المقتفي
في مقدمة تاريخه كتب «البرزالي» ما يلي: «. . كان تاريخ الشيخ الإمام العلاّمة الحافظ المفتي شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسيّ، المعروف بأبي شامة، رحمه الله تعالى، الذي جعله ذيلا على كتابه المسمّى ب «الروضتين في أخبار الدولتين»، ورتّبه على السنين، وابتدأ فيه من أول سنة تسعين وخمس ماية، وانتهى فيه إلى سنة وفاته سنة خمس وستين وستماية، وهي سنة مولدي، مجموعا حسنا، وذيلا مستحسنا. ولمّا طالعته وحصّلت به نسخة وقابلته أحببت أن أذيّل عليه من تلك السنة، وأن أحذوا (!) حذوه فيما أتقنه وبيّنه، وأن أهتدي بأنواره، وأن أعدّ من جملة أعوانه وأنصاره، ليكون تاريخه معلما، وإتقانه محكما» (^١).
بهذه المقدّمة القصيرة أوضح «البرزالي» سبب تصنيفه لهذا الكتاب، إذ المعروف أنّ «أبا شامة المقدسي» ألّف كتابه «الروضتين»، ثم ذيّل عليه، فجاء كتاب «البرزالي» ذيلا على «ذيل الروضتين»، وهو يقتفي أثره، فعرف ب «المقتفي على كتاب الروضتين»، كما عرف ب «تاريخ البرزالي»، وهذا ما تؤكّده عبارة ناسخ الكتاب بإقرار المؤلّف في نهاية المجلّد الأول منه، حيث كتب يقول: «آخر المجلّد الأول من التاريخ المسمّى بالمقتفي تأليف الحافظ علم الدين بن البرزالي (^٢). . .»، وتكرّرت العبارة ذاتها في آخر المجلّد الثاني (^٣) وهكذا سمّاه «السخاوي» (^٤)، و«الفيّومي»، كما سيأتي.
ويؤرّخ الكتاب لثلاث وسبعين سنة، من سنة ٦٦٥ إلى سنة ٧٣٨ هـ.، أي من سنة ولادة المؤلف إلى السنة التي سبقت وفاته.
واختلف المؤرّخون حول حجم الكتاب، فقال الحافظ الذهبيّ والتاج السبكي هو في خمس مجلّدات أو أكثر (^٥)، وقال الصفدي هو في ثماني مجلّدات (^٦).
_________________
(١) المقتفي ١/ورقة ٢ أ.
(٢) المقتفي ١/ورقة ٢٨٩ أ.
(٣) المقتفي ٢/ورقة ٣٤٣ أ.
(٤) الإعلان بالتوبيخ، للسخاوي ٣٠٥.
(٥) ذيل تاريخ الإسلام ٣٥٩، ومعجم شيوخ التاج السبكي ١/ ٤٦٢.
(٦) أعيان العصر ٤/ ٥٠.
[ ١ / ٨٧ ]
وقال ابن قاضي شهبة هو في سبع مجلّدات، نقلا عن الذهبيّ (^١)!
فأيّ الأقوال هو الصحيح؟
-المرجّح أنه يتألّف من أربع مجلّدات. وصلنا منها مجلّدان كاملان، ومجلّدان ناقصان. فالمجلّدان الكاملان هما الأول والثاني. يتناول الأول منهما حوادث ووفيات بدءا من سنة ٦٦٥ هـ. /١٢٦٧ م. إلى نهاية سنة ٦٩٨ هـ. /١٢٩٩ م. أي أنّه يؤرّخ لأربع وثلاثين عاما. أمّا المجلّد الثاني فيؤرّخ لحوادث ووفيات من أول سنة ٦٩٩ هـ. /١٢٩٩ م، إلى نهاية سنة ٧٢٠ هـ. /١٣٢٠ م. أي مدّة اثنتين وعشرين سنة.
والمجلّدان الناقصان وصل بعضهما إلينا عن طريق صديق المؤلّف ورفيقه المؤرّخ «ابن الجزري» المتوفّى قبله بأشهر من سنة وفاته ٧٣٩ هـ. /١٣٣٩ م. حيث نقل عن مسوّدة تاريخ البرزالي الكثير من الحوادث والوفيات ووضعها في كتابه «تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه» (^٢)، ويعرف بتاريخ ابن الجزريّ، وذلك اعتبارا من حوادث سنة ٧٢٦ (^٣) هـ. /١٣٢٦ م. حتى نهاية كتابه ٧٣٨ هـ. /١٣٣٨ م. وتكاد المادّة التي نقلها «ابن الجزري» عن كتاب البرزالي تشكّل نحو نصف كتابه «تاريخ حوادث الزمان. . .»، ومثالا على ذلك، فإنّ كتاب تاريخ ابن الجزري فيه (١٣٩٨) ترجمة للوفيات، منها (٦٨١) ترجمة مأخوذة كلّيا أو جزئيا عن تاريخ البرزالي (^٤). ومثل هذا يقال عن الحوادث. واعتبارا من وفيات سنة ٧٢٩ هـ.
