[ ٩٠ ]
يُكنى أَبَا بشر، مولى لبني الْحَارِث.
ولد بقرية من قرى شيراز، يُقَال لَهَا الْبَيْضَاء.
وَقد الْبَصْرَة يكْتب الحَدِيث، فَلَزِمَ حَلقَة حَمَّاد بن سَلمَة،
[ ٩٢ ]
فاستملى مِنْهُ يَوْمًا قَول النَّبِي ﷺ: " لَيْسَ أحد من أَصْحَابِي إِلَّا لَو شِئْت أخذت عَلَيْهِ، لَيْسَ أَبَا الدَّرْدَاء "، فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَيْسَ أَبُو الدَّرْدَاء.
فَقَالَ لَهُ أَبُو حَمَّاد: لحنت يَا سِيبَوَيْهٍ، لَيْسَ هَذَا حَيْثُ ذهبت، " لَيْسَ " اسْتثِْنَاء.
فَقَالَ: سأطلب علما لَا تلحنني فِيهِ. فَلَزِمَ الْخَلِيل.
وروى عبيد الله بن معَاذ، قَالَ: جَاءَ سِيبَوَيْهٍ إِلَى حَمَّاد فَقَالَ: أحدثَّك هِشَام عَن أَبِيه، فِي رجل رعُف فِي الصَّلَاة فَانْصَرف.
فَقَالَ لَهُ: أَخْطَأت، إِنَّمَا هُوَ " رَعَف ".
فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: صدق حَمَّاد.
[ ٩٣ ]
قَالَ المَخْزُومِي، وَكَانَ كثير المجالسة للخليل: مَا سمعته يَقُول: مرْحَبًا بزائرٍ لَا يُمَلُّ. إِلَّا لسيبويه.
وَقَالَ النطاح: كنت عِنْد الْخَلِيل يَوْمًا، فَأقبل سِيبَوَيْهٍ، فَقَالَ الْخَلِيل: مرْحَبًا بزائرٍ لَا يُمَلُّ.
وَقَالَ ابْن عَائِشَة: كُنَّا نجلس عِنْد سِيبَوَيْهٍ النحويِّ فِي الْمَسْجِد -
[ ٩٤ ]
يَعْنِي مَسْجِد الْبَصْرَة - وَكَانَ شَابًّا جميلًا لطيفًا، قد تعلق من كل علم بِسَبَب، مَعَ براعته فِي النَّحْو، فَبَيْنَمَا نَحن عِنْده ذَات يَوْم، هبت ريح أطارت وَرقا كَانَ بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ أهل الْحلقَة: انْظُر أَي ريح هِيَ؟ فَقَامَ لذَلِك، وَكَانَ على مَنَارَة الْمَسْجِد مِثَال فرس من صفر: ثمَّ عَاد، فَقَالَ مَا تثبت الْفرس على شَيْء.
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: الْعَرَب تَقول فِي مثل هَذَا: تذاءب الرّيح، أَي فعلت فعل الذِّئْب، يَجِيء من هَاهُنَا وَهَاهُنَا، تختل ليتوهم النَّاظر أَنه عدَّة ذئاب.
وَقَالَ ابْن سَلام فِي " كِتَابه ": كنت جَالِسا فِي حَلقَة سِيبَوَيْهٍ، فِي مَسْجِد الْبَصْرَة، فتذاكرنا شَيْئا من حَدِيث قَتَادَة، فَذكر حَدِيثا غَرِيبا،
[ ٩٥ ]
وَقَالَ: لم يرو هَذَا إِلَّا سعيد بن أبي العَرُوبة.
فَقَالَ بعض ولد جَعْفَر بن سُلَيْمَان: مَا هَاتَانِ الزائدتان يَا أَبَا بشر؟
فَقَالَ: هَكَذَا؛ لِأَن العَرُوبة الْجُمُعَة، وَمن قَالَ: عرُوبَة فقد أَخطَأ.
[ ٩٦ ]
قَالَ ابْن سَلام: فَذكرت ذَلِك ليونس، فَقَالَ: صدق، لله درُّه.
وَقَالَ أَحْمد بن مُعَاوِيَة بن بكر العليمي: سَمِعت أبي يَقُول:
[ ٩٧ ]
سِيبَوَيْهٍ أثبت من أَخذ من الْخَلِيل، وَكَانَت فِيهِ حُبْسة، كَانَ علمه أبلغ من لِسَانه.
