يتألّف المخطوط من «المقتفي» الذي نحقّقه هنا من مجلّدين محفوظين في مكتبة السلطان العثماني «أحمد الثالث» في متحف «طوب قابي سراي» باستانبول، تحت رقم ٢٩١٥/ ١٦١، ومنه نسخة مصوّرة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة
[ ١ / ١١٦ ]
رقمها ١٠٦٩ تاريخ، ويتألّف المجلّد الأول من (٢٩٠ ورقة)، وهو يتناول الحوادث والوفيات من أول سنة ٦٦٥ هـ. وينتهي بحوادث ووفيات ٦٩٨ هـ. أي (٣٤ سنة).
أمّا المجلّد الثاني فيتألّف من (٣٤٣ ورقة)، وهو يتناول الحوادث والوفيات من أول سنة ٦٩٩ هـ. وينتهي بحوادث ووفيات سنة ٧٢٠ هـ. (أي ٢٢ سنة)، وبذلك يكون مجموع السنوات التي يشملها المخطوط (٥٦ سنة) كلّها في عصر المماليك.
وورد في المجلّد الأول (٢٢٢٣ ترجمة)، وفي المجلّد الثاني (٢١١٠ ترجمة)، وبذلك يتناول المخطوط ما مجموعه (٤٣٣٣ ترجمة)، غير الحوادث.
وأهمّ ما يقال عن نسخة المخطوط أنّها سيّئة جدّا، ليس من الأصل، ولكن لما لحقها من بلل جعل مدادها يتفشّى بشكل طمس الكثير من صفحاتها، وتعذّر قراءة عدّة صفحات تماما، وضاعت سطور كثيرة وتحوّلت إلى مداد أسود يستحيل قراءتها. ولهذا أحجم الباحثون عن تحقيق هذا الكتاب المهمّ (^١). والمحاولة الوحيدة في هذا المجال على ما نعلم-هي التي قام بها الطالب «معن سعدون عيفان»، بتحقيق سنة واحدة من المخطوط، هي حوادث ووفيات سنة ٦٩٩ هـ. فقط لنيل درجة «الماجستير» (^٢)؛ وكان اختياره لأوضح صفحات المخطوط قراءة، ومع ذلك وقع في أخطاء كثيرة وهو ينقل النص، كما تضمّنت دراسته أخطاء أخرى.
وتعتبر سنوات ٦٩٧ و٦٩٨ و٧٠٩ و٧١٠ و٧١١ و٧١٢ و٧١٣ هـ. الأسوأ في المخطوط، حيث طمست فيها صفحات كثيرة.
وهذه النسخة الفريدة التي وصلتنا هي في الأساس من موقوفات الأستادّار «جمال الدين محمود الظاهري» في خزانة كتبه بالمدرسة المحمودية، بخطّ الموازينيّين بالشارع الأعظم خارج باب زويلة، المعروفة الآن بجامع الكردي بالقاهرة، وتاريخ وقفها هو ٢٥ من شعبان سنة ٧٩٧ هـ. وكان اشتراها مع جملة كتب جمعها القاضي «برهان» الدين إبراهيم بن عبد الرحيم الكناني الحموي المقدسيّ (ت ٧٩٠ هـ. / ١٣٨٨ م)، وتولّى الحافظ «ابن حجر» أمر هذه الخزانة التي ضمّت نحو أربعة آلاف
_________________
(١) يقول المرحوم الدكتور شاكر مصطفى واصفا المخطوط بما نصّه: «ولكنّ هذه النسخة في حالة سيئة غاية السوء، إذ أنّ أغلب صفحاتها غير واضح القراءة من الرطوبة والمحو. مما دفع الكثيرين إلى التحوّل عن دراستها ونشرها». (التاريخ العربي والمؤرّخون ٤/ ٤٤،٤٥).
(٢) انظر: البرزالي ومنهجه التاريخي، علم الدين القاسم بن محمد البرزالي ٦٦٥ - ٧٣٩ هـ. (١٢٦٧ - ١٣٣٩ م.) -رسالة ماجستير بالتاريخ-إعداد معن سعدون عيفان-بإشراف د. الأب لويس بوزيه، نوقشت سنة ١٤١٧ هـ. /١٩٩٧ م. بجامعة القدّيس يوسف، كلية الآداب والعلوم والإنسانية، معهد الآداب الشرقية، بيروت-غير منشورة.
