وأول من وصلتنا ترجمته من هذه الأسرة هو حفيد ولده، واسمه «محمد» المكنّى «أبو عبد الله»، والملقّب «زكيّ الدين»، وهو جدّ والد المؤلّف.
ولد «زكيّ الدين، أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن محمد بن أبي يدّاس» في الأندلس سنة ٥٧٧ هـ. /١١٨١ م. تقريبا، وتلقّى علومه في بلده، ثم رحل إلى المشرق وطوّف في البلاد، ودخل مصر، وبلاد الشام، والحجاز، والعراق،
_________________
(١) تاج العروس للزبيدي (مادّة: برزل).
(٢) الروض المعطار للحميري ٦٠، الآثار الأندلسية الباقية، محمد عبد الله عنان، القاموس الإسلامي-أحمد عطية الله ١/ ١١٣،١١٤، دول العالم الإسلامي ورجالها، لشاكر مصطفى ٢/ ١٣٢٧.
(٣) التاريخ العربي، والمؤرّخون للدكتور شاكر مصطفى ٤/ ٤٣.
(٤) التكملة لوفيات النقلة، للمنذري ٣/ ٥١٥، ذيل مشتبه النسبة لابن رافع ٤٦.
[ ١ / ٧ ]
وخراسان، حتى وصل إلى هراة بأفغانستان، ليعود بعد ذلك إلى دمشق ويسكنها ويتولّى الإمامة في أحد مساجدها. وتسكت المصادر عن نشأته وسيرته في الأندلس، فلم نعرف متى غادر وطنه بالضبط، ولا السبب الذي دفعه إلى ذلك، وجلّ ما نعرف عن تلك المرحلة أنه سمع الحديث ببلده (^١)، وأنه قدم إلى الإسكندرية في سنة ٦٠٢ هـ. /١٢٠٥ م. فحبّب إليه طلب الحديث، وكتابة الآثار، فسمع فيها من الحافظ علي بن المفضّل المقدسي، المتوفّى سنة ٦١١ هـ. /١٢١٤ م، والتقى بالحافظ زكيّ الدين المنذري، صاحب «التكملة لوفيات النقلة» المتوفّى سنة ٦٥٦ هـ. /١٢٥٨ م، عند شيخهما ابن المفضّل الذي تقدّم، فكانا يسمعان من بعضهما، وأخذ الحديث بالإسكندرية أيضا على عبد الله بن عبد الجبّار العثمانيّ، ثم قصد القاهرة فسمع من القاضي عبد الله بن مجلّي، ومنها سافر إلى الحجاز لأداء الحج، فسمع أثناء ذلك من زاهر بن رستم، ويونس بن يحيى الهاشمي، وأبي الفتوح نصر بن الحصري، وبقي مجاورا سنة ٦٠٤ هـ. /١٢٠٧ م.
وفي السنة التالية ٦٠٥ هـ. /١٢٠٨ م. توجّه إلى دمشق فسمع بها من العلاّمة أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وقاضي القضاة عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري، المعروف بابن الحرستاني، والخضر بن كامل، وعبد الجليل بن مندويه، وداود بن أحمد بن ملاعب، وموسى ابن الشيخ عبد القادر الجيلي، وغيره، ورجع إلى مصر، ثم خرج إلى العراق فسمع ببغداد من الحافظ أبي محمد، عبد العزيز بن الأخضر وطبقته، ومن هناك رحل إلى المشرق مطوّفا في البلاد مجتازا تكريت، والموصل، وإربيل، وحرّان، والريّ، وسمع بأصبهان من عين الشمس الثقفية، ومن تلاميذ زاهر بن طاهر الشحّامي، ومحمد بن محمد بن الجنيد، ومحمد بن أبي طاهر بن غانم، وبنيسابور من منصور بن عبد الله الفراوي، والمؤيّد بن محمد الطوسي، وزينب الشعرية، وأبي بكر القاسم بن عبد الله بن عمر الصفّار، وغيره، وبمرو من أبي المظفّر بن السمعاني، وبهراة من أبي روح، وبهمذان من عبد البرّ بن أبي العلاء، واستغرقت رحلته خمس سنوات قبل أن يعود إلى دمشق ويستوطنها في سنة ٦١٠ (^٢) هـ. /١٢١٣ م.، وأكثر فيها السماع على الشيوخ، وكتب عمّن دبّ ودرج، وله سماع على كتاب «الرسالة» للإمام الشافعيّ (^٣) ونسخ الكثير لنفسه وللناس بخطّه الجميل المغربي، وخرّج لعدّة من الشيوخ، وتولّى الإمامة في
_________________
(١) التكملة لكتاب الصلة، لابن الأبّار ٢/ ٦٤٣.
(٢) قال الدكتور شاكر مصطفى في كتابه: التاريخ العربي والمؤرخون ٤/ ٤٣،٤٤) إن أسرة البرزالي استقرّت بدمشق منذ سنة ٦٨٨ هـ.! وهذا غلط.
(٣) مقدّمة كتاب الرسالة للمطلبي. أحمد محمد شاكر، القاهرة ١٩٤٠ - ص ٢٠.