وروى عَن أبي زيد، قَالَ: كَانَ سِيبَوَيْهٍ يَأْتِي مجلسي، فَإِذا سمعته أَو وجدته يَقُول: حَدثنِي الثِّقَة، أَو من أَثِق بِهِ. فإياي يَعْنِي.
وَقَالَ سعيد الْأَخْفَش: كَانَ يعرض عليَّ مَا يعْمل من كِتَابه، وَكَانَ أعلم مني، وَأَنا الْيَوْم أعلم مِنْهُ.
قَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن: مَا كنت أستحب لسَعِيد أَن يَقُول ذَلِك، لِأَنَّهُ يتَعَرَّض لقَوْل الشَّاعِر:
[ ٩٨ ]
أُعَلِّمُه الرِّمايَة كُلَّ يَوْمٍ فلمَّا اسْتَدَّ ساعِدُه رَمَانِي
ويروى بالشين مُعْجمَة.
وَقَالَ الْأُخَر:
ولمِّا أنْ فَككْتُ الغُلَّ عَنهُ وأفْلَتَ قَالَ أيُّ فَتىً تَرانِي
وروى مُحَمَّد بن حسن الزبيدِيّ، قَالَ: قَالَ العسكري: سِيبَوَيْهٍ اسْم فَارسي، فالسِّي ثَلَاثُونَ، وبويه رَائِحَة، كَأَنَّهُ فِي الْمَعْنى ثَلَاثُونَ رَائِحَة:
[ ٩٩ ]
وقرأت على أبي مُحَمَّد بن مِسْعر، رَحمَه الله تَعَالَى، من خطه: قَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي: اُخْبُرْنَا عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، قَالَ حَدثنَا ثَعْلَب، قَالَ: حَدثنِي سَلمَة، قَالَ: قَالَ الْفراء: قدم سِيبَوَيْهٍ على البرامكة، فعزم يحيى على الْجمع بَينه وَبَين الْكسَائي، فَجعل لذَلِك يَوْمًا، فَلَمَّا حضر تقدّمت أَنا والأحمر، فَدَخَلْنَا، فَإِذا بمثال فِي صدر الْمجْلس، فَقعدَ عَلَيْهِ، وَمَعَهُ إِلَى جَانب الْمِثَال جَعْفَر وَالْفضل، وَمن حضر بحضورهم.
[ ١٠١ ]
قَالَ: وَحضر سِيبَوَيْهٍ، فَأقبل عَلَيْهِ الْأَحْمَر، فَسَأَلَهُ عَن مَسْأَلَة، فَأجَاب فِيهَا سِيبَوَيْهٍ.
فَأقبل عَلَيْهِ الْأَحْمَر، فَقَالَ: أَخْطَأت.
ثمَّ سَأَلَهُ عَن ثَانِيَة، فَأجَاب فِيهَا.
فَقَالَ الْأَحْمَر: أَخْطَأت.
ثمَّ سَأَلَهُ عَن ثَالِثَة، فَأَجَابَهُ فِيهَا.
فَقَالَ لَهُ: أَخْطَأت.
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا سوء أدب.
قَالَ الْفراء: فَأَقْبَلت عَلَيْهِ، فَقلت: إِن ي هَذَا الرجل حدَّة وعجلة، وَلَكِن مَا تَقول فِيمَن قَالَ: هَؤُلَاءِ أبون. ومررت بأبين، كَيفَ تَقول على مِثَال ذَلِك من وأيت وأويت.
فقدَّر، فَأَخْطَأَ.
فَقلت: أعد النّظر.
فقدَّر، فَأَخْطَأَ.
فَقلت: أعد النّظر. ثَلَاث مَرَّات، وَلَا يُصِيب.
فَلَمَّا كثر ذَلِك عَلَيْهِ، قَالَ: لست أُكلمكما حَتَّى يحضر صاحبكما، حَتَّى أُناظره.
فَحَضَرَ الْكسَائي، فَأقبل على سِيبَوَيْهٍ، فَقَالَ: تَسْأَلنِي أَو أَسأَلك؟
[ ١٠٢ ]
فَقَالَ: بل سلني أَنْت.
فَأقبل عَلَيْهِ الْكسَائي، فَقَالَ: كَيفَ تَقول: " كنت أَظن أَن الْعَقْرَب أشدُّ لسعة من الزنبور، فَإِذا هُوَ هِيَ، أَو فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا "؟
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَإِذا هُوَ هِيَ. وَلَا يجوز النصب.
فَقَالَ لَهُ الْكسَائي: لحنت.
ثمَّ سَأَلَهُ عَن مسَائِل من هَذَا النَّحْو: خرجت فَإِذا عبد الله القائمُ والْقائِمَ.
