسف» لا يوجد من يقال له: «الحافظ زكريا»، بل هو «زكيّ الدين أبو عبد الله محمد» و«بن» مقحمة.
ولكنّ ترجمة «ابن حبيب» مميّزة عن غيرها، فهو يذكر أنّ أشياخه الذين سمع منهم يزيدون على ألفي نفر، منهم مائة قاض، وثمانون خطيبا، ومائتا أديب، وأشياخه بالإجازة ألف نفر، وسمع من الكتب الكبار نيّفا وخمسين كتابا، ومن الأجزاء المختلفة كثيرا، وأخذ عن العلاّمة شرف الدين أبي العباس أحمد الفزاري، ولازم أخاه الشيخ تاج الدين. . .
_________________
(١) معجم شيوخ التاج السبكي ١/ ٤٦١.
(٢) هكذا في المطبوع، ونرجّح أنها المدرسة السيفية، كما عند الذهبي في: ذيل تاريخ الإسلام.
(٣) البداية والنهاية ١٤/ ١٨٥،١٨٦.
[ ١ / ٤٩ ]
ويقول: رأيت الشيخ علم الدين المذكور بدمشق، واجتمعت به مرّات، وسمعت من فوائده، وبقراءته على عدّة من مشايخ الحديث بها. وكتب عنّي قصيدة نبويّة. ثم وقفت على تاريخه المذكور، وعلى معجمه المشتمل على ذكر مشايخه، وهما أكثر من عشرين مجلّدا، ونقلت منهما واستفدت. وكتبت على المعجم المذكور:
يا طالبا نعت الشيوخ وما رأوا … ورووا على التفصيل والإجمال
دار الحديث انزل تجد ما تبتغي … لك بارزا في معجم البرزالي
ومن إنشاده في المعجم المذكور للشيخ الإمام المقري نجم الدين أبي محمد عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه الواسطي من أبيات:
ثق بالإله وكن عليه معوّلا … ما خاب من أضحى عليه يعوّل (^١)
وذكر له «ابن ناصر الدين الدمشقي» ترجمة فيها شيء لم يذكره سابقوه من المؤرّخين مع تأخّره، وفيها: «ولقد حكى مشايخنا عنه أنه كان إذا قرأ الحديث ومرّ به حديث ابن عباس في قصّة الرجل الذي كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات. . . الحديث. وفيه: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبّيا» (^٢)، فكان إذا قرأه يبكي ويرقّ قلبه، فمات محرما بخليص كما تقدّم.
وسمعت بعض مشايخنا يذكر أنّ الحفّاظ الثلاثة: المزّي، والذهبي، والبرزالي، اقتسموا معرفة الرجال، فالمزّي أحكم الطبقة الأولى، والذهبي الوسطى، والبرزالي الأخيرة، يعني كمشايخ عصره ومن فوقهم بقليل، ومن بعدهم. ومن اطّلع على معجم البرزالي حقّق ذلك.
وفيه يقول الذهبي فيما أنبأونا عنه:
إن رمت تفتيش الخزائن كلّها … وظهور أجزاء حوت وعوالي
ونعوت أشياخ الوجود وما رووا … طالع أو اسمع معجم البرزالي
وهو الذي مدحه الشيخ العالم الأوحد، أبو عبد الله، محمد بن محمد بن
_________________
(١) تذكرة النبيه ٢/ ٣٠٢،٣٠٣.
(٢) الحديث في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين ٢/ ٧٥ «حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حمّاد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال فأوقصته، قال النبيّ ﷺ: اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبين ولا تحنّطوه ولا تخمرّوا رأسه فإنه يبعث يوم القيام ملبّيا». وهو في باب الحنوط للميّت، وباب كيف يكفّن المحرم، وأخرجه مسلم في الحج، وأبو داود في الجنائز. والترمذي في الحج، والنسائي في المناسك، وابن ماجه في المناسك، والدارمي في المناسك، وأحمد في المسند ١/ ٢١٥ و٢٦٦ و٢٨٦ و٣٤٦.
[ ١ / ٥٠ ]
عبد الكريم بن الموصلي، الطرابلسي (^١)، الشافعيّ، لما قدم حاجّا في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة:
ما زلت أسمع عنكم كلّ عارفة … لمثلها وإليها ينتهي الكرم
وكنت بالسماع أهواكم فكيف وقد … رأيتكم وبدا لي في الهوى علم (^٢)
وقال تاج الدين السبكي إنّ البرزالي هو أحد الأربعة الذين لا خامس لهم في هذه الصناعة، وكان مفيد جماعة المحدّثين على الحقيقة، ولما ورد الوالد إلى الشام في سنة ست وسبعمائة كان هو القائم بتسميعه على المشايخ، واستقرّت بينهما صحبة، فلما عاد الوالد إلى الشام في سنة تسع وثلاثين في رجب قاضيا لازمه الشيخ علم الدين إلى أوان الحج فحجّ ومات محرما (^٣). ولما وصل خبر موته إلى دمشق صلّوا عليه صلاة الغائب (^٤).
وقال الحافظ ابن حجر: «وكان باذلا لكتبه بحيث أنه كان يصاحب المتعاديين، فلا يكتم واحد منهما سرّه لوثوقه به» (^٥).
