ذيل تاريخ الإسلام-للذهبي (ت ٧٤٨ هـ)
ص ٣٥٩ - ٣٦٣ رقم ١٠٨١
البرزالي هو الشيخ، المحدّث، الإمام، العالم، الحافظ، مفيد الشام، مؤرّخ الإسلام، علم الدين، أبو محمد، القاسم ابن العدل الكبير بهاء الدين محمد بن يوسف ابن الحافظ زكيّ الدين البرزاليّ الإشبيليّ، الدمشقيّ، الشافعيّ، شيخ الحديث.
ولد في جمادى الأولى سنة خمس وستّين وستمائة، وحفظ القرآن، و«التّنبيه»، و«مقدّمة» في صغره. وسمع سنة ثلاث وسبعين من أبيه، ومن القاضي عزّ الدين بن الصّائغ، فلما سمعوا «صحيح مسلم» من الإربليّ بعثه والده فسمع الكتاب في سنة سبع، فأحبّ طلب الحديث، ونسخ أجزاء، ودار على الشيوخ، فسمع من: ابن أبي الخير، وابن أبي عمر، وابن علاّن، والمقداد، وابن الدرجيّ، وابن شيبان، والفخر.
وجدّ في الطّلب وذهب إلى بعلبكّ، ثم ارتحل إلى حلب سنة خمس وثمانين، ومنها ارتحل إلى مصر، وأكثر عن العزّ الحرّاني، وطبقته.
وكتب بخطّه الصحيح المليح كثيرا. وخرّج لنفسه وللشيوخ شيئا كثيرا، وجلس في شبيبته مدّة مع أعيان الشهود، وتقدّم في الشروط، ثم اقتصر على جهات تقوم به.
وورث من أبيه جملة، وحصّل كتبا جيّدة وأجزاء في أربع خزائن، وبلغ ثبته بضعة وعشرين مجلّدا، وأثبت فيه من كان سمع معه.
وله «تاريخ» بدأ فيه من عام مولده، الّذي توفّي فيه الإمام أبو شامة، فجعله صلة «لتاريخ أبي شامة» في خمس مجلّدات أو أكثر. وله مجاميع مفيدة كثيرة وتعليق، وعمل في فنّ قلّ من بلغ إليه. وبلغ عدد مشايخه بالسماع أزيد من ألفين، وبالإجازة أكثر من ألف، رتّب ذلك كلّه وترجمهم في مسوّدات منمّقة.
[ ١ / ٦١ ]
وكان رأسا في صدق اللهجة والأمانة، صاحب سنّة واتّباع ولزوم للفرائض، خيّرا، متواضعا، حسن البشر، عديم الشّرّ، فصيح القراءة، قويّ الدّربة، عالما بالأسماء والألفاظ، سريع السّرد مع عدم اللحن والدّمج، قرأ ما لا يوصف كثرة، وروى من ذلك جملة وافرة. وكان حليما، صبورا، متودّدا، لا يتكثّر بفضائله، ولا ينتقص بفضائل أخيه، بل يوفّيه فوق حقّه، ويلاطف النّاس. وله ودّ في القلوب، وحبّ في الصدور. احتسب عدّة أولاد درجوا منهم: محمد تلا بالسبع، وحفظ كتبا، وعاش ثماني عشرة سنة، ومنهم: فاطمة، عاشت نيّفا وعشرين سنة، وكتبت «صحيح البخاري» و«أحكام المجد»، وأشياء.
وله إجازة عالية عام مولده من ابن عبد الدائم، وإسماعيل بن عزّون، والنّجيب، وابن علاّق. وحدّث في أيام شيخه ابن البخاريّ.
وكان حلو المحاضرة، قويّ المذاكرة، عارفا بالرجال الكبار، ولا سيّما أهل زمانه وشيوخهم. يتقن ما يقوله، ولم يخلف في معناه مثله، ولا عمل أحد في الطلب عمله.
حجّ سنة ثمان وثمانين، وأخذ عن مشيخة الحرمين، وخرّج «أربعين بلدانية».
ثم حجّ أربعا بعد ذلك. وفي عام وفاته توفّي بين الحرمين محرما، وغبطه الناس بذلك.
وكان باذلا لكتبه وأجزائه، سمحا في أموره، مؤثرا، متصدّقا، رحوما، مشهورا في الآفاق، ومقصدا لمن يلتمس إسماعه.
وكان هو الّذي حبّب إليّ طلب الحديث، فإنّه رأى خطّي فقال: خطّك يشبه خطّ المحدّثين. فأثّر قوله فيّ. وسمعت وتخرجت به في أشياء.
ولّي قراءة الحديث سنة عشر وسبعمائة، وقرأه بالظاهرية، وحضر المدارس.
وتفقّه مدّة بالشيخ تاج الدين عبد الرحمن وصحبه وأكثر عنه، وسافر معه. وجوّد القرآن على الرضيّ بن دبّوقا (^١)، وتفرّد ببعض مرويّات. وتخرّج به الطلبة، وما أظنّ الزمان يسمح بوجود مثله، فعند ذلك نحتسب مصابنا به. ولقد حزن الجماعة به، خصوصا رفيقه أبو الحجّاج شيخنا، وبكى عليه غير مرّة. وكان كلّ منهما يعظّم الآخر ويعرف له فضله.
وكان، ﵀ وعفا عنه، قد أقبل على الخير في آخر عمره، وضعف وحصل له فتق، وختم له بخير ولله الحمد. وانتقل إلى رضوان الله تعالى بخليص في بكرة يوم الأحد الرابع من ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة عن أربع وسبعين
_________________
(١) هو جعفر بن القاسم بن جعفر المقرئ، توفي سنة ٦٩١ هـ.