بدأ ينبّه إلى أنه ينقل عن «تعليق» البرزالي-حسب تعبيره-وراح يصدّر وفيات كل سنة بتنبيه للقارئ يدلّ على أنها ليست كلّها من جمعه، فقال في صدر وفيات سنة ٧٣١ هـ.: «قلت: كل ما أكتب من الوفيات في أوله: «وذكر»، يكون من تعليق الحافظ علم الدين بن البرزالي. وكلّما أكتبه: «وتوفّي»، أو «في كذا وكذا» هو ما عنيت بجمعه. وثمّ من التراجم يكون أنا وإيّاه مشتركين فيها، إمّا من المولد، أو ذكر مشايخ المتوفّى، أو شيئا بلغه ولم يبلغني. فما ينبغي أن أضيّع تعبه وأدّعيه لنفسي، وبالله التوفيق» (^٥).
وكتب في صدر وفيات سنة ٧٣٣ هـ.: «قلت: كلّما أكتب: «ذكر» فيكون من تعليق الحافظ علم الدين ابن البرزالي. وما أكتب: «وتوفّي» «وفي اليوم الفلاني
_________________
(١) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ١٣٢.
(٢) حقّقنا نسخته الفريدة عن مخطوطة كوبريلي باستانبول، رقم ١٠٣٧، وصدر في مجلّدين ١٩٩٨.
(٣) تاريخ حوادث الزمان ٢/ ١٠٤.
(٤) تاريخ حوادث الزمان ٢/ ٣٠.
(٥) تاريخ حوادث الزمان ٢/ ٤٧٣.
[ ١ / ٨٨ ]
توفّي» يكون ما عنيت به من تعليقي، وكل ترجمة لا أعرف مولده ولا سماعه أقول:
«وذكر الشيخ أنّ مولده»، أو «سمع على فلان». وقد بيّنت ذلك حتى لا يضيع تعبه وجمعه. فمن وقف على تاريخي فليذكرني وليترحّم عليّ ولا يضيّع تعبي ولا تعب الشيخ علم الدين. .» (^١).
يتبيّن مما تقدّم أنّ الضائع حتى الآن من تاريخ البرزالي هو حوادث ووفيات من أول سنة ٧٢١ هـ. حتى نهاية سنة ٧٢٥ هـ. أي خمس سنوات، لم نجد منها سوى بضعة أخبار في «البداية والنهاية» لابن كثير، من حوادث سنتي ٧٢١ و٧٢٣ هـ.، وبضعة حوادث ذكرها «النويري» في «نهاية الأرب» (^٢).
وقد تضمّن المجلّد الثالث من تاريخ البرزالي حوادث ووفيات من أول سنة ٧٢١ إلى نهاية سنة ٧٢٩ هـ. أي تسع سنين. وتضمّن المجلّد الرابع والأخير من أول سنة ٧٣٠ إلى آخر سنة ٧٣٨ هـ. أي تسع سنين أيضا، منها سبع سنوات مبيّضة، هي من ٧٣٠ إلى ٧٣٦ هـ.، وسنتان مسوّدتان هما:٧٣٧ و٧٣٨ هـ.
وللدلالة على تقسيم المجلّدين: الثالث والرابع على النحو الذي تقدّم، لدينا نصّ مهمّ كتبه «النعيمي» المتوفى ٩٢٧ هـ. /١٥٢٠ م. في كتابه «تنبيه الدارس إلى ما في دمشق من المدارس» يقول: «وقفت في أثناء جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وثماني مئة على الجزء الأخير من تاريخه من أول سنة ثلاثين وسبع مئة، فرأيته قد نقل فيه عن الذهبي في نحو سبعة مواضع، ثم رأيت الذهبي قد وقف عليه وكتب على أوله: «علّقه ودعا له الذهبي». ورأيت خط ابن حجر عليه في أماكن أفاد فيها زيادة على ما ذكره البرزاليّ» (^٣).
