[ ١٦٤ ]
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ لَا يخرج شَيْئا مِمَّا أَخذه عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇، وَكَانَا من أَصْحَابه، ثمَّ انْتقل رَأْي زِيَاد فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلم ينْتَقل رَأْي أبي الْأسود، وَبَقِي مَا بَينه وَبَين زِيَاد على حَاله.
فَلَمَّا ولي زِيَاد الْعرَاق بعث إِلَيْهِ، يَقُول لَهُ: اعْمَلْ شَيْئا تكون فِيهِ إِمَامًا، تُعرب بِهِ كتاب الله تَعَالَى، وَينْتَفع النَّاس بِهِ.
فاستعفاه من ذَلِك، حَتَّى سمع قَارِئًا يقْرَأ: (إنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولِه) . فَقَالَ: مَا ظَنَنْت أَمر النَّاس صَار إِلَى هَذَا.
[ ١٦٦ ]
فَرجع إِلَى زِيَاد، فَقَالَ: أَنا أفعل مَا أَمر بِهِ الْأَمِير، فليتبعني كَاتبا لقنًا يفعل مَا أَقُول.
فأُتي بكاتب من عبد الْقَيْس، فَلم يرضه، فأُتي بآخر - قَالَ الْمبرد: أَحْسبهُ مِنْهُم - فَقَالَ لَهُ أَبُو الْأسود: إِذا رَأَيْتنِي قد فتحت فمي بالحرف فانقط فَوْقه نقطة، وَإِذا رَأَيْتنِي قد ضممت فمي فانقط نقطة بَين يَدي الْحَرْف، وَإِن كسرت فَاجْعَلْ النقطة تَحت الْحَرْف، فَإِن اتبعت شَيْئا من ذَلِك غُنَّةً فَاجْعَلْ مَكَان النقطة نقطتين.
فَهَذِهِ نقطة أبي الْأسود.
وَيُقَال: إنَّ ابْنَته قَالَت لَهُ يَوْمًا: يَا أَبَت، مَا أشدُّ الحرَّ. وَكَانَ يَوْمًا حارًا.
فَقَالَ: مَا نَحن فِيهِ.
فَقَالَت: إِنَّمَا أردْت أَن الْحر شَدِيد.
فَقَالَ: قولي مَا أشدَّ الحرَّ.
ويروى أَنه قَالَ لَهَا مَكَان قَوْله: " مَا نَحن فِيهِ ": إِذا كَانَت الصقعاء من فَوْقك والرمضاء من تَحْتك.
[ ١٦٧ ]
وَرُوِيَ أَيْضا أَن ابْنَته قَالَت لَهُ: مَا أحسنُ السَّمَاء.
فَقَالَ: أَي بنية، المجرة. وَيُقَال: نجومها.
فَقَالَت: لم أرد أَي شَيْء مِنْهَا أحسنُ، إِنَّمَا تعجبت.
فَقَالَ: قولي إِذا: مَا أحسنَ السَّمَاء.
وَكَانَ ينزل فِي الْبَصْرَة، فِي بني قُشَيْر، فَكَانَ يُرجم بِاللَّيْلِ، لرأيه فِي عَليّ بن أبي طَالب ﵇، فيُصبح فيشتكي، فَيَقُولُونَ لَهُ: الله يرجمك.
فَيَقُول: لَو رجمني الله لأصابني، وَأَنْتُم ترجمونني وَلَا تصيبون.
وَقَالَ:
أَلا منْ يشْترِي دَارا بِرُخْصٍ كَرَاهَةَ بَعْضِ جِيرَتِها تُباعُ
وَفِيهِمْ يَقُول:
[ ١٦٨ ]
يقولُ الأرْذلُونَ بَنو قُشيْرٍ طوال الدَهْرِ لَا يُنسى
أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعبَّاسًا وحَمْزة والْوصِيَّا
فإِنْ يَكُ حُبُّهُم رُشْدًا أُصِبْهُ وَلَيْسَ بِمُخْطِئٍ إنْ كَانَ غَيًا
وَكَانَت مَعَه امْرَأَة مِنْهُم، فَأصْبح، فَقَالَ لَهُم:
أرَيْتَ امْرَءًا كُنْتُ لَمْ أَبْلُهُ أتانِي فَقَالَ اتَّخِذْنِي خلِيلا
[ ١٦٩ ]
فَصَاحَبْتُهُ ثمَّ صافَيْتُهُ فَلَمْ أَسْتَفِدْ مِنْ نَدَاهُ فَتِيلاَ
وأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ وَلاَ ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قليلاَ
أَلَسْتُ خَلِيقًا بإِبْعَادِهِ وأُتْبِعُ ذَلِكَ هَجْرًا طَوِيلاَ
فَقَالُوا: بلَى.
فَقَالَ: اشْهَدُوا أَن فُلَانَة - يَعْنِي الْمَرْأَة - طَالِق.
قَالَ الْهَيْثَم بن عدي: أول بَاب أَلفه أَبُو الْأسود فِي النَّحْو بَاب التَّعجُّب.
عمره خمس وَثَمَانُونَ سنة.
[ ١٧٠ ]
وتُوفي فِي طاعون الجارف بِالْبَصْرَةِ، سنة تسع وَسِتِّينَ.
