اتّبع البرزالي في تأليف كتابه الطريقة التقليدية التي سبق أن انتهجها كثير غيره من المؤرّخين قبله، وهي طريقة التأريخ الحولي، أي سرد الحوادث متتابعة سنة بعد سنة، وشهرا بعد شهر. بل هو ينظم الوفيات ضمن سياق واحد مع الحوادث والوقائع، فلا يفصل بين العنصرين، انسجاما مع خطّته التي تراعي ضوابط التّساوق التاريخي في الحوادث والوفيات معا. فالوفيات عنده حدث لا تقلّ أهميّة عن الخبر والواقعة، بل
[ ١ / ١١٣ ]
إنّ الوفيات تستأثر بالحيّز الأكبر من «تاريخه»، فلا غرابة إذن، أن يفتتحه بترجمة أحد المتوفّين في ليلة الرابع من المحرّم من سنة ٦٦٥ هـ.
وهو يتّخذ السنة عنوانا ومدخلا أساسيّا، ثم يعتمد الشهور على التوالي، فيسرد الوفيات والحوادث في كل شهر حسب تتابعها، وفي الغالب يذكر اليوم المحدّد من الشهر، فإن لم يعرف ذلك اليوم على وجه الدقّة، ذكر الوفاة أو الخبر في آخر الشهر الذي يؤرّخ له. ومن أمثلة ذلك نعود إلى أول الكتاب، حيث يبدأ بالعنوان الرئيس:
سنة خمس وستين وستماية، ثم بالعنوان الثاني، وهو شهر المحرّم، وبعد ذلك يبدأ بالسرد التفصيلي، فيذكر أنه في ليلة الرابع من المحرّم توفي ابن عمروك البكري. . .، وعندما يذكر الترجمة التالية لابن سلامة خطيب قرية عذرا، اكتفى بالقول: «وفي المحرّم توفي. . .»، فهو لم يقف على اليوم المحدّد لوفاة «ابن سلامة» في الشهر المذكور، لهذا أخّره فذكره في آخر وفيات شهر المحرّم. وهكذا يفعل في وفيات كل شهر ممّن لا يعرف تواريخ وفياتهم فيه بالتحديد. ومثل هذا فعل في الذين لم يعرف في أيّ شهر كانت وفاتهم، فيذكرهم في آخر السنة، باعتبار أنهم توفوا أثناءها، وكذلك يذكر بعض الأخبار والحوادث في آخر كل سنة لعدم معرفته بالشهر الذي جرت فيه، فيقول: «وفي هذه السنة حدث كذا. . .»، وفي هذه السنة توفي فلان. . .».
أمّا ترجمته للمتوفّين فهي تعتمد على العناصر التالية-في الغالب-:
البدء بتأريخ يوم الوفاة، وتحديد الوقت من اليوم إن كان صباحا، أو ظهرا، أو بعد العصر، أو عشاء، أو في الليل، أو عند الفجر، ثم يذكر صفته الوظيفيّة أو منصبه مثل القاضي، أو الإمام، أو الشريف، أو الأمير، أو الصاحب، أو الصدر، أو الأديب. . ثم يذكر لقبه، ثم كنيته، ثم اسمه واسم أبيه وجدّه ومن فوقه إن كان يعرف أسماءهم، ثم يذكر نسبته، ثم مذهبه، ثم مكان وفاته، والمكان الذي دفن فيه.
وبعد ذلك يذكر تاريخ مولده، ومكان ولادته، ثم يذكر شيوخه، وأماكن سماعه، إن كان محدّثا، ووظائفه، ومن روى عنه.
وقد ينقص عنصر من هنا أو عنصران من هناك، أو يزيد، أو يتقدّم هذا على ذاك حسب توفّر المعلومات أو نقصها من ترجمة إلى أخرى، على اعتبار أنّ المترجم لهم في الكتاب ليسوا كلّهم في مستوى واحد من المكانة والأهميّة، فمنهم الأمير والوضيع، والعالم والجاهل، والمشهور والمغمور، والسلطان والصعلوك. والكبير والصغير. . .
ويغلب على تراجم الوفيات الاختصار وعدم الإطالة، بالمقارنة مع التراجم عند معاصريه من المؤرّخين، اليونيني، وابن الجزري، والذهبي، والصفدي، وغيرهم.
[ ١ / ١١٤ ]
وهو لا يميل إلى ذكر الأشعار في كتابه، وكل المذكور من القطع الشعرية لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، وهذا ما يميّزه عن كتاب صاحبه «ابن الجزري» الذي يكثر من ذكر الأشعار في تراجمه.
وإنّ أهمّ ما يشار إليه فيما يتعلّق بتراجم الوفيات عند البرزالي هو أنه يذكر مئات التراجم لأشخاص مغمورين لا نجدهم في أيّ كتاب آخر، وهذا يضفي على تاريخه ميزة انفرد بها عن غيره.
ومن ناحية أخرى، فإنّ تاريخ البرزالي يتميّز أيضا بعشرات الأخبار والحوادث التي ينفرد بها دون غيره من كتب التواريخ، ويأتي بمعلومات نادرة ومهمّة ومتنوّعة.
ورغم إقامة البرزالي بدمشق، فإنّ الأخبار التي دوّنها لا تقتصر على موطنه فحسب، بل هو يشتمل في تأريخه على بلاد الشام كلّها، بل يتخطّاها إلى أخبار العراق، وفارس، وأذربيجان، والحجاز، واليمن، من جهة الشرق. ويتناول أخبارا في مصر، والسودان، وبلاد المغرب العربي، ليصل إلى الأندلس، في جهة الغرب، وإن كانت مادّته «الشاميّة» أكثر من غيرها على وجه العموم، ومادّته عن دمشق هي الأغلب-بطبيعة الإقامة والإنتماء-على وجه الخصوص.
