أَخذ علم النَّحْو عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء.
[ ١٢٣ ]
واخترع علم الْعرُوض، وَمَعْرِفَة أوزان أشعار الْعَرَب.
وَيُقَال أَيْضا: إِنَّه نظر فِي علم النُّجُوم، وفهمه، فَلم يحمده،
[ ١٢٤ ]
وَقَالَ ﵀:
أبْلِغَا عَنِّيَ الْمُنجِّم أنِّي كافِرٌ بالَّذِي قَضتْهُ الْكواكبْ
عَالِمٌ أنَّ مَا يكونُ مِنَ الأمْ رِ قَضَاءٌ مِنَ المُهَيْمِنِ وَاجِبْ
[ ١٢٥ ]
وَله قطع مختارة، فَمِنْهَا مَا خَاطب بِهِ أَخَاهُ، وَكَانَ أنكر عَلَيْهِ حَالا رَآهَا مِنْهُ، فَقَالَ، رَحمَه الله تَعَالَى:
لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا أقُولُ عَذَرْتَنِي أوْ كُنْتُ أفْهَمُ مَا تقولُ عَذَلْتُكَا
لكِنْ جَهِلْتَ مَقَالَتِي فَعَذَلْتَنِي وَعَلِمْتُ أنَّكَ جاهِلٌ فَعَذَرْتُكَا
وَقَالَ أَيْضا، عَفا الله عَنهُ:
عَذَلْتَ علَى مَا لَوْ عَلِمْتَ بِقَدْرِهِ بَسَطْتَ مَكَانَ اللَّوْمِ والعَذْلِ مَنْ عُذْرِي
جَهِلْتَ وَلَمْ تَعْلَمْ بأنَّكَ جَاهِلٌ فَمَن لِي بِأَنْ تَدْرِي بأَنَّك لَا تَدْرِي
[ ١٢٦ ]
وَقَالَ أَيْضا، ﵀:
عُذْرُكَ عِنْدَ رَبِّكَ مَبْسُوطُ وَالذَّنْبُ عَنْ مِثْلِكَ مَحْطُوطُ
لَيْسَ بِمَسْخُوطٍ فِعَالُ امرئٍ كُلُّ الَّذِي يَفْعَلُ مَسْخُوطُ
وروى أَبُو بكر ابْن الْأَنْبَارِي، أَظُنهُ عَن أَبِيه، عَن عَليّ بن نصر الْجَهْضَمِي، قَالَ: ورد الْخَلِيل بن أَحْمد - وَيُقَال: إِنَّه لم يسم فِي الْإِسْلَام قبله أَحْمد - إِلَى سُلَيْمَان بن حبيب بن الْمُهلب، إِلَى الأهواز، وَكَانَ صديقا لَهُ، فَأَقَامَ عِنْده مدَّة، فَكتب رقْعَة وَانْصَرف، فَلم يجده عِنْد ظَنّه بِهِ، فَكتب رقْعَة، وَكَانَ فِي الرقعة:
وَرَدَ العُفاةُ المُعْطِشُونَ فأَصْدَرُوا رِيًّا وطابَ لَهُم لَدَيْكَ الْمَشْرَعُ
[ ١٢٧ ]
ووَرَدْتُ دونَك ظامِيًا مُتَدَفِّقًا فردَدْتَ دَلْوِي شَنُّها يَتَقَعْقَعُ
وأَرَاكَ تُمْطِرُ جَانِبًا عَن جَانِبٍ وفَضاءُ أرْضِي مِن سَمائِكَ بَلْقَعُ
أَلِحُسْنِ مَنْزِلَتِي تُؤَخِّرُ حاجَتِي أم لَيْسَ لي فيهِ بِخَيْرٍ مطْمعُ
وَكتب إِلَيْهِ:
أَبْلِغْ سُلَيْمَان أنِّي عَنهُ فِي سَعَةٍ
الأبيات، وسنذكرها بكمالها.