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: ذَلِك كُله بِالرَّفْع دون النصب.
فَقَالَ الْكسَائي: لَيْسَ هَذَا كَلَام الْعَرَب، ترفع ذَلِك وتنصبه.
فَدفع سِيبَوَيْهٍ قَوْله.
فَقَالَ يحيى بن خَالِد: فقد اختلفتما، وأنتما رَئِيسا بلديكما فَمن ذَا يحكم بَيْنكُمَا؟
فَقَالَ لَهُ الْكسَائي: هَذِه الْعَرَب ببابكم قد اجْتمعت من كل أَوب، ووفدت عَلَيْك من كل صقع، وهم فصحاء النَّاس، وَقد قنع بهم أهل
[ ١٠٣ ]
المصرين، وَسمع أهل الْكُوفَة وَأهل الْبَصْرَة مِنْهُم، فيحضرون ويسألون.
قَالَ يحيى وجعفر: قد أنصفت.
وَأمر بإحضارهم، فَدَخَلُوا، وَفِيهِمْ أَبُو فقعس، وَأَبُو ثروان، وَأَبُو الجرَّاح، وَأَبُو زِيَاد، فسُئلُوا عَن الْمسَائِل الَّتِي جرت بَين الْكسَائي وسيبويه، فتابعوا الْكسَائي وَقَالُوا بقوله.
فَأقبل يحيى على سِيبَوَيْهٍ، وَقَالَ لَهُ: قد تسمع أَيهَا الرجل؟
فاستكان سِيبَوَيْهٍ.
فَأقبل الْكسَائي على يحيى، وَقَالَ لَهُ: أصلح الله الْوَزير، إِنَّه قد وَفد عَلَيْك من بَلَده مؤملًا، فَإِن رَأَيْت أَن لَا تردَّه خائبًا.
فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
فَخرج، وصيَّر وَجهه إِلَى فَارس، فَأَقَامَ هُنَالك، وَلم يعد إِلَى الْبَصْرَة.
قَالَ ثَعْلَب: إِنَّمَا أَدخل الْعِمَاد فِي هَذَا لِأَن " فَإِذا " مفاجأة، أَي
[ ١٠٤ ]
فَوَجَدته ورأيته، وَوجدت وَرَأَيْت تنصب شَيْئَيْنِ، فَلذَلِك نصب الْعَرَب، انْتهى الْخَبَر.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: ونقول فِي ذَلِك: أما حِكَايَة الْفراء عَن الْأَحْمَر عَن الْمسَائِل، وَأَنه قد أجَاب، فقد شهد بإجابته، فَلَا يُلتفت إِلَى قَوْله: أَخْطَأت، وَأَيْضًا فَلم يذكر الْمسَائِل وَالْجَوَاب ليعلم وَجه الْخَطَأ من الصَّوَاب، وَهَذَا كَلَام أبي الْقَاسِم وَمَعْنَاهُ.
قلت: فَكَذَلِك الْجَواب عَن قَول الْفراء، كَيفَ يَقُول على مَذْهَب من قَالَ: " هَؤُلَاءِ أبون " و" رَأَيْت أبين " مثله من وأيت وأويت. قد كَانَ يجب أَن يكون ذكر تَقْدِيره الَّذِي أَخطَأ فِيهِ ثَلَاثًا، ليُعلم خطأ أم صَوَاب، كَمَا ذكر جَوَابه عَن مَسْأَلَة الْكسَائي، وَهُوَ الَّذِي لَا يجوز عِنْد أحد من الْبَصرِيين غير مَا قَالَ، فهم أَيْضا يرونه صَوَابا، وَإِنَّمَا يجيزن النصب فِي قَوْلهم " كنت أَظن الزنبور أَشد لسعة من الْعَقْرَب، فَإِذا هُوَ هِيَ "، فَيَقُولُونَ: " فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا "، يأْتونَ بِالْكِنَايَةِ عَن الْمَنْصُوب، وأراهم إِنَّمَا حملُوا ذَلِك على إجازتهم الْحَال أَن يكون معرفَة.
وَلَيْسَ هَذَا الْكتاب مِمَّا يَنْبَغِي أَن يذكر فِيهِ بطلَان قَوْلهم فِي الْحَال.