وقال شمس الدين محمد بن أيوب بن إسماعيل الزرعي، المتوفى في ٨ ربيع الآخر سنة ٧١١ هـ. /١٣١١ م. يمدح البرزالي:
إن كنت مشغوفا بنيل معالي … وبنظم درّ في عقود لآلي
فأنخ ركابك في دمشق ورد إلى … بحر العلوم وساحل البرزالي
العلم الصدر المفيد سجيّته … علم الهداة القاسم البرزالي
_________________
(١) توفي ابن الموصلي الطرابلسي سنة ٧٧٤ هـ. انظر عنه في: ذيل العبر ٢/ ٣٥٥، والوافي بالوفيات ١/ ٢٦٢، ودرّة الأسلاك ٢/ورقة ٤٧٤، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٢٨٤، ٢٨٥ رقم ٦٧٢، وتاريخ ابن قاضي شهبة ٣/ ٤٢٤، والسلوك ج ٣ ق ١/ ٢٠٩، وإنباء الغمر ١/ ٥٢، والدرر الكامنة ٤/ ١٨٨ رقم ٥٠٤، وعقد الجمان ج ٢٤ ق ٢/ورقة ١٧٠، والردّ الوافر ٣١ و٣٢ و٧٥ و١٢٨ و١٩٥، والمنهل الصافي ٥/ورقة ٢٤٥ و٢٤٧ و٣/ورقة ٢٨٨، والدليل الشافي ٢/ ٦٩٧ رقم ٢٣٨٤، ولحظ الألحاظ ٢٥٢، وبغية الوعاة ١/ ٢٢٨، ووجيز الكلام ١/ ١٩٤ رقم ٤٠١، وطبقات المفسّرين للداوودي ٢/ ٢٣٩، وكشف الظنون ٢/ ١٥٦٨ و١٧١٥ و١٨٧٥، وشذرات الذهب ٦/ ٢٣٦، وهدية العارفين ٢/ ١٦٦، ورجال العلاّمة الحلّي ١٣، ومنادمة الأطلال ٤٩، والأعلام ٧/ ٣٩،٤٠، ومعجم المؤلفين ١١/ ٢٣٥،٢٣٦، ونيل الأمل في ذيل الدول لعبد الباسط بن خليل (بتحقيقنا) ٢/ ٤٧،٤٨ رقم ٤٤٢، وموسوعة علماء المسلمين (تأليفنا) ق ٢ ج ٤/ ١٤٨ - ١٥٢ رقم ١١٦٢.
(٢) الرد الوافر ١١٩،١٢٠.
(٣) طبقات الشافعية الكبرى ٦/ ٢٤٦،٢٤٧.
(٤) مرآة الجنان لليافعي ٤/ ٣٠٣.
(٥) الدرر الكامنة ٣/ ٢٣٨.
[ ١ / ٥١ ]
يا معلم الطرفين يا نجل البها … يا سابق الأقران والأمثال
فقت الأنام رواية ودراية … وإفادة وسيادة بكمال
وأقمت منهاج الحديث وأهله … ونسخت نسخهم على منوال
وخلفت أحمد والخطيب ومسلما … والبيهقيّ ذوي السماع العالي
وفخرت بالتصحيح والتعديل … والتحبير والتّعليق والإرسال
يا سيّد الحفّاظ يا متميّزا … يمتاز منك الفضل والإفضال
لا تعتبن عليّ في نظمي لك … البيتين للتذكير في استعجال
فالريح والتيّار أصدق شاهد … ولربّما هذا عداة نزال
فاسلم قريرا بالبها ممتّعا … وبرئت من خلف ومن إخلال
وله أيضا فيه يمدحه:
أيا علم الدين يا سيّدي … ومن حسنه مثل نور القمر
ويا أفصح الناس عند الحديث … وأبينهم حين يروى الخبر
وأكرم من قصد الواردين … فيتحفهم بجزيل البدر
عزمت أسافر يا سيدي … لعلّ يساعدني في السفر
فما لي سواك في العالمين … لأنك عون لنا في الحضر
كرا البيت أحرم عيني المنام … فمن همّه ألفت السّهر
أحسّ إذا ما وزنت الكرا … بجوا ضلوعي كوخز الإبر
أبعت الغطاء وما أفنيته … وآلات بيتي والمدّخر
ولم يبق عندي سوى فروتي … فلو بعتها لاعتراني الضرر
وأنت الكريم الذي القاصدون … على باب جودك منهم زمر
فتتحف كلاّ على قدره … فعشت موقى لشرّ القدر (^١)
وقبل أن يتوفى بهاء الدين القاسم بن المظفّر بن عساكر الدمشقي الطبيب سنة ٧٢٣ هـ. بقليل وقف داره دار حديث، وخصّ «البرزاليّ» بشيء من برّه (^٢).
وقال فيه علي بن لبان الكركي المحدّث يمدحه:
علّقت هذا الجزء منّي خدمة … للسيّد ابن السيّد المفضال
على الهدى من حاز كلّ فضيلة … القاسم بن محمد البرزالي
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان ٥/ورقة ٤٤٨،٤٤٩.
(٢) البداية والنهاية ١٤/ ١٠٨.
[ ١ / ٥٢ ]
ربّ الرواية، والدراية، والفصاحة، … والسماحة، والمحلّ العالي
لا ترجون من الزمان بمثله … إنّ الزمان بمثله لمغالي
سل عنه تاج الدين يخبر فضله … لما أتى بجواهر ولآلي
وأتى بكلّ بديعة، وغريبة … وفضله كالوابل الهطّال
له درّ موافقات من … لفظه تزهو مع الأبدال
فاق الأكابر مع حداثة سنّه … وسما إلى سناء العلا المعالي (^١)
ونقل ابن حجر عن «البدر النابلسي» الذي كتب بخطّه عن البرزالي: «كان حسن الوجه واللباس، كثير التواضع، كريم النفس، كثير الحلم، ضحوك السنّ، يحتمل الأذى ويغضي عن من يغض منه» (^٢).
وقد خرّج له المحدّث شمس الدين بن سعد «مشيخة» لم يكملها (^٣)، وبيّض له الذهبيّ ترجمة في جزء مفرد (^٤).