[ ١ / ٦٢ ]
سنة ونصف. وولي بعده مشيخة النّورية شيخنا المزّيّ، ومشيخة القوصيّة ابن رافع، ومشيخة النّفيسيّة العبد، وباقي وظائفه جماعة.
ووقف كتبه وعقارا جيّدا على الصدقة.
قرأت على القاسم بن محمد الحافظ في سنة أربع وتسعين وستمائة: أخبركم المسلّم بن علاّن، وأجاز لنا المسلّم، أنبا حنبل، أنبا ابن الحصين، أنبا ابن المذهب، أنبا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد: حدّثني أبي، ثنا الشافعيّ، أنبا مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي سعيد، «أنّ رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة». والمزابنة: اشتراء الثمر بالتّمر في رؤوس النّخل، والمحاقلة:
استكراء الأرض بالحنطة.
وأخبرناه عاليا أبو الفضل بن تاج الأمناء قراءة بالسفح، عن المؤيّد بن محمد الطّوسيّ، أنبا هبة الله بن سهل النّيسابوريّ سنة ثلاثين وخمسمائة، أنبا سعيد بن محمد البحيريّ، أنبا زاهر بن أحمد الفقيه، أنبا إبراهيم بن عبد الصمد العبّاسيّ، ثنا أبو مصعب الزّهريّ.
ح: وأخبرنا الحافظ أبو الحسين ابن الفقيه، أنبا مكرّم بن محمد، أنبا أبو يعلى حمزة بن فارس السلميّ سنة ٥٥٤، ثنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم الفقيه، أنبا أبو بكر محمد بن جعفر الميماسيّ بعسقلان سنة ٤٣، ثنا محمد بن العباس بن وصيف بغزّة، ثنا أبو علي الحسن بن الفرج الغزّيّ، ثنا يحيى بن بكير المخزوميّ.
ح: وأخبرنا القاضي أبو محمد بن علوان ببعلبكّ، أنبا بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم، أنبا شهدة الكاتبة قالت: أنبا أحمد بن عبد القادر اليوسفيّ.
ح: وقرأته بحلب على أبي سعيد الثغريّ، عن عبد اللّطيف بن يوسف سماعا، أنبا يحيى بن ثابت بن بندار، أنبا أبي قالا: أنبا عثمان بن محمد العلاّف، أنبا محمد بن عبد الله البزّاز، أنبا إسحاق بن الحسن، أنبا أبو عبد الرحمن القعنبيّ.
ح: وأخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن المعدّل، أنبا البهاء عبد الرحمن، أنبا عبد الحق بن يوسف، أنبا محمد بن عبد الملك الأسديّ، أنبا عمر بن إبراهيم الزّهريّ، أنبا أبو بكر محمد بن غريب. أنبا أحمد بن محمد الوشّاء، ثنا سويد بن سعيد.
ح: وكتب إلينا أبو محمد بن هارون بن يونس: أنبا أبو القاسم بن بقيّ، أنبا محمد بن عبد الحقّ، أنبا محمد بن الفرج الطلاعيّ، أنبا يونس بن مغيث، أنبا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن يحيى اللّيثيّ الفقيه: أنبا عمّ أبي عبيد الله بن يحيى بن يحيى، ثنا أبي.
[ ١ / ٦٣ ]
ح: وقرأت على عليّ بن محمد وجماعة، عن الحسين بن المبارك، وقرأت على أحمد بن عبد المنعم القزوينيّ، أنبا محمد بن سعيد ببغداد قالا: أنبا أبو زرعة المقدسيّ، أنبا مكي بن علاّن سنة سبع وثمانين، أنبا القاضي أبو بكر الحبريّ، ثنا أبو العبّاس الأصم: أنبا الربيع بن سليمان، أنبا محمد بن إدريس الإمام، جميعا عن مالك بن أنس فذكره، إلاّ ما كان من ابن إدريس فإنّه قال: عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي سعيد الخدريّ، أو عن أبي هريرة، «أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة»، وذكر الحديث. فأظنّ الإمام، ﵀، كتبه من حفظه فتردّد في اسم الصاحب، ولا يعدّ ذلك من العلل المؤثرة، فالحديث مخرّج في الصحيحين لمالك من حديث أبي سعيد بلا شك.
واسم أبي سفيان: قزمان تفرّد به عنه داود بن الحصين أحد علماء المدينة، وإن كان غيره أتقن منه فقد قفز القنطرة، واعتمده مثل الإمام مالك وصاحبي «الصحيحين». كنيته أبو سليمان العثمانيّ مولاهم، يروي عن عكرمة، والأعرج، وطائفة. وثّقه ابن معين، وغيره.
وأمّا سفيان بن عيينة فقال: كنّا نتّقي حديثه. وقال أبو زرعة. ليّن الحديث.
وقال أبو حاتم الرازيّ: لولا أنّ مالكا حدّث عنه لترك حديثه. وقال إمام الصنعة عليّ بن المدينيّ: ما رواه عن عكرمة فمنكر. وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير وعن غيره مستقيم الحديث. وقال عبّاس بن محمد الدّوريّ: هو عندي ضعيف. وقال ابن عديّ: صالح الحديث.
قلت: هذه العبارة في التّوثيق منحطّة عن رتبة قولهم ثقة وحجّة، وهي من نعوت التّعديل لا التّجريح. وتفسير المزابنة والمحاقلة يجوز أن يكون من تفسير الصحابيّ أو من بعده، والله أعلم آخرها.
[ ١ / ٦٤ ]