في: تذكرة النبيه لابن حبيب
(ت ٧٧٩ هـ.)
ج ٢/ ٣٠٢،٣٠٣
وفي رابع ذي الحجّة منها توفي الإمام الحافظ، علم الدين، أبو محمد، القاسم ابن الشيخ شهاب الدين أبي الفضل محمد بن الشيخ شهاب الدين بن المولى يوسف بن الحافظ زكريا بن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد البرزالي، الإشبيلي، ثم الدمشقي، محدّث الشام، ومؤرّخ العصر، محرما بمنزلة خليص، قريبا من مكة شرّفها الله تعالى، عن خمس وسبعين سنة. كان عالما عاملا، محدّثا، كاملا، كاتبا مجيدا، متفنّنا، محرّرا، ضابطا، مكثرا، ماهرا في كتابة الشروط، عارفا بالمكاتيب الشرعية، معظّما عند الحكّام والأعيان، محبّبا إلى الناس، ديّنا خيّرا، حسن الأخلاق، كثير التّواضع والتّودّد، قائما بحقوق أصحابه، ذا مروءة وافرة، وأوصاف شيمها باهرة، وهمّة عالية، رحل في طلب الحديث، إلى البلاد الشامية، والديار المصرية، وثغر الإسكندرية، ومكة المشرّفة، والمدينة النبوية، وسمع الكثير من الجمّ الغفير، وقرأ وكتب وحدّث، وروى وأفاد، وجمع وألّف، ورتّب وصنّف، وانتقى وخرّج، وعني بهذا الشأن، ثبته عشرون مجلّدا (^١)، وأشياخه الذين سمع منهم يزيدون على ألفي نفر، منهم مائة قاض، وثمانون خطيبا، ومائتا أديب، وأشياخه بالإجازة ألف نفر، وسمع من الكتب الكبار نيّفا وخمسين كتابا، ومن الأجزاء المختلفة كثيرا، وأخذ عن العلاّمة شرف الدين أبي العباس أحمد الفزاري، ولازم أخاه الشيخ تاج الدين، ولقي المشايخ وسمع منهم، وقرأ عليهم كثيرا بعبارته الفصيحة الصحيحة، وجمع تاريخا مفيدا، رحمه الله تعالى.
رأيت الشيخ علم الدين المذكور بدمشق، واجتمعت به مرّات، وسمعت من فوائده، وبقراءته على عدّة من مشايخ الحديث بها، وكتب عنّي قصيدة نبوية، ثم وقفت على تاريخه المذكور، وعلى معجمه المشتمل على ذكر مشايخه، وهما أكثر من
_________________
(١) في المطبوع: «عشرون ولدا»!
[ ١ / ٨١ ]
عشرين مجلدا، ونقلت منهما، واستفدت، وكتبت على المعجم المذكور:
يا طالبا نعت الشيوخ وما رأوا … ورووا على التفصيل والإجمال
دار الحديث انزل تجد ما تبتغي … لك بارزا في معجم البرازلي
ومن إنشاده في المعجم المذكور للشيخ الإمام المقرئ نجم الدين أبي محمد عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه الواسطي من أبيات:
ثق بالإله وكن عليه معوّلا … ما خاب من أضحى عليه يعوّل
ومتى عراك من الزمان ملمّة … فاصبر فصبرك عند ذلك يجمل
والق الأسود بعزمة لا تنثني … والح الذي أمسى يلوم ويعذل
حارب بأسياف التّقى جيش الهوى … فالحقّ يسمو والعسير يسهل
واحفظ زمانك لا تكن ممّن غدا … بعسى وليت وربّما يتعلّل
[ ١ / ٨٢ ]