وَأما قَول الْفراء لسيبويه: كَيفَ تَقول على مَذْهَب من قَالَ " هَؤُلَاءِ
[ ١٠٥ ]
أبون " من وأى وَأَوَى، فإنَّ الْجَواب عَنهُ: أَن مِثَال " أَب " فِي الأَصْل فعل، فَإِذا بنيت مِثَاله من " وأى " كَانَ على مِثَال الْفِعْل الْمَاضِي مِنْهُ، وَكَذَلِكَ " أَوَى " فَيخرج جمعه إِلَى بَاب جمع مصطفى، فَإِذا جمعت " أَوَى " جمع السَّلامَة، قلت فِي الرّفْع: " هَؤُلَاءِ أوون " كَمَا تَقول: " مصطفون ". و" رَأَيْت أوين " مثل " مصطفين "، وَالْوَاو فِيهِ فَاء والهمزة الْعين وَاللَّام يَاء.
وسها الزّجاج فِي قَوْله: وَإِن كَانَت واوًا فَلَنْ تصح؛ لِأَن الْوَاو لم يجِئ مِنْهَا مِثَال سَلس، وَهُوَ نقل فِي الْيَاء.
وَأما " أَوَى " فالهمزة فَاء، وَالْوَاو عين، وَالْيَاء لَام، وَلَا يجوز أَن تكون واوًا، وَإِن كَانَ قد جَاءَ " فوه " و" جوه ": لِأَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك ليسن على غير هَذَا الْبناء، فِيهِ مثل قَوْلك " أبون "، فِي الرّفْع أوون، وَفِي النصب والجر أوين، وَالْقِيَاس وَاحِد.
وَلَو جمعت اسْم رجل عَصا لَقلت: " عصون " فِي الرّفْع، وَفِي النصب والجرِّ: " عصين ".
وَهَذَا لَا أعلم فِيهِ اخْتِلَافا بَين الْبَصرِيين، وَلَيْسَ أحد مِمَّن يعرف هَذَا الْعلم دون معرفَة سِيبَوَيْهٍ يقصر عَن الْجَواب عَن مَا ذكره الْفراء.
وَأَقُول: إِن الْفراء سامه أَن يَبْنِي على مذْهبه فِي هَذِه الْأَسْمَاء؛ لِأَنَّهُ
[ ١٠٦ ]
يَرَاهَا معربة من مكانين، فَيرى ضمَّة الْبَاء إعرابًا، وَالْوَاو إعرابًا، وَهَذَا مَا لَا يَقُوله البصريون، وَهِي أَسمَاء خرجت عَن القاس، نقصتها الْعَرَب، وصححت مَا هُوَ مثلهَا، أَو سمَّته معتلًاّ.
وَأَبُو عُثْمَان الْمَازِني وَحده يذهب إِلَى أَن الْبَاء فِي قَوْلك " أَبوك " الْحَرْف الَّذِي يَقع عَلَيْهِ الْإِعْرَاب، بِمَنْزِلَة دَال " زيد "، وَأَن الْوَاو فِي الرّفْع إشباع الضَّمَّة، وَكَذَلِكَ يَقُول فِي الْيَاء وَالْألف.
وسيبويه يرى أَن الْوَاو فِي قَوْلك: " أَبوك " وَسَائِر أخواته، هِيَ حرف الْإِعْرَاب، وَأَن مَا قبلهَا من الْحَرَكَة تَابع لَهَا، يَجْعَل الْحَرَكَة فِي الْبَاء بِمَنْزِلَة وحركة رَاء " هَذَا امْرُؤ "، وَكَذَلِكَ فِي النصب والجر.
وَقد وافقته على هَذَا الْأَخْفَش، وَرُوِيَ عَنهُ، أَعنِي الْأَخْفَش، أَنه جعلهَا، أَعنِي الْوَاو، دَلِيل الْإِعْرَاب، كواو الْجمع.
وقرأت على أبي، ﵀، من حَدثَك الْحُسَيْن بن خالويه، قَالَ: حدَّثنا عمرَان بن الْفضل، قَالَ: دخل إِبْرَاهِيم النظام على سِيبَوَيْهٍ فِي مَرضه، فَقَالَ: كَيفَ تجدك يَا أَبَا بشر؟ قَالَ: أجدني ترحل عني الْعَافِيَة بانتقال، وَأَجد الدَّاء يخامرني بحلول، غير أَنِّي قد وجدت الرَّاحَة مُنْذُ البارحة.
قلت: فتشتهي شَيْء؟
[ ١٠٧ ]
قَالَ: لَا، وَلَكِن أشتهي أَن أشتهي.
فَلَمَّا كَانَ من غَد ذَلِك الْيَوْم، دخلت إِلَيْهِ وَأَخُوهُ يبكي، وَقد قطرت دمعة من دُمُوعه على خَدّه، فَقلت كَيفَ تجدك؟ فَقَالَ:
يَسُرُّ الفَتَى مَا قَد تَقَدَّمَ مِن بَقَا إذَا عُرِفَ الدَّاءُ الَّذِي هُوَ قَاتِلُه
يُروى بِرَفْع الدَّاء ونصبه.
وَكَذَلِكَ قَول الآخر، أنْشدهُ الْأَخْفَش مجرورًا:
إذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظَنَّ أَنَّهُ نَجَاوَبِهِ الدَّاء الَّذِي هُوَ قَاتِلُهْ
قَالَ النظام: ثمَّ مَاتَ من يَوْمه.
وتُوفي بشيراز، سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة.
قَالَ الْأَصْمَعِي: قَرَأت على قبر سِيبَوَيْهٍ بشيراز: هَذَا قبر سِيبَوَيْهٍ. وَعَلِيهِ مَكْتُوب هَذِه الأبيات:
[ ١٠٨ ]
ذَبَ الأحِبَّةُ بَعْدَ طُولِ تَزَاوُرٍ وَنَأى الْمَزَارُ فَأسْلمُوكَ وَأقْشعُوا
تَرَكُوكَ أوْحش مَا يكُونُ بِقَفْرةٍ لَمْ يُؤْنِسُوكَ وَكُرْبَةً لَمْ يَدْفَعُوا
قُضِيَ الْقَضَاءُ وَصِرْتَ صَاحِبَ حُفْرَةِ عَنْكَ الأحِبَّةُ أعْرَضُوا وَتَصَدَّعُوا
ويروى أَنه أنْشد عِنْد مَوته، عِنْد بكاء أَخِيه:
أُخَيَّيْنِ كُنَّا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَاإلَى الأَمَدِ الأَقْصَى وَمَنْ يَأْمَنُ الدَّهْرا
ذكر الَّذين أَخذ عَنْهُم سِيبَوَيْهٍ:
الْخَلِيل صَاحبه الَّذِي استكثر مِنْهُ، وَإِذا قَالَ فِي كِتَابه: " سَأَلته " بِغَيْر تَسْمِيَة المسؤول، فَإِنَّمَا يَعْنِي الْخَلِيل دون غَيره.
وَيُونُس بن حبيب، وَعِيسَى بن عمر، وَأَبُو الْخطاب الْأَخْفَش.
هَؤُلَاءِ أَخذ عَنْهُم، يَقُول فِي " الْكتاب ": حَدثنَا أَبُو الْخطاب. وَأُخْرَى يَقُول: حَدثنَا بذلك عَن الْعَرَب عِيسَى يُونُس. وَيذكر رِوَايَة يُونُس عَن أبي عَمْرو ابْن الْعَلَاء.
وَعِيسَى بن عمر تُوفي قبل أبي عَمْرو بِخمْس سِنِين، وَلست أعلم
[ ١٠٩ ]
لأي حَال لم يلق أَبَا عَمْرو، ويدُلُّ على مَا ذكرته من وَفَاته، على خلاف مَا يذكر الْعَامَّة من عمره، أَنه قد بلغ خمسين سنة.
ويروى عَن يُونُس أَنه أنكر على سِيبَوَيْهٍ شَيْئا، فَقيل لَهُ: إِنَّه قد روى عَنْك، فَأنْظر فِيمَا روى.
قَالَ: فَنظر فِي " كِتَابه " فَقَالَ: صدق وَالله فِي جمع مَا حكى عني.
وتُوفي سِيبَوَيْهٍ، ﵀، بعد مُنْصَرفه من بَغْدَاد، سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، وعمره على مَا أوجبه التَّأَمُّل والتقريب خَمْسُونَ سنة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ
[ ١١٠ ]
قد روى عَن عِيسَى بن عمر، يَقُول: أَخْبرنِي عِيسَى. فِي غير مَوضِع من " الْكتاب "، وَلَا اخْتِلَاف فِي التواريخ أَن عِيسَى بن عمر تُوفي سنة تسع
[ ١١١ ]
وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَيَنْبَغِي أَن يكون سمع عَنهُ وَهُوَ ابْن تسع عشرَة، وَمَا زَاد عَلَيْهَا.
وَلَيْسَ قَول من قَالَ عمره ثَلَاثُونَ سنة بِشَيْء، هَذَا مُحال لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَلَا يعول عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ على غير تَأمل وَلَا معرفَة.
* * *
[ ١١٢ ]