[ ١ / ٨ ]
مسجد فلوس (^١)، وسكن قريبا منه بميدان الحصى، وولّي مشيخة الحديث بمشهد عروة، فانتفع به الطلبة، وسمع منه نخبة من الأعلام ممّن نبغوا وخاضوا في مجال التأليف، ومنهم: جمال الدين بن الصابوني، صاحب كتاب «تكملة إكمال الإكمال» (^٢)، ومجد الدين بن العديم، وجمال الدين ابن واصل صاحب «مفرّج الكروب في أخبار بني أيوب» (^٣)، وعمر بن يعقوب الإربلي، وأبو الفضل بن عساكر، ومحمد بن يوسف الذهبي، وأبو علي بن الخلاّل، وآخرون.
وفي آخر عمره ذهب إلى حلب سنة ٦٣٦ هـ. /١٢٣٨ م. ونزل في دار الأمير عماد الدين، داود ابن الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن محمد الهكاري (^٤)، وأدركه أجله عند عودته وهو في حماه ليلة الرابع عشر من شهر رمضان من السنة المذكورة، ودفن بها (^٥).
وقد وصف بأنه كان مطبوعا، ريّض الأخلاق، بشوشا، سهل الإعارة، كثير الاحتمال. وكان يحفظ ويذاكر مذاكرة حسنة. وعمل له ابن حفيده «علم الدين» ترجمة طويلة، فيها: أنّ ابن الأنماطي (^٦) استعار ثبت رحلته وادّعى أنه ضاع، فبكى الزكيّ وتحسّر عليه (^٧).
_________________
(١) قال النعيمي: مسجد قبليّ الميدان على طريق حوران، يعرف بمسجد فلوس هو بناه وفيه قبره، وعلى بابه بئر، وأمّ به الحافظ زكيّ الدين البرزالي. (الدارس ٢/ ٢٧٧ رقم ٧١).
(٢) انظر ص ١٧٣ و١٧٤ من طبعة عالم الكتب، بيروت ١٤٠٦ هـ. /١٩٨٦ م. وفيه إجازة البرزالي لابن الصابوني بشعر أبي الثناء محمود بن عمر بن محمد بن إبراهيم بن شجاع الشيباني الحنوي، الطبيب، النحوي، المعروف بابن زقيقة. وفيه يقول محقق الكتاب د. مصطفى جواد إن البرزالي صاحب الترجمة هو والد المؤرّخ علم الدين البرزالي. وهذا غير صحيح، بل هو جد أبيه.
(٣) انظر مقدّمة تحقيقنا للجزء السادس والأخير منه-بيروت، المكتبة العصرية ٢٠٠٤.
(٤) المقتفي ٢/ورقة ٤٣ ب،٤٤ أ، رقم الترجمة ٣٠٤ في وفيات سنة ٧٠٠ هـ.
(٥) انظر: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي-بتحقيقنا-المجلد ٤٦ ص ٣٠٧، ٣٠٨ رقم ٤٣٩ وفيات ٦٣٦ هـ. وفيه حشدنا مصادر ترجمته. وتجدر الإشارة إلى أنّ حسن بن إبراهيم بن محمد اليافعي-وهو غير اليافعي صاحب مرآة الجنان-يعتبر أن صاحب هذه الترجمة هو الذي ذيّل على تاريخ أبي شامة! فقال في كتابه «جامع التواريخ المصرية، مخطوط مصور بمعهد المخطوطات العربية، رقم ١٠١٦ تاريخ، ورقة ٧٨ أ»: «الحافظ الكبير زكيّ الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد البرزالي مؤرّخ دمشق ذيّل على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة، وقد ذيّلت أنا على تاريخه بعون الله وتوفيقه»!.
(٦) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الأنماطي، المصري، الشافعيّ، الحافظ البارع، كان إماما ثقة، واسع الرواية، حصّل ما لم يحصّله غيره من الأجزاء والكتب، وله مجاميع مفيدة، وآثار كثيرة. توفي سنة ٦١٩ هـ. انظر عنه في: تاريخ الإسلام للذهبي-بتحقيقنا- (حوادث ووفيات ٦١١ - ٦٢٠ هـ.) ص ٤٤٢ - ٤٤٥ رقم ٥٩٩ وفيه حشدنا مصادر كثيرة لترجمته.
(٧) سير أعلام النبلاء، للذهبي-ج ٣٣/ ٥٦.
[ ١ / ٩ ]
ووصفه «ابن تغري بردي» بالإمام الحافظ، زكيّ الدين، الرّحال، محدّث الشام، أحد الحفّاظ المشهورين (^١).
وهو كتب بخطّه الأندلسيّ مجلّدا من «تاريخ دمشق» لابن عساكر في سنة ٦١٤ هـ (^٢). وكتبه كله سنة ٦١٨ هـ (^٣).
ومن آثاره: «المعجم الصغير»، و«المعجم الأوسط» (^٤)، و«المعجم الكبير» (^٥)، و«الأربعون الطبّية» المستخرجة من «سنن ابن ماجه»، وشرحها العلاّمة عبد اللطيف البغداديّ (^٦)، المتوفّى سنة ٦٢٩ هـ. /١٢٣١ م. وكتب بخطّه «تاريخ داريّا» بدار الخطيب بداريا في ١٠ ذي القعدة سنة ٦٣٢ هـ (^٧).