بالجانب الغربي في أعلى المدينة مقابر قريش، دفن بها موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وجماعة من الأفاضل معه.
أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الإستراباذي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، قال: سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول: ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب.
أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: وكان أول من دفن في مقابر قريش جعفر الأكبر ابن المنصور، وأول من دفن في مقابر باب الشام عبد الله بن علي، سنة سبع وأربعين ومائة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة.
ومقبرة باب الشام أقدم مقابر بغداد، ودفن بها جماعة من العلماء والمحدثين والفقهاء.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وكذلك بمقبرة باب التبن، وهي على الخندق بإزاء قطيعة أم جعفر.
حدثني أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء الحنبلي، قال: حدثني أبو طاهر بن أبي بكر، قال: حكى لي والدي عن رجل كان يختلف إلى أبي بكر بن مالك أنه قيل له: أين تحب أن تدفن إذا مت؟ فقال: بالقطيعة، وإن عبد الله بن أحمد بن حنبل مدفون بالقطيعة، وقيل له، يعني لعبد الله، في ذلك، قال: وأظنه كان أوصى بأن يدفن هناك، فقال: قد صح عندي أن بالقطيعة نبيا مدفونا، ولأن أكون في جوار نبي أحب إلي من أكون في جوار أبي.
ومقبرة باب حرب، خارج المدينة وراء الخندق مما يلي طريق قطربل، معروفة بأهل الصلاح والخير، وفيها قبر أحمد بن محمد بن حنبل، وبشر بن الحارث. وينسب باب حرب إلى حرب بن عبد الله أحد صحابة أبي جعفر المنصور؛ وإليه أيضا تنسب المحلة المعروفة بالحربية.
أخبرنا أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد الحيري الضرير، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي بنيسابور، قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول: سمعت أحمد بن العباس يقول: خرجت من بغداد فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة، فقال لي: من أين خرجت؟ قلت: من بغداد هربت منها لما رأيت فيها من الفساد، خفت أن يخسف بأهلها. فقال: ارجع ولا تخف؛ فإن فيها قبور أربعة من أولياء الله هم حصن لهم من جميع البلايا. قلت: من هم؟ قال: ثم الإمام أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، ومنصور بن عمار. فرجعت وزرت القبور، ولم أخرج تلك السنة.
[ ١ / ٤٤٣ ]
قلت: أما قبر معروف فهو في مقبرة باب الدير، وأما الثلاثة الآخرون فقبورهم بباب حرب.
حدثني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا يوسف بن عمر القواس، قال: حدثنا أبو مقاتل محمد بن شجاع، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثني أبو يوسف بن بختان، وكان من خيار المسلمين، قال: لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل في منامه كأن على كل قبر قنديلا، فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنه نور لأهل القبور قبورهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم، قد كان فيهم من يعذب فرحم.
أخبرنا أبو الفرج الحسين بن علي بن عبيد الله الطناجيري، قال: حدثنا محمد بن علي بن سويد المؤدب، قال: حدثنا عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد ابن الدورقي يقول: مات جار لي فرأيته في الليل وعليه حلتان قد كسي، فقلت: إيش قصتك؟ ما هذا؟ قال: دفن في مقبرتنا بشر بن الحارث فكسي أهل المقبرة حلتين حلتين.
قلت: وبنواحي الكرخ مقابر عدة، منها مقبرة باب الكناس مما يلي براثا، دفن فيها جماعة من كبراء أصحاب الحديث.
ومقبرة الشونيزي، فيها قبر سري السقطي وغيره من الزهاد، وهي وراء المحلة المعروفة بالتوثة بالقرب من نهر عيسى بن علي الهاشمي.
سمعت بعض شيوخنا يقول: مقابر قريش كانت قديما تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير، والمقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير. وكان أخوان يقال لكل واحد منهما الشونيزي، فدفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونسبت المقبرة إليه.
ومقبرة باب الدير وهي التي فيها قبر معروف الكرخي.
[ ١ / ٤٤٤ ]
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا علي الصفار يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول: قبر معروف الترياق المجرب.
أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: حدثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري، قال: سمعت أبي يقول: قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج، ويقال: إنه من قرأ عنده مائة مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته.
حدثني أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري، قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع يقول: سمعت أبا عبد الله ابن المحاملي يقول: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلا فرج الله همه.
وبالجانب الشرقي مقبرة الخيزران، فيها قبر محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة، وقبر أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه إمام أصحاب الرأي.
أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري، قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: حدثنا مكرم بن أحمد، قال: حدثنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا علي بن ميمون، قال: سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم، يعني زائرا، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى.
ومقبرة عبد الله بن مالك، دفن بها خلق كثير من الفقهاء والمحدثين والزهاد والصالحين، وتعرف بالمالكية.
ومقبرة باب البردان فيها أيضا جماعة من أهل الفضل.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبر يعرف بقبر النذور، يقال: إن المدفون فيه رجل من ولد علي بن أبي طالب ﵁ يتبرك الناس بزيارته، ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته.
حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: حدثني أبي، قال: كنت جالسا بحضرة عضد الدولة ونحن مخيمون بالقرب من مصلى الأعياد في الجانب الشرقي من مدينة السلام، نريد الخروج معه إلى همذان في أول يوم نزل المعسكر، فوقع طرفه على البناء الذي على قبر النذور، فقال لي: ما هذا البناء؟ فقلت: هذا مشهد النذور، ولم أقل قبر لعلمي بطيرته من دون هذا، فاستحسن اللفظة، وقال: قد علمت أنه قبر النذور، وإنما أردت شرح أمره: فقلت: هذا يقال: إنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ويقال: إنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وإن بعض الخلفاء أراد قتله خفية، فجعلت له هناك زبية وسير عليها وهو لا يعلم، فوقع فيها وهيل عليه التراب حيا، وإنما شهر بقبر النذور لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صح، وبلغ الناذر ما يريد ولزمه الوفاء بالنذر، وأنا أحد من نذر له مرارا لا أحصيها كثرة، نذورا على أمور متعذرة فبلغتها ولزمني النذر فوفيت به. فلم يتقبل هذا القول، وتكلم بما دل أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقا فيتسوق العوام بأضعافه، ويسيرون الأحاديث الباطلة فيه. فأمسكت. فلما كان بعد أيام يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا، استدعاني في غدوة يوم، وقال: اركب معي إلى مشهد النذور، فركبت وركب في نفر من حاشيته إلى أن جئت به إلى الموضع، فدخله وزار القبر، وصلى عنده ركعتين سجد بعدهما سجدة أطال فيها المناجاة بما لم يسمعه أحد. ثم
[ ١ / ٤٤٦ ]
ركبنا معه إلى خيمته وأقمنا أياما، ثم رحل ورحلنا معه يريد همذان، فبلغناها وأقمنا فيها معه شهورا، فلما كان بعد ذلك استدعاني، وقال لي: ألست تذكر ما حدثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد؟ فقلت: بلى. فقال: إني خاطبتك في معناه بدون ما كان في نفسي اعتمادا لإحسان عشرتك، والذي كان في نفسي في الحقيقة أن جميع ما يقال فيه كذب. فلما كان بعد ذلك بمديدة. طرقني أمر خشيت أن يقع ويتم، وأعملت فكري في الاحتيال لزواله ولو بجميع ما في بيوت أموالي وسائر عساكري، فلم أجد لذلك فيه مذهبا، فذكرت ما أخبرتني به في النذر لقبر النذور، فقلت: لم لا أجرب ذلك؟ فنذرت إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل إلى صندوق هذا المشهد عشرة آلاف درهم صحاحا، فلما كان اليوم جاءتني الأخبار بكفايتي ذلك الأمر، فتقدمت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف، يعني كاتبه، أن يكتب إلى أبي الريان، وكان خليفته ببغداد، يحملها إلى المشهد. ثم التفت إلى عبد العزيز وكان حاضرا، فقال له عبد العزيز: قد كتبت بذلك ونفذ الكتاب.
