مولى مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، كَانَ أَبوهُ عبدا لرجل من جذام، يُقَال لَهُ رياش فغلب عَلَيْهِ، ونُسب إِلَى رياشٍ مولى كَانَ بَاعه من الْهَاشِمِي، فَأعْتقهُ.
روى أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن الزجاجي، عَن عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، عَن ثَعْلَب، قَالَ: قدم الرياشي بَغْدَاد سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فصرت إِلَيْهِ لآخذ عَنهُ، فَقَالَ: أأَسأَلك عَن مَسْأَلَة؟
قلت: نعم.
[ ٧٥ ]
فَقَالَ: أتجيز " نِعْمَ الرَّجُلُ يقوم "؟ فَقلت: نعم هِيَ جَائِزَة عِنْد الْجَمِيع، أما الْكسَائي فيضمر، وَالتَّقْدِير عِنْده: نِعْمَ الرَّجل رجلٌ يقوم. لِأَن " نِعْمَ " عِنْده فعل. وَالْفراء يضمر، لِأَن " نِعْمَ " عِنْده اسْم، وَيرْفَع " الرجل " بنعم، و" يقوم " صلَة الرجل.
وَأما صَاحبك - يَعْنِي سِيبَوَيْهٍ - فَإِنَّهُ يضمر شَيْئا، و" نعم " أَيْضا عِنْده فِعلٌ، وَلَكِن يَجْعَل " يقوم " مترجمًا.
فَسكت.
قلت: فأسألك عَن مَسْأَلَة؟ قَالَ: نعم.
قلت: " يقوم نِعْمَ الرَّجُلُ "؟ قَالَ: جَائِز.
قلت: هَذَا خطأ عِنْد الْجَمِيع.
أما على مَذْهَب الْكسَائي، فَإِنَّهُ لَا يولي الْفِعْل فعلا.
وَأما الْفراء، فَإِن " يقوم " عِنْده صلَة، والصلة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول.
وَأما على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ، فَإِنَّهُ لَا يجوز، لِأَنَّهُ تَرْجَمَة، والترجمة تَبْيِين وإيضاح للجملة الَّتِي تتقدمها، وَلَا يجوز تَقْدِيمهَا عَلَيْهَا.
فَقَالَ: أَنا تَارِك للعربية، فَخذ فِيمَا قصدت لَهُ.
ففاتحته الْأَخْبَار، ففتحت بِهِ ثبج بحرٍ.
وَقَالَ الرياشي: تحفظت كتب أبي زيد، إِلَّا أَنِّي لم أُجالسه كَمَا جالست الْأَصْمَعِي.
[ ٧٦ ]
وروى مُحَمَّد بن رستم الطَّبَرِيّ، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني، قَالَ: كنت عِنْد سعيد بن مسْعدَة الْأَخْفَش، أَنا وَأَبُو الْفضل الرياشي، فَقَالَ الْأَخْفَش: إِن " مذ " إِذا رفع بهَا فَهِيَ اسْم الْمُبْتَدَأ، وَمَا بعْدهَا خَبَرهَا، كَقَوْلِك: " مَا رَأَيْته مذ يَوْمَانِ "، وَإِذا خُفض بهَا فَهِيَ حرف معنى لَيْسَ باسم، كَقَوْلِك: مَا رَأَيْته مذ الْيَوْم.
فَقَالَ الرياشي: فَلم لَا يكون فِي الْمَوْضِعَيْنِ اسْما، فقد رُوِيَ الْأَسْمَاء تنصب وتخفض، كَقَوْلِك: " هَذَا ضَارب زيدا "، و" ضَارب زيد أمس " فَلم لَا يكون بِهَذِهِ الْمنزلَة؟ فَلم يَأْتِ الْأَخْفَش بمقنع.
قَالَ أَبُو عُثْمَان: فَقلت لَهُ: لَا تشبه " مذ " مَا ذكرت من الْأَسْمَاء؛ لأَنا لم نر الْأَسْمَاء هَكَذَا تلْزم موضعا وَاحِدًا، إِلَّا إِذا عارضت حُرُوف الْمعَانِي، نَحْو " أَيْن " و" كَيفَ " وَكَذَلِكَ " مذ " هِيَ مضارعة لحروف الْمعَانِي، فلزمت موضعا وَاحِدًا.
قَالَ الطَّبَرِيّ: فَقَالَ ابْن أبي زرْعَة للمازني: أفَرَأَيْت حُرُوف الْمعَانِي تعْمل عملين مُخْتَلفين متضادين؟
[ ٧٧ ]
قَالَ: نعم، كَقَوْلِك: " قَامَ الْقَوْم حاشا زيد "، و" حاشا زيدا "، و" على زيد ثوبٌ "، و" علا زيد الْجَبَل ". فَيكون مرّة حرفا وَمرَّة فعلا بِلَفْظ وَاحِد.
وقُتل الرياشي سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، قتلته الزَّنْج وَقت دُخُولهَا الْبَصْرَة، فِي هَذِه السّنة.
قَالَ ابْن الْخياط: سَمِعت الْعَنزي يَقُول: سَمِعت الْمَازِني
[ ٧٨ ]
يَقُول: قَرَأَ عليّ الرياشي " كتاب سِيبَوَيْهٍ " فَكَانَ مَا أفدت مِنْهُ أكبر مِمَّا أَفَادَ مني.
قَالَ ابْن الْخياط: الَّذِي اسْتَفَادَ مِنْهُ الْمَازِني النّصْف الآخر من الْكتاب لأنَّ آخِره لُغَة.
* * *