من هذا النص نعرف أنّ المجلّد الرابع يبدأ من أول سنة ٧٣٠ هـ. وبما أنّنا نعرف يقينا أنّ المجلّد الثاني ينتهي بنهاية سنة ٧٢٠ هـ. فيكون المجلّد الثالث هو المتضمّن لحوادث ووفيات ٧٢١ - ٧٢٩ هـ.
أمّا عن السنوات المبيّضة والسنتين المسوّدتين من المجلّد الرابع والأخير، فلدينا ما قاله «ابن رافع السلامي» في كتابه «الوفيات» الذي جعله ذيلا على تاريخ البرزالي:
«. . . فإنّي لما رأيت تاريخ الحافظ أبي محمد القاسم بن محمد البرزالي انتهى فيه إلى آخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة مبيّضا، أردت أن أذيّل عليه، ثم رأيت في المسوّدات سنتين فكتبت منها ما تيسّر مع الذي جمعته» (^٤).
_________________
(١) تاريخ حوادث الزمان ٣/ ٦٠٨.
(٢) انظر الملحق في آخر الجزء الرابع من هذا الكتاب.
(٣) تنبيه الدارس، للنعيمي ١/ ١١٣.
(٤) الوفيات، لابن رافع ١/ ٦٧ و١٢٥. -
[ ١ / ٨٩ ]
أمّا انتهاء الكتاب بانتهاء سنة ٧٣٨ هـ. فلدينا دليلان مؤكّدان، الأول هو قول:
«ابن كثير» في آخر وفيات سنة ٧٣٨ هـ. من كتابه «البداية والنهاية» بعد ترجمته لابن القيّم المتوفّى ١٧ ذي الحجة: «وهذا آخر ما أرّخه الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيّل به على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي. وقد ذيّلت على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبع مئة» (^١).
والدليل الثاني هو كتاب «تاريخ حوادث الزمان. . .» لابن الجزري، الذي ينتهي بتراجم وفيات سنة ٧٣٨ هـ، أيضا، ومعظم وفيات هذه السنة مأخوذة من تاريخ البرزالي، ولهذا اعتقد الكثير من الباحثين أنّ تاريخ ابن الجزري هو من تأليف البرزالي (^٢)، والذي يقوّي هذا الاعتقاد-غير الصحيح-هو العبارة التي وردت في آخر مخطوط «تاريخ حوادث الزمان». ونصّها: «كاتب هذا الجزء الشيخ الإمام الحافظ علم الدين بن البرزالي، وهو أكبر موقّعين (!) الحكم العزيز بدمشق، وسمعه بدار الحديث النورية. . . نظر فيه ودعا لمؤلّفه الشيخ علم الدين البرزالي، العبد الفقير إلى الله تعالى: محمد بن عبد الله الرحبيّ. . . (^٣)».
لقد كان «البرزالي» على صلة وثيقة بابن الجزري، وكان يعنى بالتأريخ والوفيات مثله، وهما متعاصران، متقاربان في العمر تقريبا، إذ ولد ابن الجزري سنة ٦٥٨ وولد البرزالي سنة ٦٦٥ هـ. وبينهما سبع سنين فقط، وتوفّيا في سنة واحدة ٧٣٩ هـ. فكان ابن الجزري هو الأسبق، بنحو عشرة أشهر، حيث توفي ليلة الإثنين ١٢ ربيع الأول.
وعندما توفي كتب البرزالي ترجمته في آخر كتابه «تاريخ حوادث الزمان»، وقال في آخرها: «وكان بينهما مودّة كبيرة، ومحبّة وافرة، وصحبة أكيدة، وله خبرة بأحواله، وما كان عليه من الأحوال الصالحة» (^٤). وكان «ابن الجزري» يكنّ الودّ والمحبّة لصاحبه البرزالي، ويقدّمه على غيره، ولا يثق إلاّ بروايته وتأريخه، وقد أكدّ ذلك في غير موضع من كتابه، ففي حوادث سنة ٧٣٥ استفاض بدمشق دخول عسكر حلب إلى
_________________
(١) = وجاء في: إرشاد الطالبين إلى شيوخ قاضي القضاة شيخ الإسلام أبي حامد محمد بن عبد الله ابن ظهيرة أن أبا المعالي محمد بن رافع بن هجرس الصميدي السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ. جمع «ذيلا على تاريخ دمشق للحافظ أبي محمد البرزالي» (ج ٢/ ٤٧٦ - ٤٨٢)، فكأن «تاريخ البرزالي» هو «تاريخ دمشق»! وهذه تسمية لم يذكرها غيره.