[ ١ / ١١٧ ]
مجلّدة (^١)، وبعد دخول العثمانيّين مصر ٩٢٣ هـ. /١٥١٧ م. استدرج الوزراء لأخذ الكتب النفيسة التي كانت في المدرسة المحمودية وغيرها فنقلوها عندهم، وتوزّعت في مكتبات استانبول (^٢)، ومنها هذه النسخة من «المقتفي»، وهي بخط «محمد بن محمد بن علي الأنصاري المعروف بابن الحبّوبي»، وقد فرغ من كتابتها على المؤلف في خامس ربيع الآخر سنة ٧٢١ هـ. وقوبل المجلّد الأول والمجلّد الثاني في مجالس آخرها ثامن ربيع الآخر من السنة نفسها، بدمشق، ما يعني أنّ المقابلة لم تزد على ثلاثة أيام، وقد طالعها، وهي في مصر، المؤرّخ «جعفر الأدفوي» صاحب كتاب «الطالع السعيد» كما سجّل مطالعته على صفحة العنوان.
وقياس النسخة ١٨*٢٥ سم. وهي بخط النسخ المملوكيّ. في الصفحة الواحدة ٢٣ سطرا، وفي السطر الواحد ما بين ١٠ - ١٢ كلمة.
بقيت الإشارة إلى أنّ كاتب هذه النسخة «محمد بن محمد بن علي الأنصاري سبط بن الحبّوبي» أباح لنفسه أن يشير أثناء ترجمة «شهاب الدين محمد بن أبي العزّ بن مشرّف بن بيان الأنصاري، الدمشقي» المتوفّى أواخر سنة ٧٠٧ هـ. إلى أنّه قام بتخريج مشيخة عن جماعة، سمع منهم «ابن مشرّف» المذكور (^٣)، وقد وافقه المؤلّف البرزالي على ذكر ذلك.
ومن المؤكّد أنّ «سبط الحبّوبي» لم يكتب له أن يتابع كتابة المجلّد الثالث (الضائع) لأنّه توفي سنة ٧٢٢ (^٤) هـ. /١٣٢٢ م.
_________________
(١) إنباء الغمر، لابن حجر ١/ ٣٥٥، نصّان قديمان في إعارة الكتب، لفوآد سيّد، مجلّة معهد المخطوطات العربية، القاهرة، العدد ٤/سنة ١٩٥٨ - ص ١٢٥ - ١٣٦.
(٢) بدائع الزهور، لابن إياس ٥/ ١٧٩، الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات، للدكتور أيمن فؤآد سيد-القاهرة، الدار المصرية اللبنانية ١٩٩٧ - مجلّد ٢/ ٤٣٤، انتقال المخطوطات العربية إلى تركيا وأثره في توطيد الصبغة الإسلامية للخلافة العثمانية، بحث للدكتور أيمن فؤآد سيد، نشر في كتاب: بحوث المؤتمر الدولي حول العلم، والمعرفة في العالم العثماني-استانبول إرسيكا ٢٠٠٠/ص ٢٩٣ - ٣٠٢، ومقدّمة كتاب المواعظ والاعتبار، للدكتور أيمن فؤاد سيّد-لندن- مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي،١٤٢٤ هـ. /٢٠٠٣ م. -المجلّد الرابع ق ١/ ٧٤ - ٧٦، وهو يذكر بعض الكتب التي نقلت من خزانة المدرسة المحمودية إلى مكتبات استانبول، ومنها: تجارب الأمم لمسكويه، وكتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري، ومعجم البلدان، لياقوت، وتاريخ الإسلام، للذهبي، وسير أعلام النبلاء، له، والمعرفة والتاريخ للفسوي، وأبكار الأفكار في أصول الدين للآمدي، وديوان البحتري، ومسالك الأبصار لابن فضل الله العمري. ونحن نضيف إلى تلك الكتب هذه النسخة من كتاب المقتفي للبرزالي.
(٣) المقتفي ٢/ورقة ١٢٨ أ.
