هو «بهاء الدين، محمد، أبو الفضل»، ولد بدمشق في الثاني عشر من شهر رجب سنة ٦٣٨ هـ. /١٢٤٠ م. كان والده الشابّ «زكيّ الدين» يصحبه وهو طفل صغير إلى مجالس العلم، فأسمعه على جماعة من علماء عصره، فحضر وهو في الثالثة من عمره مجلس الحديث الذي كانت تعقده الشيخة الصالحة «كريمة بنت
_________________
(١) المقتفي ١/ورقة ٥٢ أ (سنة ٦٧٤ هـ.).
(٢) المقتفي ٢/ورقة ٢٥٣ ب.
(٣) معجم البلدان ٥/ ٢٥.
(٤) الروض المعطار ٥١٢ وفيه: معناها باللاتينية: «الدرع الحصين».
(٥) المقتفي ٢/ورقة ٢٣٤ أ، رقم ٣٩٣.
(٦) المقتفي ٢/ورقة ٢٥٣ ب،٢٥٤ أ، رقم ٥٠٣.
(٧) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٨٤.
[ ١ / ١١ ]
عبد الوهاب بن علي القرشيّة» وسمع منها بالقراءة «مسند عبد الله بن عمر» في ٩ رجب سنة ٦٤٠ (^١) هـ. وسمع بجامع دمشق على خمسة شيوخ مجتمعين يوم الخميس ٢٦ من رمضان من السنة نفسها (^٢).
وبوفاة أبيه المبكرة، انتقلت كفالته إلى جدّه لأمّه «علم الدين القاسم بن أحمد اللّورقي» وهو في الخامسة من عمره، فاعتنى بتربيته، خاصّة وأنّ ابنته لم تلد غيره، فأقرأه القرآن بالقراءات السبع (^٣)، وأجاز له جماعة من أصحاب ابن البطّي، وشهدة من بغداد، وأجاز له ابن المقيّر، وجماعة من أصحاب السلفي من ديار مصر (^٤)، ورافقه في شبابه الشريف علاء الدين، علي بن أبي طالب بن أبي عبد الله الموسوي الحسيني، المتوفّى (٢٢ ذي القعدة سنة ٦٦٨ هـ. /١٢٧٠ م)، فأخذ له إجازة بجميع ما يرويه (^٥). وأتقن الخط المنسوب، وبرع في كتابة الشروط بخطّه الجميل، واستعان به القضاة لكتابة أحكامهم، وعني بنسخ جملة من الكتب، وبلغ بعدالته شهرة تخطّت نطاق دمشق ووصلت إلى مصر، فقد توجّه إليها في أول سنة ٦٨٩ هـ. /١٢٩٠ م. في شهادة سلطانية لدى السلطان المنصور قلاوون، وحدّث أثناء ذلك هناك بمشيخة «كريمة» المذكورة قبل قليل، و«جزء ابن أبي ثابت». وسمع منه فخر الدين التوزري، وسعد الدين الحارثي، والشهاب بن الدّقوقي، وغيرهم (^٦). وتوجّه في شهر جمادى الآخرة عام ٦٩٦ هـ. /١٢٩٦ م. إلى صرخد واجتمع بالملك العادل «كتبغا» وشهد عليه بالقلعة، ثم عاد إلى دمشق (^٧). وكان يقرئ كتب الصحاح الستة في الحديث، وغيرها (^٨). ونراه في الثامن عشر من ربيع الأول سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٢ م، يزور المحدّث محمود بن سلطان بن محمود البعلبكي بمنزله ببعلبك، ومعه ابنه المؤرّخ وجماعة (^٩). ثم نراه في حماه سنة ٦٨٥ هـ (^١٠). /١٢٨٦ م. وزار الزاهد أبا الرجال ابن مرّي بن بحتر المنيني في قرية منين القريبة من دمشق عدّة مرّات (^١١).
وكان يجلس للشهادة تحت الساعات في الجامع الأمويّ، ومن رفاقه في الشهادة:
يحيى بن أحمد بن سليمان بن الحاجب المالكيّ (^١٢)، المتوفّى سنة ٦٩٠ هـ. /
_________________
(١) مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب (ت ٧٤ هـ.) تخريج أبي أميّة محمد بن إبراهيم الطرسوسي (ت ٢٧٣ هـ.) -تحقيق راتب عرموش، بيروت، دار النفائس ١٩٨١ - ص ٥٥، موسوعة علماء المسلمين-تأليفنا-قسم ٢ ج ٤/ ٢٤٦ رقم ١٢٥٥، وج ٥/ ٢٠٠ رقم ١٥٨٢.
(٢) ذيل مرآة الزمان ٣/ورقة ٣٦٩ أ.
(٣) المقتفي ٢/ورقة ٢٨ أ، رقم ١٨٤.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) المقتفي ١/ورقة ١٩ أ، رقم ١٣٥.
(٦) المقتفي ١/ورقة ١٥١ أ.
(٧) المقتفي ١/جورقة ٢٦٢ أ.
(٨) المقتفي ١/ورقة ٢٨ أ.
(٩) المقتفي ١/ورقة ١٠٩ أ.
(١٠) ابن الجزري. -بتحقيقنا-٣/ ٦٤٧ رقم ٨٠٢.
(١١) المقتفي ١/ورقة ٢١٩ ب.
(١٢) المقتفي ١/ورقة ١٧٠ ب.