(٢) البداية والنهاية ١٤/ ١٨٣.
(٣) التاريخ العربي والمؤرّخون ٤/ ٤٥.
(٤) تاريخ حوادث الزمان ٣/ ١٠٧٠.
(٥) تاريخ حوادث الزمان ٣/ ١٠٧٠.
[ ١ / ٩٠ ]
بلاد سيس وخروجه منها سالما، فكثر القول في ذلك واختلف «فلم أعتمد على شيء منه فأكتبه سوى خط الحافظ علم الدين البرزالي، فنقلته، وهو ما صورته. . (^١)»، ووقع في حماه حريق عظيم، وزاد القول ونقص واختلف «فنقلت أيضا من خط الحافظ علم الدين ما صورته. . (^٢)»، ونقل عنه أيضا خبر الزلزلة بالقاهرة في سنة ٧٣٥ هـ (^٣). ويبدي «ابن الجزري» مشاعره الحميمة نحو صاحبه البرزالي بشكل واضح على صفحات كتابه، عندما يذكر في أثناء وفيات ٧٢٧ هـ. أنه لم يبق للبرزالي من الأولاد سوى بنت واحدة هي قرّة عين له، وقد ولدت فمات ابنها وهو جنين في بطنها، فنذر هو إن عافاها الله من ذلك أن يصوم يوما شكرا، وتصدّق بشيء يسير، ودعا لها. وكان أبوها مريضا في ذلك الوقت (^٤)، ويظهر أنه كانت تربط بين المؤرّخين علائق أسريّة، حيث كتب ابن الجزري يدعو الله تعالى أن يمدّ بنت البرزالي بالعافية، ويحبسها على والدتها.
وعندما توفيت بنت البرزالي كان ابن الجزري مريضا يعاني من ألم في ظهره، فلم يتمكّن من تشييع جنازتها، فكتب يعزّي والدها:
أيا علم الدين الذي بصفاته … محاسن لم يبرح بها عالي القدر
أعزّيك فيمن قد مضت لسبيلها … مكمّلة الأوصاف طيّبة الذكر
أنا خجل، يا مالكي من تخلّفي عن … السّعي معمن راح معها إلى القبر
ولكنّني في شدّة بي مضرّة بها … قد حرمت النوم من وجع الظهر
وفي هكذا من مدّة في تألّم وفي … وجع بي قد عدمت به صبري
وإنّي مع التقصير صرت حقيقة … بهذا الذي قد صار بي واضح العذر
فأحسن ربّ العرش فيها لك الجزا … أو عوّضت عنها بالثواب وبالأجر (^٥)
وكان بين البرزالي وشقيق ابن الجزري «أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر» المتوفّى سنة ٧٠٠ هـ. صحبة، وسمع «أحمد» هذا بقراءة البرزالي كثيرا من الحديث على شيوخ كثيرين، وكان يقصد السماع بقراءته ويحفظ أسماء مسموعاته وشيوخه، ويذاكره في ذلك (^٦). وكان ولد المؤرّخ ابن الجزري يصحب البرزالي في إحدى رحلاته إلى
_________________
(١) تاريخ حوادث الزمان، لابن الجزري ٣/ ٧٦٩.
(٢) تاريخ حوادث الزمان، لابن الجزري ٣/ ٧٧٢.
(٣) تاريخ حوادث الزمان، لابن الجزري ٣/ ٧٧٣.
(٤) تاريخ حوادث الزمان، لابن الجزري ٢/ ٢١١.
(٥) تاريخ حوادث الزمان، لابن الجزري ٣/ ٨٤١.
(٦) المقتفي ٢/ورقة ٣٤ أ.
[ ١ / ٩١ ]
الحج، فأخذ بقراءته عشرين حديثا من «الغيلانيّات» ببدر بطريق الحجاز (^١). وبحكم هذه العلاقات الأخويّة والحميمة التي كانت تربط بين المؤرّخين تسنّى لابن الجزري أن يكون تاريخ البرزالي تحت يده، فنقل منه معظم مادّته بأمانة أقرّه عليها البرزاليّ.
وروى عنه البرزالي هذه الأبيات من شعره:
إلهي قد أعطيتني ما أحبّه … وأطلبه من أمر دنياي والدّين
وأغنيتني بالقنع عن كلّ مطمع … وألبستني عزّا يجلّ عن الهون
وقطّعت من كل الأنام مطامعي … فنعماك تكفيني إلى حين تكفيني
ومن دقّ بابا غير بابك خاضعا … غدا راجعا عنه بصفقة مغبون (^٢)