وروى ابْن الْأَنْبَارِي أَيْضا، أَن سُلَيْمَان بن حبيب أهْدى إِلَيْهِ هَدِيَّة لم يرضها، فَكتب إِلَيْهِ:
أَهْدَى إليَّ أَبُو أَيُّوبَ فَاكِهَةً مِن أَرْضِ سَنْدَانَ يَا للهِ مِن طُرَفِ
هَدِيَّةٌ لم تكُنْ عندِي بفائِدةٍ وَلَا هَدايَا ذَوِي الإنْعامِ والشَّرَفِ
وَله أَيْضا:
[ ١٢٨ ]
يَا زَلَّةً يُكْثِرُ الشَّيْطانُ إنْ ذُكِرتُ مِنْهَا التَّعَجُّب جَاءَت من سليمانا
لَا تَعْجَبُوا أَن يَزِلَّ الخَيْرُ عَن يَدِهِ الْكوكبُ النَّحْسُ يسْقِي الأرْض أحْيانًا
وغيرُ ابْن الْأَنْبَارِي يَقُول: إِن سُلَيْمَان بن عَليّ الْهَاشِمِي كتب إِلَيْهِ
[ ١٢٩ ]
يستدعيه، وَبعث إِلَيْهِ بِمَال وَفَاكِهَة، ورد المَال، وَكتب إِلَيْهِ بِهَذِهِ الأبيات:
أبْلِغْ سليمانَ أنِّي عَنهُ فِي سَعَةٍ وَفِي غِنىً غيرَ أنِّي لستُ ذَا مَال
شُحًّا بنَفْسِيَ إنِّي لَا أَرَى أحَدًا يَمُوتُ هَزْلًا وَلَا يَبْقَى علَى حَالِ
فالرِّزْقُ عَن قَدَرٍ لَا العَجْزُ يَنْقُصُهُ وَلَا يَزِيدُك فِيهِ حَوْلَ مُحْتالِ
وإنَّ بينَ الْغِنَى والفَقْرِ مَنْزِلَةً مَوْصُوَلةً بجَدِيدٍ لَيْسَ بالْبالِي
والفقرُ فِي النَّفسِ لَا فِي المالِ تَعْلَمُهُومِثْلُ ذَاك الغِنَى فِي النَّفْسِ لَا المالِ
والصَّبْرُ يُعْقِبُ خَيْرًا إِن قَنَعْتَ بِهِ والحِرْصُ يَدْعُو إِلَى فَقْرٍ وإذْلالِ
[ ١٣٠ ]
وَلم يُختلف فِي زهده.
ويروى أَن صديقا لَهُ ولي ولَايَة، فَكتب إِلَيْهِ: الحقْ بِي. فجَاء الرَّسُول وَهُوَ يَأْكُل كِسْرة، فَقَالَ: قل لَهُ: أما دمت أَصْبِر على الكسرة فلست أبلغك.
وأنشده يَقُول:
قد صَاغَةُ اللهُ مِن مِسْكٍ ومِن ذَهَبٍ وصاغَ رَاحَتَهُ مِن عَارِض هَطِلِ
وَله " كتاب فِي الْعرُوض "، وَكتاب " الْعين ".
وَهُوَ أول من صنف اللُّغَة على حُرُوف المعجم.
قَالَ الشَّاعِر يَعْنِي ابْن دُرَيْد، لما عمل كِتَابه الْمَعْرُوف " الجمهرة ":
وهْوَ كتابُ العَيْنِ إلاَّ أنَّه قد غَيَّرَهْ
فِي أَبْيَات تركناها.
[ ١٣١ ]
وتُوفي الْخَلِيل سنة سبعين وَمِائَة، وَقد قيل: سنة خمس وَسبعين وَمِائَة.
وَقَالَ الجاحظ: لَهُ " كتاب فِي الألحان ".
[ ١٣٢ ]
وَمن شعره، يذكر كتابي عِيسَى بن عمر:
ذَهَبَ النَّحْوُ جمِيعا كُلُّهُ غير مَا أحْدث عِيسَى بنُ عُمرْ
ذاكَ إكْمالُ وَهَذَا جامِعٌ وهما للِنَّاسِ شمْسٌ وقمرْ
[ ١٣٣ ]
وَكَانَ يُقَال لأَحَدهمَا " المكمل "، وَالْآخر " الْجَامِع ".
ويروى أَنه دخل على الْمَنْصُور، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: قد قلتُ بَيْتا فأجزه.
فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟
فَقَالَ:
أدَرْتُ الهَوَى حتَّى إِذا صارَ كالرَّحَى جعلتُ مَحَلَّ القَلْبِ فِي مَوْضِع القُطْبِ
فَأَطْرَقَ سَاعَة، ثمَّ قَالَ:
فلمَّا جَعَلْتُ القلبَ تحتَ رَحَى الْهَوَى نَدِمْتُ وصارَ القلبُ فِي مَوْضِعٍ صَعْبِ
فَأمر لَهُ بجائزة.
* * *
[ ١٣٤ ]