قد ذكرنا فيما تقدم القول بأن السواد في الجملة فتح عنوة وصار غنيمة للمسلمين، فقال بعض أهل العلم: لما لم يقسم ووقف صار بيعه لا يصح، ويؤيد هذا قول عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله وعتبة بن فرقد.
أما قوله لطلحة؛ فأخبرنا الحسين بن شجاع الصوفي، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة؛ قالا: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن مطرف، عن بعض أصحابه، قال: اشترى طلحة بن عبيد الله أرضا من النشاستك، نشاستك بني طلحة، هذا الذي عند السيلحين. فأتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فقال: إني اشتريت أرضا معجبة. فقال له عمر: ممن اشتريتها؟ اشتريتها من أهل الكوفة؟
[ ١ / ٣٠٩ ]
اشتريتها من أهل القادسية؟ قال طلحة: وكيف أشتريها من أهل القادسية كلهم؟ قال: إنك لم تصنع شيئا إنما هي فيء.
وأما قوله لعتبة؛ فأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران؛ قالا: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن عبد السلام بن حرب، عن بكير بن عامر، عن عامر، قال: اشترى عتبة بن فرقد أرضا من أرض الخراج، ثم أتى عمر فأخبره، فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها. قال: فهؤلاء أهلها المسلمون أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا. قال: فاذهب فاطلب مالك.
وأخبرنا ابن رزق وابن بشران؛ قالا: حدثنا إسماعيل بن محمد، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا قيس، عن أبي إسماعيل، عن الشعبي، عن عتبة بن فرقد، قال: اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد على شاطئ الفرات لقضب لدوابي، فذكرت ذلك لعمر،
[ ١ / ٣١٠ ]
فقال لي: اشتريتها من أصحابها؟ قلت: نعم. قال: رح إلي، فرحت إليه، فقال: يا هؤلاء أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا، قال: ابتغ مالك حيث وضعته.
وقال قوم: بل السواد ملك لأهله؛ لأن عمر أقره في أيديهم وفرض الخراج عليهم.
وقال قوم: باعهم عمر الأرض بالخراج، فلهم رقاب الأرض يتوارثونها ويتبايعونها. واحتجوا على ذلك بما أخبرنا القاضي أبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن الشافعي، قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد المعدل، قال: حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثنا عبد الله بن داود الخريبي، قال: كان الحسن والحسين لا يريان بأسا بأرض الخراج.
وأخبرنا ابن رزق وابن بشران؛ قالا: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا حسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى، قال: اشترى الحسن بن علي ملحة أو ملحا، واشترى الحسين شريدين من أرض الخراج، وقال: قد رد إليهم عمر أرضيهم وصالحهم على الخراج الذي وضعه عليهم. قال: وكان ابن أبي ليلى لا يرى بشرائها بأسا.
[ ١ / ٣١١ ]
أخبرنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن المبارك، عن سفيان بن سعيد، قال: إذا ظهر على بلاد العدو فالإمام بالخيار إن شاء قسم البلاد والأموال والسبي بعدما يخرج الخمس من ذلك، وإن شاء من عليهم فترك الأرض والأموال فكانوا ذمة للمسلمين كما صنع عمر بن الخطاب بأهل السواد. فإن تركهم صاروا عهدا توارثوا وباعوا أرضهم. قال يحيى: وسمعت حفص بن غياث يقول: تباع ويقضى بها الدين وتقسم في المواريث.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: قال أبو عبيد: ومع هذا كله إنه قد تسهل في الدخول في أرض الخراج أئمة يقتدى بهم، ولم يشترطوا عنوة ولا صلحا، منهم من الصحابة عبد الله بن مسعود، ومن التابعين محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وكان ذلك رأي سفيان الثوري فيما يحكى عنه.
أما حديث ابن مسعود؛ فأخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي بنيسابور، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش. وأخبرناه أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزق البزاز، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، قال: أخبرنا أبو بدر، قال: حدثنا سليمان بن مهران، وهو الأعمش، عن شمر
[ ١ / ٣١٢ ]
ابن عطية، عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا. قال عبد الله: وبراذان ما براذان، وبالمدينة ما بالمدينة. فقد ذكر ابن مسعود في هذا الحديث أن له براذان مالا.
أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عبيد الله بن أحمد الدقاق وأبو محمد عبد الله بن يحيى السكري قالا: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: اشترى عبد الله أرضا من أرض الخراج، قال: فقال له صاحبها، يعني دهقانها: أنا أكفيك إعطاء خراجها والقيام عليها.
وأما حديث ابن سيرين؛ فأخبرناه الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق البغوي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثني قبيصة، عن سفيان، عن عبد العزيز بن قرير، عن ابن سيرين: أنه كانت له أرض من أرض الخراج، فكان يعطيها بالثلث والربع.
[ ١ / ٣١٣ ]
وأما حديث عمر بن عبد العزيز؛ فأخبرناه الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن رجاء أبي المقدام، عن نعيم بن عبد الله: أن عمر بن عبد العزيز أعطاه أرضا بجزيتها. قال عبد الرحمن: يعني من أرض السواد. قال أبو عبيد: وكأن عمر بن عبد العزيز تأول الرخصة في أرض الخراج أن الجزية التي قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ إنما هي على الرؤوس لا على الأرض، وكذلك يروى عنه. قال أبو عبيد: وكان يقول: فالداخل في أرض الجزية ليس يدخل في هذه الآية.
قال أبو عبيد: وقد احتج قوم من أهل الرخصة بإقطاع عثمان من أقطع من أصحاب النبي ﷺ بالسواد، والذي يروى عن سفيان أنه قال: إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها، فهذا يبين لك أن رأيه الرخصة فيها.
قال أبو عبيد: وإنما كان اختلافهم في الأرضين المغلة التي يلزمها الخراج من ذوات المزارع والشجر، فأما المساكن والدور بأرض السواد فما علمنا أحدا كره شراءها وحيازتها وسكناها، قد اقتسمت الكوفة خططا في زمن عمر بن الخطاب وهو أذن في ذلك، ونزلها من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ رجال منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمار،
[ ١ / ٣١٤ ]
وحذيفة، وسلمان، وخباب، وأبو مسعود، وغيرهم. ثم قدمها علي ﵇ فيمن معه من الصحابة فأقام بها خلافته كلها، ثم كان التابعون بعد بها، فما بلغنا أن أحدا منهم ارتاب بها ولا كان في نفسه منها شيء بحمد الله ونعمته، وكذلك سائر السواد. والحديث في هذا أكثر من أن يحصى.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي. وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر أبو الحسين، قال: كان فيما حدثني عن العباس بن عبد الله الترقفي قال: حدثني علي بن الصباح ابن أخت الهروي، قال: أتيت عبد الله بن داود الخريبي فسألته عن سكنى بغداد، قال: وما بأس. قلت له: فإن سفيان الثوري كان لا يدخلها. فقال: كان سفيان يكره جوار القوم وقربهم. قلت: فابن المبارك يقولون: إنه كان كلما دخلها تصدق بدينار. فقال: ومن يصحح هذا لنا عن ابن المبارك؟ قلت: فشعيب بن حرب، والفضيل بن عياض. فقال: لم تذكر لنا فقيها بعد. قلت: فما تقول في أرض السواد؟ فقال: خذ بيدك من اتخذ من أصحاب رسول الله ﷺ في أرض السواد، اتخذ بها سعد بن أبي وقاص، وابن
[ ١ / ٣١٥ ]
مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة، وسلمان الفارسي، وأنس بن مالك. قال الترقفي: وسمعت الحسن بن الربيع البوراني قال: قيل لابن المبارك: إن الناس يقولون: إنك كلما دخلت بغداد تصدقت بدينار. فقال: إن دنانيرنا إذا لكثيرة. قال أبو الحسين أحمد بن جعفر: وهذا احتجاز من ابن المبارك وليس هو بجواب سؤال السائل، وكأنه كره المراجعة فاستعمل المحاجزة، وإلا فإن المشهور عنه فيها التغليظ والذم الصريح والصدقة إذا دخلها مجتازا غير مختار، وقد ذكر عنه في ذم ساكنيها مع الكلام أشعار. فمنها ما أخبرته عن أبي الحسن محمد بن محمد المعروف بحبش بن أبي الورد قال: قال ابن المبارك يذم الناسك الذي يسكن بغداد [من الخفيف]:
أيها الناسك الذي لبس الصو … ف وأضحى يعد في العباد
الزم الثغر والتعبد فيه … ليس بغداد مسكن الزهاد
[ ١ / ٣١٦ ]
إن بغداد للملوك محل … ومناخ للقارئ الصياد
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، قال: حدثنا محمد بن العباس الخزاز، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العابد، قال: شهدت معروفا، يعني الكرخي، ورجل عنده فذكر أن بغداد غصب، فقال له معروف: يا هذا اتق الله، احفظ لسانك ما نعرف شيئا غصب.
أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي التوزي القاضي المحتسب؛ قالا: حدثنا محمد بن جعفر بن هارون الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: زعم عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أحمد بن حميد بن جبلة، قال: حدثني أبي، عن جدي جبلة، قال: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديين يقال لها: المباركة، وكانت لستين نفسا من البغداديين فعوضهم منها عوضا أرضاهم، فأخذ جدي جبلة قسمه منهم. وكان شارع طريق الأنبار لأهل قرية بباب الشام يسمون الترابنة. قال: وقال ابن أبي سعد، عن أبيه، قال: سمعت السري بن الحكم، وأظنه من بجيلة، يزعم أن المنصور كان ابتاع منه ما بين قنطرة البردان إلى الجسر، وأنه لم يقبض ثمن ذلك منه، وأن
[ ١ / ٣١٧ ]
حد أرضه من الجسر حتى ينتهي إلى قرية تعرف بالأثلة على فرسخ من الجانب الشرقي، ومنزله بالحطمية على ميلين من بغداد، ورفع في ذلك إلى الرشيد وإلى المأمون فلم يعطياه.
قلت: وفي حديثي ابن أبي سعد هذين إبطال لقول من زعم أن بغداد دار غصب، ودحض لزعمه وكسر لدعواه. وقد قدمنا القول عمن حكيناه عنه في إجازة بيع أرض السواد، ويحصل منه أن أرض بغداد ملك لأربابها، يصح أن تورث وتستغل وتباع، وعلى ذلك كان من أدركنا من العلماء والقضاة والشهود والفقهاء، لا يكرهون الشهادة في مبيع، ولا يتوقفون عن الحكم في موروث، وبهم يقتدى فيما وقع التنازع فيه، وحكمهم هو الحجة على مخالفيه. مع ما أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى. وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر ابن المنادي، قال: سأل رجل أحمد بن محمد بن حنبل عن العقار الذي كان يستغله ويسكن في دار منه، كيف سبيله عنده؟ فقال له: هذا شيء ورثته عن أبي؛ فإن جاءني أحد فصحح أنه له خرجت عنه ودفعته إليه.
[ ١ / ٣١٨ ]