ومعاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، يكنى أبا عبد الرحمن. وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان يقول: أسلمت عام القضية، ولقيت رسول الله ﷺ فوضعت عنده إسلامي. واستكتبه النبي ﷺ، وولاه عمر بن الخطاب الشام بعد وفاة أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلم يزل عليها مدة خلافة عمر، وأقره عثمان بن عفان على عمله.
ولما قتل علي بن أبي طالب سار معاوية من الشام إلى العراق، فنزل بمسكن ناحية حربى، إلى أن وجه إليه الحسن بن علي فصالحه، وقدم معاوية الكوفة فبايع له الحسن بالخلافة، وسمي عام الجماعة.
أخبرنا الحسين بن عمر بن برهان الغزال، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا عباس بن عبد الله الترقفي، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني - قال سعيد: وكان من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال في معاوية: اللهم اجعله هاديا واهده واهد به.
[ ١ / ٥٧٤ ]
أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو أحمد الجريري، قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز، قال: حدثنا أبو الحسن المدائني في قصة الحسن بن علي لما بايع له الناس بعد قتل علي، قال: وأقبل معاوية إلى العراق في ستين ألفا. واستخلف على الشام الضحاك بن قيس الفهري، والحسن مقيم بالكوفة لم يشخص حتى بلغه أن معاوية قد عبر جسر منبج، فعقد لقيس بن سعد بن عبادة على اثنى عشر ألفا وودعهم وأوصاهم، فأخذوا على الفرات وقرى الفلوجة، وسار قيس إلى مسكن، ثم أتى الأخنونية، وهي حربى، فنزلها، وأقبل معاوية من جسر منبج إلى الأخنونية، فسار عشرة أيام معه القصاص يقصون في كل يوم يحضون أهل الشام عند وقت كل صلاة، فقال بعض شعرائهم:
من جسر منبج أضحى غب عاشرة في كل مسكن تتلى حوله السور
قال: ونزل معاوية بإزاء عسكر قيس بن سعد، وقدم بسر بن أرطاة
[ ١ / ٥٧٥ ]
إليهم فكانت بينهم مناوشة ولم تكن قتلى ولا جراح، ثم تحاجزوا وساق بقية الحديث.
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: حدثنا محمد بن خالد بن خلي الحمصي، قال: حدثنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافدا على معاوية بن أبي سفيان فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه، فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟ فقال المسور: دعنا من هذا، وأحسن فيما قدمنا له. قال معاوية: لا، والله لتكلمن بذات نفسك، والذي تعيب علي. قال المسور: فلم أترك شيئا أعيبه عليه إلا بينته له. قال معاوية: لا بريء من الذنب. فهل تعد يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب وتترك الحسنات؟ قال المسور: لا، والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم. قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزي فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء، فأنا احتسب كل حسنة عملتها، بأضعافها وأوازي أمورا عظاما لا أحصيها ولا تحصيها من عمل لله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله ﷿، والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها
[ ١ / ٥٧٦ ]
لك فتفكر في ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر. قال عروة: فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا صلى عليه.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزاز، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن أحمد الحيري قراءة عليه، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: سمعت الربيع بن نافع يقول: معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله ﷺ، فإذا كشف الرجل الستر اجترئ على ما وراءه.
وأخبرنا ابن رزق، قال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى الأدمي البزاز، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي العوام، قال: حدثنا رباح بن الجراح الموصلي، قال: سمعت رجلا يسأل المعافى بن عمران فقال: يا أبا مسعود أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فغضب من ذلك غضبا شديدا، وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله صلى ا له عليه وسلم أحد. معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله ﷿، وقد قال رسول الله ﷺ: دعوا لي أصحابي وأصهاري فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
[ ١ / ٥٧٧ ]
أخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا ابن بكير، عن الليث بن سعد، قال: بويع معاوية بإيليا في رمضان بيعة الجماعة، ودخل الكوفة سنة أربعين.
قلت: هذه البيعة كانت بيعة أهل الشام لمعاوية عند مقتل علي، وذلك في سنة أربعين، وأما دخوله الكوفة ومبايعة الحسن بن علي له فإنما كان ذلك في سنة إحدى وأربعين.
أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس الرفاء، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثنا سعيد بن يحيى، عن عبد الله بن سعيد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: بويع معاوية بالخلافة في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين.
أخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث، قال: توفي معاوية في رجب لأربع ليال خلت منه سنة ستين، فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا محمد بن علي بن إبراهيم بن خمي، قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، قال: حدثنا عمرو بن حكام، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، عن جرير البجلي أنه سمع معاوية يخطب، فقال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين، وأنا ابن ثلاث وستين. ولكنه عمر بعدها حتى بلغ الثمانين.
[ ١ / ٥٧٨ ]