أخبرني علي بن أبي علي المعدل، قال: حدثني أحمد بن عبد الله أبو بكر الدوري الوراق، قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام بن سهيل الكاتب الشيعي، قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، وقلت له: هذا الذي بقبر النذور يقال: إنه عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب. فقال: ليس كذلك، بل هو عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب مدفون في ضيعة له بناحية الكوفة يقال لها لبيا. وقال أبو بكر الدوري: قال لي أبو محمد الحسن بن محمد ابن أخي طاهر
[ ١ / ٤٤٧ ]
العلوي: عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب مدفون في ضيعة له بناحية الكوفة يقال لها: إلبي، وقبر النذور إنما هو قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
قلت: وأقدم المقابر التي بالجانب الشرقي مقبرة الخيزران؛ فأخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: وأما مقابر الخيزران، فمنسوبة إلى الخيزران أم موسى وهارون، يعني ابني المهدي، وهي أقدم المقابر فيها قبر أبي حنيفة، وقبر محمد بن إسحاق صاحب المغازي.
أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: قال بعض الناس: إن موضع مقابر الخيزران كان مقابر المجوس قبل بناء بغداد، وأول من دفن فيها البانوقة بنت المهدي، ثم الخيزران، ودفن فيها محمد بن إسحاق صاحب المغازي، والحسن بن زيد، والنعمان بن ثابت، وقيل: هشام بن عروة.
قلت: كان المشهور عندنا أن قبر هشام بن عروة في الجانب الغربي وراء الخندق أعلى مقابر باب حرب، وهو ظاهر معروف هناك، وعليه لوح منقوش فيه أنه قبر هشام؛ مع ما أخبرنا به الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس الخزاز. وأخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى، قالا: حدثنا أبو الحسين ابن المنادي قال: أبو المنذر هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي، مات أيام خلافة أبي جعفر
[ ١ / ٤٤٨ ]
في سنة ست وأربعين ومائة، ودفن بالجانب الغربي خارج السور نحو باب قطربل.
فحدثني أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق، وكان من أهل الفهم وله قدم في العلم، أنه سمع أبا الحسين أحمد بن عبد الله بن الخضر ينكر أن يكون قبر هشام بن عروة بن الزبير هو المشهور بالجانب الغربي، وقال: هذا قبر هشام بن عروة المروزي صاحب ابن المبارك، وإنما قبر هشام بن عروة بن الزبير بالخيزرانية من الجانب الشرقي.
ثم أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا جدي، قال: هشام بن عروة يكنى أبا المنذر، توفي ببغداد سنة ست وأربعين ومائة. وقد قيل: إن قبره في مقابر الخيزران.
وأخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس، قال: أخبرنا جدي لأمي إسحاق بن محمد النعالي، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق المدائني، قال: حدثنا قعنب بن المحرر أبو عمرو الباهلي، قال: مات عبد الملك بن أبي سليمان، وهشام بن عروة ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة، ودفنا بسوق يحيى. ومقبرة الخيزران بالقرب من سوق يحيى، وإليها أشار قعنب بن المحرر. ونرى أن قول أحمد بن عبد الله بن الخضر هو الصواب إلا إنا لا نعرف في أصحاب ابن المبارك من يسمى هشام بن عروة، ولا نعلم أيضا روي العلم عن أحد يسمى هشاما واسم أبيه عروة، سوى هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، والله أعلم.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وبالقرب من القبر المنسوب إلى هشام بالجانب الغربي: قبور جماعة تعرف بقبور الشهداء، لم أزل أسمع العامة تذكر أنها قبور قوم من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كانوا شهدوا معه قتال الخوارج بالنهروان وارتثوا في الوقعة، ثم لما رجعوا أدركهم الموت في ذلك الموضع فدفنهم علي هناك. وقيل: إن فيهم من له صحبة. وقد كان حمزة بن محمد بن طاهر ينكر أيضا ما اشتهر عند العامة من ذلك، وسمعته يزعم أنه لا أصل له، والله أعلم.
[ ١ / ٤٥٠ ]