(٤) سيأتي التعريف بسبط الحبّوبي، ناسخ هذا المخطوط مع مصادر ترجمته عند ذكر اسمه في آخر المجلّد الثاني، فاطلبه هناك.
[ ١ / ١١٨ ]
كما يلاحظ أنّه ترك بياضا في عدّة مواضع من المخطوط بمقدار كلمة أو كلمتين، وكان يؤمّل أن يملأ البياض بما ندّ عنه من كلمات فلم يسعفه الوقت، ولم تسعف المؤلّف الذاكرة أيضا، رغم قراءة النسخة عليه ومقابلتها.
أمّا لغة المخطوط فهي سليمة إلى حدّ كبير، وإن كانت تعتريها بعض الأغلاط اللّغويّة والنحوية، والأخطاء الإملائية، فكثيرا ما يخطئ الناسخ بكتابة «ابن»، فيحذف الألف في الموضع الذي يجب أن تبقى فيه، مثل قوله: «ضبطه بن الخبّاز»، و«عاد بن عرّاب»، ويبقي عليها في الموضع الذي يجب أن تحذف فيه، وخصوصا عند وقوعها بين اسمين علمين. وهو يضيف ألف الجمع عند أواخر الأفعال للمفرد، مثل قوله: «وكان يدعوا من يعرفه»، ويقلب الألف المقصورة في آخر الكلمات إلى ألف ممدودة، مثل قوله: «معافا»، و«أعلا»، و«مبتلا»، و«جرا»، و«أبلا»، و«يأبا» ويكتب اسم نهر «الفرات» ب «الفراة» (بالتاء المربوطة، أو الهاء المنقوطة) ومن أغلاطه ذكر السنوات بتأنيث العدد، مثل قوله: «وعمره خمسة وثمانون سنة»، والصواب: «خمس وثمانون سنة»، ويكتب «رؤوس»: «رؤس»، و«يهنّؤوه»، و«يهنّوه»، بواو واحدة، ويحذف الياء من «ثماني عشرة» فيكتبها «ثمان» من غير أن تتقدّمها أداة جزم، وحذف الهمزة في غالب الكلمات سواء في وسطها أو في آخرها، مثل: «لولو» و«التجوا» و«هوا» و«وفا»، ويقلب الهمزة ياء، مثل «ماية»، و«جرايد»، ويقلب الألف المقصورة مثل «الأولى» إلى «الأوّلة»، ويقلب الألف الممدودة في «الصلاة» إلى واو «الصلوة» على ما في رسم القرآن الكريم.
إنّ أمثال هذه الأغلاط والأخطاء كثيرا ما نراها في المؤلّفات «التاريخية» المدوّنة في عصر المماليك بحيث أضحت سمة ذلك العصر، وعلينا أن لا نتوقّف كثيرا عندها.
وفي المخطوط قليل من الحواشي والاستدراكات التي أضافها الناسخ، وأشار إلى الموضع الذي يفترض أن تكون فيه من المتن بعلامة «»، وكثيرا ما يسهو فينسى كلمة أثناء السياق، وعندما يتذكّرها يكتبها فوق السطر أو تحته أو على الهامش.
وفي ختام وصفنا للمخطوط، لا بدّ من الإشارة إلى أنه أضيف إليه في آخر المجلّد الثاني صفحة بخطّ مختلف لا علاقة له بالناسخ «ابن الحبّوبي»، وهو يتعلّق بتركة نائب السلطنة بدمشق الأمير «سيف الدين تنكز» من أموال وذخائر وحواصل ومماليك وخيول وغيره.
والمعروف أنّ الأمير «تنكز» توفي سنة ٧٤١ هـ. ما يعني أنّ أحدهم ألحق الصفحة بعد وفاة المؤلّف البرزالي بنحو سنتين، أو بعد ذلك بعدّة سنوات، دون أن يعرّف عن نفسه، فاكتفى بالقول:
«قال كاتب هذه الصفحة: أدركتني صلاة المغرب، فاقتصرت من كتب أملاكه
[ ١ / ١١٩ ]
على هذا القدر، وتركت بقيّة أملاكه بدمشق، وقارة، وحمص، وبيروت، والقدس، والقاهرة، وغيرها. وفي كل ما كتبته كفاية لمن يعتبر».