وَفِي بعض الْكتب أَنه تُوفي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز، هُوَ وَأَبُو طفيل عَامر بن وَاثِلَة.
[ ١٧١ ]
قَالَ: وهما آخر من بَقِي من شيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇.
وَمن شعره:
أَمِنْتُ علَى السِّرِّ امْرَءًا غيرَ حَازِمٍ وَلَكِنَّهُ فِي النُّصْحِ غيرُ مُرِيبِ
أَذاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حتَّى كَأَنَّهُ لعلياءِ نارٍ أُوقِدَتْ بثقوبِ
وَمَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُعْطِيك نُصْحهُ ولاَ كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحهُ بِلِبيبِ
ولكنْ إذَا مَا استجمعا عِنْد واحِدٍ فَحَقَّ لَهُ من طَاعَة بنصيبِ
وَله أَيْضا:
زَعَمَ الأمِيرُ أَبُو المُغِيرَةِ أنَّنِي شيخٌ كَبِيرٌ قَدْ دَنَوْتُ مِن الْبِلَى
أأَبَا المُغِيرَةِ رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ فَرَّجْتُهُ بالنُّكْرِ مِنِّي والدَّهَا
[ ١٧٢ ]
وأنشده ابْن جني " أَبَا الْمُغيرَة " بطرح الْهمزَة.
وَهُوَ الْقَائِل وَقد أدام لبس جُبَّة، لمن قَالَ لَهُ: أما تملها: " رُبَّ مملول لَا يُسْتَطَاع فِرَاقه ".
[ ١٧٣ ]
فَبعث إِلَيْهِ بجباب، فَقَالَ:
كساكَ وَلم تَسْتَكْسِهِ فشكَرْتَهُ أَخٌ لَكَ يُعْطِيكَ الجَزِيلَ وَنَاصِرُ
وإِنَّ أَحَقَّ الناسِ إنْ كنتَ شاكِرًا بِشُكْرِكَ مَن آساكَ والعِرْضُ وافِرُ
[ ١٧٤ ]
وَقيل لَهُ: لَو علقت عَلَيْك تَمِيمَة، فَقَالَ:
أَفْنَى الشَّباب الَّذِي أفْنَيْت جِدَّتَه كَرُّ الجدِيديْن مِنْ آتِ ومُنْطلِقِ
لَمْ يتْرُكَا لِيَ فِي طُولِ اخْتِلافِهِمَا شَيْئًا أخَافُ عَلْيهِ لَذْعَةَ الْحَدَقِ
وقرأت عَن ابْن الْأَنْبَارِي: دخل أَبُو الْأسود على زِيَاد، فَقَالَ لَهُ: كَيفَ حبك لعَلي ﵇؟ فَقَالَ: يزْدَاد شدَّة كَمَا يزْدَاد بغضك لَهُ وحبك لمعاوية شدَّة، وَالله مَا أردْت بحبي لعَلي إِلَّا الله وَمَا عِنْده، وَمَا أردْت بحبك لمعاوية إِلَّا الدُّنْيَا
[ ١٧٥ ]
وزخرفها، وَهِي زائلة عَنْك عَن قَلِيل، وَمثلك ومثلي فِي هَذَا قَول الْجعْفِيّ:
خلِيلانِ مُخْتَلِفٌ شأْنُنا أُرِيدُ العَلاَءَ وَيَبْغِي السِّمنْ
إذَا مَا رأى وَضَحًا فِي الإنَاءِ سَمِعْتَ لَهُ زَهْزَمًا كالمُغْنّ
[ ١٧٦ ]
وَقَالَ:
غَضِب الأمِيرُ لِأَن صَدقْتُ وَرُبَّما غَضِب الأميرُ على الْكَرِيم المُسْلِم
أأَبَا المُغِيرةِ رُبَّ يَوْم لم يكُنْ أهْلُ الْبراءةِ عِنْدكُمْ كالْمُجْرِمِ
اللهُ يعلمُ أنَّ حُبَي صادِقٌ لِبنِي النَّبِيِّ ولِلْقَتِيلِ المُحْرِمِ
قَالَ: زهزم صَوت فِيهِ تطريب، يُقَال: بعير مزهزم وناقة مزهزمة، إِذا صوَّتا تصويتًا فِيهِ تطريب.
وَقَالَ بعض المُحْدَثين، يذمُّ رجلا:
[ ١٧٧ ]
لَوْ تَلَبَّسْتَ مِن سَوَادِ أَبِي الأَسْ وَدِ لَوْنًا يُكْنَى أَبَا السَّوْدَاءِ
وَتَخَلَّلْتَ بِالْخَلِيلِ وَأَضْحَى سِيبَوَيْه لَدَيْكَ عَبْدَ سِبَاءِ
وَتَلَفَّفْتَ فِي كِسَاءِ الْكِسَائِي وَتَفَرَّيْتَ فَرْوَةَ الْفَرَّاءِ
لأَبَى اللهُ أَنْ يَرَاكَ ذَوُو الأَلْ بَابِ إِلاَّ فِي صُورَةِ الأَغْبِيَاءِ
* * *
أَخْبَار نَحْويي الْكُوفَة:
كَانَ آخر من قَامَ بمذهبهم: