يُكنى أَبَا مُحَمَّد، وَشهر بالكنية فَاخْتلف فِي اسْمه، فَقَالَ قوم: يحيى، وَقَالَ آخَرُونَ: عبد الرَّحْمَن.
[ ١١٣ ]
أَخذ علم النَّحْو عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء.
وَكَانَ يعلِّم الْمَأْمُون، وَالْكسَائِيّ يُؤَدب الْأمين.
وَكَانَ يَقُول الشّعْر، فَمن شعره يُخَاطب الْخَلِيفَة:
سَكْرْتُ فَأَبْدَتْ مِنِّيَ الكَأْسُ بعضَ مَاكَرِهْتَ وَمَا إنْ يَسْتَوِي السُّكْرُ والصَّحْوُ
وَلاَ سِيَّمَا إِذْ كُنْتُ عِنْدَ خَلِيفَةٍوَفِي مَجْلِسٍ مَا إِنْ يَجُوزُ بِهِ اللَّغْوُ
وَقَالَ فِي الْكسَائي:
إنَّ الْكِسَائِيَّ وأَشْيَاعَهُ يَرْقَوْنَ فِي النَّحْوِ إِلَى أَسْفَلِ
فَكُلُّهُمْ يَعْمَلُ فِي نَقْضِ مَا بِهِ يُصَابُ الحَقُّ لَا يَأْتَلِي
وَقَالَ بعد ذَلِك يرثيه، وَمُحَمّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ القَاضِي:
[ ١١٤ ]
أَسِيتُ على قاضِي الْقُضَاةِ مُحَمَّدٍ فأذْريْتُ دَمْعِي والفُؤَادُ عمِيدُ
وَأَقْلَقَنِي مَوْتُ الْكِسَائِيّ بعدَهُ وَكَادَتْ بيَ الأرْضُ الفَضَاءُ تَمِيدُ
هُمَا عَالِمَانَا أوْدَيَا وَتُخُرِّما وَمَا لهُمَا فِي العَالَمِينِ نَدِيدُ
وَكَانَا توفيا مَعَ الرشيد بِالريِّ، فَقَالَ: دفنَّا الْعلم بِالريِّ.
وَمَات أَبُو مُحَمَّد اليزيدي، وَكَانَ لَهُ خَمْسَة أَوْلَاد، كلهم من أهل الْعلم شَاعِر:
مُحَمَّد أَبُو عبد الله، وَإِبْرَاهِيم، وَإِسْمَاعِيل، وَعبد الله، وَإِسْحَاق.
[ ١١٥ ]
وحدَّث أَبُو عبد الله اليزيدي، قَالَ: خبَّرني عمي الْفضل بن مُحَمَّد، عَن أبي مُحَمَّد يحيى بن الْمُبَارك، قَالَ: كُنَّا بِبَلَد مَعَ الْمهْدي قبل أَن تصير إِلَيْهِ الْخلَافَة بأَرْبعَة أشهر، فِي شهر رَمَضَان، فذاكرنا لَيْلَة عِنْده النَّحْو والعربية، وَكنت مُتَّصِلا بخاله يزِيد بن مَنْصُور، وَالْكسَائِيّ مَعَ ولد حسن الْحَاجِب، فَبعث إليَّ وَإِلَى الْكسَائي، فصرت إِلَى الدَّار، فَإِذا الْكسَائي بِالْبَابِ قد سبقني، فَقَالَ لي: اعوذ بِاللَّه من شرك يَا أَبَا مُحَمَّد.
[ ١١٦ ]
فَقلت: وَالله لَا تُؤْتى من قِبلي، أَو أُوتى من قبلك.
فَلَمَّا دَخَلنَا على الْمهْدي أقبل عليَّ، فَقَالَ كَيفَ: نسبوا إِلَيّ الْبَحْرين، فَقَالُوا: بحراني، وَإِلَى الحصنين، فَقَالُوا: حصني، أَلا قَالُوا: حصناني، كَمَا قَالُوا: بحراني.
فَقلت: أَيهَا الْأَمِير، لَو قَالُوا: بحري. لالتبس بِالنّسَبِ إِلَى الْبَحْر، فزادوا ألفا للْفرق، كَمَا قَالُوا فِي النّسَب إِلَى الرّوح: روحاني. وَلم يكن للحصنين شَيْء يلتبس بِهِ، فَقَالُوا: حصني. على الْقيَاس.
فَسمِعت الْكسَائي يَقُول لعمر بن بزيع: لَو سَأَلَني الْأَمِير لأجبته بِأَحْسَن من هَذِه الْعلَّة.
فَقلت: أصلح الله تَعَالَى الْأَمِير، إِن هَذَا يزْعم أَنَّك لَو سَأَلته لأجاب أحسن من جوابي.
قَالَ: فقد سَأَلته.
فَقَالَ: أصلح الله تَعَالَى الْأَمِير، كَرهُوا أَن يَقُولُوا: حِصْناني فيجمعوا بَين النونين، وَلم يكن فِي الْبَحْرين إِلَّا نون وَاحِدَة، فَقَالُوا: بحراني. لذَلِك.
فَقلت: فَكيف تنْسب إِلَى رجل من بني جنان، إِن لَزِمت قياسك
[ ١١٧ ]
فَقلت: جنِّي. فَجمعت بَينه وَبَين النّسَب إِلَى الجنِّ، وَإِن قلت: جِنَّانيّ رجعت عَن قياسك، وجمعت بَين ثَلَاث نونات.
وَقَالَ فِيهِ:
يَا طَالِبَ النَّحْوِ أَلاَ فَاْبكِهِ بعدَ أَبِي عمروٍ وَحَمَّادِ
أمَّا الْكِسَائِيُّ فَذَاكَ امْرُؤٌ فِي النَّحْوِ حَازٍ غَيْرُ مُرْتَادِ
[ ١١٨ ]
وَهْوَ لِمَنْ يَأْتِيهِ جَهْلًا بِهِ مِثْلُ شَرَابِ النَّبِيذِ لِلصَّادِي
وابنِ أبِي إِسْحَاقَ فِي عِلْمِهِ والزَّيْنِ فِي المَشْهَدِ والنَّادِي
عِيسَى وأشْبَاهٍ بِعِيسَى وهَلْ يَأْتِي لَهُمْ دَهْرٌ بِأنْدَادِ
يَا ضَيْعَةَ النَّحْوِ بِهِ مُغْرِبٌ عَنْقَاءُ أوْدَتْ ذَاتُ إِصْعَادِ
أَفْسَدَهُ قَوْمٌ وأَزْرَوْا بِهِ مِنْ بَيْنِ أَغْتَامٍ وأوغادِ
ذَوِي مِرَاءٍ وَذَوِي لُكْنَةٍ لِئَامِ آباءٍ وأَجْدَادِ
فَهُمْ مِنَ النَّحْوِ وَلَوْ عُمِّرُوا أَعْمَارَ عادٍ فِي أَبِي جَادِ
وَحكى أَبُو عبد الله اليزيدي، عَن عَمه يحيى بن الْمُبَارك قَالَ: سَأَلت ابْن ميسور: مَا وزن ميسور من الْفِعْل؟
[ ١١٩ ]
فَقَالَ: فيعول.
فَقلت: بئس مَا أثنيت على جدك إِن كَانَ سُمي بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير من المسر، وَهُوَ السّعَايَة الْكَذِب، وَإِنَّمَا هُوَ مفعول من الْيُسْر.
* * *