[ ١ / ١٢ ]
١٢٩١ م، وأحمد بن يحيى بن علي الحضرمي المالكيّ (^١). وكان بينه وبين الأمير نور الدين ابن الأمير علم الدين سنجر الحصني الصالحي صحبة ومودّة أكيدة (^٢).
توفي سنة ٦٩٩ هـ. /١٢٩٩ م.
ذكره ابنه في «تاريخه» (^٣) فقال: «وتوفي والدي الشيخ بهاء الدين، أبو الفضل، محمد بن يوسف بن محمد بن محمد البرزالي، الإشبيلي، ثم الدمشقي، في يوم الجمعة بعد الصلاة، العشرين من شوال، وصلّي عليه عصر النهار المذكور بالجامع المعمور، ودفن بمقبرة الباب الشرقي إلى جانب قبر والده، رحمهما الله تعالى.
وحضر جنازته جمع كبير، وصلّي عليه ثلاث مرات. وكان مرضه حمّى حادّة دمويّة بلغت به أربعة عشر يوما ومات.
روى عن السخاوي، وكريمة، وابن الصلاح، وعتيق السلماني، والمخلص بن هلال، ومرجّى الواسطي، وجماعة حضورا. وأجاز له جماعة من أصحاب ابن البطّي، وشهدة من بغداد. وأجاز له ابن المقيّر، وجماعة من أصحاب السلفي من ديار مصر. قرأت عليه كثيرا، ومما قرأت عليه الكتب الستّة، وحدّث بالحجاز، والشام، والديار المصرية، وكان من عدول دمشق. وكان مشكور السيرة، ملازما لوظيفته، معروفا بالصيانة والتّحرّي وحسن الكتابة. وكان محبّا لأهل الخير والصلاح، وتقدّم له اشتغال بالعلم. وقرأ القراءات السبعة على جدّه لأمّه الشيخ علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسي».
ووصفه «قطب الدين اليونيني» (^٤) بالشيخ الإمام، الحافظ، العدل، الرضيّ، المرتضى. وقال: إنه «كان من أحسن الناس وأكثرهم مروءة وديانة وصيانة، وكرم نفس، ومكارم أخلاق، وذكر، وتلاوة، وخدمة لجميع الناس بنفسه وماله وكتابته.
وقلمه طاهر لا يكاد ينقط في مكتوب فيه غيبة ولا منازعة. . . وكان له إجازات من بغداد، وديار بكر، ومصر، والشام، وكان مشكور السيرة في جماعته».
وذكر «اليونيني» أنه حضر مجلسه وسمع عليه في يوم السبت ثامن ذي القعدة سنة ٦٩٢ هـ. بجنينته بسفح قاسيون بالقرب من عقبة دمّر، وأورد له جملة أحاديث مسندة عن شيوخه (^٥).
وقال «الذهبيّ» (^٦) بعد أن ذكر جماعة من شيوخه إنّ والده توفّي شابّا، «وخلّفه
_________________
(١) المقتفي ١/ورقة ١٨٢ أ.
(٢) المقتفي ١/ورقة ١٦١ ب؛ رقم ٤٨٤.
(٣) المقتفي ٢/ورقة ٢٨ أ، رقم ١٨٤.
(٤) ذيل مرآة الزمان ٣/ورقة ٣٦٩.
(٥) ذيل مرآة الزمان ٣/ ٣٦٩ - ٣٧٤.
(٦) في تاريخ الإسلام ٥٢/ ٤٥٣،٤٥٤ رقم ٧٣٠.
[ ١ / ١٣ ]
طفلا له خمسة أعوام، فربّي في حجر جدّه لأمّة الإمام علم الدين القاسم بن أحمد اللّورقيّ، وقرأ عليه القراءات وشيئا من الفقه والنحو، وكتب الخط المنسوب وبرع فيه، ونسخ جملة من الكتب، وأجاز له طائفة من شيوخ بغداد ومصر والشام. وقرأ عليه ولده الحافظ أبو محمد القاسم-أبقاه الله-شيئا كثيرا، حتى إنه قرأ عليه الكتب الستّة بالأجازات. وحدّث بدمشق ومصر والحجاز، وبرع في كتابة الشروط، وكتب الحكم للقضاة، ومهر في ذلك، ورزق حظوة مع التّصوّن والديانة والتقوى والتّحرّي والنزاهة والوقار والتعبّد. وكان قليل المثل في فنّه. تفضّل وزكّاني مرة عند القاضي جمال الدين الزرعيّ».
امتلك أكثر من مملوك يخدمه وأسرته، عرفنا منهم اثنين، أحدهما هو «بيليك» المسمّى «عبد الله النجار»، أعتقه ابنه بعد وفاته (^١). والآخر يدعى «علاء الدين، أيدغدي بن عبد الله البريدي» عتيق شرف الدين ابن مزهر. قال المؤرّخ البرزالي إنه رافقه في الحج سنة ٧١٠ هـ. /١٣١٠ م. وحدّث في الطريق،. وكان رجلا جيّدا، جنديّا من رجال الحلقة، يسافر في البريد (^٢).
من آثاره: كتاب «سلوك طريق السلف في ذكر مشايخ الشيخ المعمّر عبد الحق بن خلف»، منه نسخة مخطوطة بالمكتبة الظاهرية، ضمن مجموع ٢، رقم ٧، وكتب بخطّه جزءين من «تاريخ دمشق» لابن عساكر، وهما من نسخة مكتبة بنكيبور بالهند (^٣).