إلاّ أنه، رغم كثرة المؤرّخين الدمشقيين والشاميّين الذين كانوا يعاصرونه، وتدوينهم للتواريخ، فإنه ينفرد عنهم جميعا بذكر أخبار لم يذكروها مطلقا، ليس فقط عن دمشق والشام، بل عن أماكن كثيرة من العالم الإسلامي، فهو يخبرنا عن طواف المحمل في القاهرة سنة ٦٧٥ هـ.، وعن نيابة السلطنة بمصر سنة ٦٧٧ هـ.، وعن وفاء النيل سنة ٦٩١ هـ. والوباء بالقاهرة سنة ٦٩٥ هـ.، وعن الغلاء بالقاهرة سنة ٧٠٢ هـ. وعن شكوى شيخ الصوفية بالديار المصرية من شيخ الإسلام ابن تيميّة سنة ٧٠٧ هـ.، وعن الزلزلة بمصر سنة ٧٠٨ هـ.، وعن الخطابة بجامع ابن طولون بالقاهرة، والوباء بالقاهرة سنة ٧٠٩ هـ.، ونظارة الأحباس بمصر سنة ٧١١ هـ.، وعزل قاضي القضاة بالديار المصرية وإعادته، واستنصار أبي الغيث بالسلطان سنة ٧١٤ هـ.، وانتشار المرض في مصر سنة ٧٢٠ هـ.
ويخبرنا عن وكالة بيت المال بحلب، وغارة التتار على الرحبة سنة ٦٩٢ هـ.
ونزول الفرنج على جزيرة النخلة بساحل طرابلس الشام سنة ٦٩٢ هـ.، وغزوة الأمير بلبان التقوي إلى ساحل الشام، وتجهيز رسول إلى ملك القسطنطينية، وترك قضاء بعلبك سنة ٦٩٣ هـ.، وغارة عسكر حلب على التتار، وتجريد جيش إلى حمص، والأخبار المتناقضة عن وقعة عرض سنة ٧٠٢ هـ.، وهلاك الكثير من التتار وتشليح الجفّال، واغتيال جماعة من عسكر حلب في كمين، وخروج سجناء من قلعة بعلبك سنة ٧٠٥ هـ.، ووصول جماعة من الفقراء مع أعجميّ من العراق سنة ٧٠٦ هـ.،
[ ١ / ١١٥ ]
وخبر صاحب مازندران ووشايته بأهل جيلان، ونهب الحجّاج بسوق منى، والخطبة للسلطان الناصر محمد بمكة، وأسعار الغلال بالمدينة ومكة، وإسقاط ذكر الخلفاء الراشدين من الخطبة عند ملك التتار خربندا الذي أعلن تشيّعه سنة ٧٠٩ هـ.، والفتنة عند التتار سنة ٧١١ هـ.، وحصر مشهد الحسين بكربلاء سنة ٧١٥ هـ، والحرب بين صاحب سبتة والفرنج سنة ٧١٩ هـ.، وسفر قفل الحجّاج إلى الموصل، وأخبار من مكة، وعودة الحلبيّين إلى بلاد الأرمن، وذبح بوّاب الخانكاه الفخرية بالقدس، وقتل ابن قاضي الرحبة سنة ٧٢٠ هـ.
وينفرد بذكر عدّة حوادث جرت بدمشق، منها احتراق سوق حكر السّمّاق سنة ٦٧٤ هـ.، وحريق مشهد علي سنة ٦٨٨ هـ.، وحريق آخر بدمشق سنة ٦٩٣ هـ.
وحريق بجيرون سنة ٦٩٤ هـ.، واحتراق مسجد ملك الأمراء الحموي سنة ٦٩٥ هـ.، وحريق بدمشق سنة ٧١٧ هـ.
ويتتبّع الظواهر الطبيعية من مطر شديد، وثلوج، وصقيع، وزلازل، وحالات الخسوف والكسوف، وأوضاع الغلاء، والرخص، والوباء.
ويعتبر الكتاب سجّلا لأصحاب المناصب والوظائف من قضاة وحكّام ومدرّسين ووعّاظ وخطباء ونظّار ووكلاء ومحتسبين وولاة وغيرهم، وأماكن وظائفهم من مدارس، ودور حديث، وبيمارستان، وديوان الزكاة، وبيت المال، وتقديم عدد موفور من أسماء المدارس مثل المدرسة النجيبية، والتقوية، والفرّخشاهية، والأمينية، والعذراوية، والعمادية، والدولعية، والنورية، والإقبالية، والأشرفية، والعزيزية، والناصرية، والباذرائية، والزنبقية، وغيرها.
وفي الكتاب أخبار نادرة وطريفة متفرّقة تهمّ الباحثين في أكثر من موضوع، ومن ذلك خبر: مساعدة الحنابلة بجرّ المجانيق، وإزالة السباع-وهي شعار الملك الظاهر -عن بعض عمارة دمشق، وإغلاق دكاكين بدمشق، وتخريب حائط قبالة قلعة دمشق، ونصب دهليز فوق الزنبقية، وإقامة الاحتفال بالنيروز، والتشديد بشأن الخمر، وإبطال مكس الصالحية، والرسم بإبطال ضمانات الأوقاف، ورفع الستائر من قلعة دمشق، وإلزام أهل الذمّة بالعلام، والسباق من دمشق إلى غباغب، وذبح أحد المماليك بغياب نائب دمشق، ونهي المنجّمين عن الكتابة على التقاويم، وغير ذلك من أخبار قصيرة.