أنبأنا أبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزّاز أنبأنا دعلج بن أحمد ابن دعلج المعدّل أنبأنا محمّد بن على بن يزيد الصائغ قال نبأنا سعيد بن منصور نبأنا هشيم قال أنبأنا العوام بن حوشب أنا إبراهيم التّميميّ. قال: لما افتتح المسلمون
[ ١ / ٣٦ ]
السواد قالوا لعمر بن الخطّاب: أقسمه بيننا فأبى. فقالوا: إنا افتتحناها عنوة قال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه، وأخاف أن تقتتلوا.
فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رءوسهم الضرائب- يعني الجزية- وعلى أرضهم الطّسق (^١) - يعني الخراج- ولم يقسمها بينهم.
أنبأنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ بالبصرة أنا أبو على محمّد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي قال أنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال حدّثنا أحمد بن حنبل قال أنا عبد الرّحمن- يعني ابن مهديّ- عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر. قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر.
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد الخريبيّ بنيسابور قال أنبأنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم قال أنبأنا محمّد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال أنبأنا ابن وهب قال أنبأنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه. قال سمعت عمر بن الخطّاب يقول: لولا أني أترك الناس بيّانا لا شيء لهم، ما فتحت قرية إلا قسمناها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن أحمد بن غالب الخوارزميّ قال أنبأنا عمر بن نوح البجليّ قال أنبأنا أبو خليفة قال حدّثنا محمّد بن كثير قال أنبأناسفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب. قال: أراد عمر أن يقسم السواد؛ فعدوهم فأصاب كل رجل ثلاثة من الفلاحين؛ فاستشار عمر فيهم أصحاب رسول الله ﷺ. فقالوا:
للناس نائبة ولا يبقى لمن بعدهم شيء فتركهم.
أخبرنا أبو الحسن على بن محمّد بن عبد الله بن بشران المعدّل قال أنبأنا أبو على إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال أنا الحسن بن على بن عفان قال أنا يحيى بن آدم قال أنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب. قال: كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق:
أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم؛ فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس به عليك إلى العسكر من كراع
_________________
(١) الطسق: ما يوضع من الوظيفة على الجربان من الخراج المقرر على الأرض، فارسي معرب. وفي التهذيب: الطسق شبه الخراج له مقدار معلوم، وليس بعربي خالص. والطسق: مكيال. معروف.
[ ١ / ٣٧ ]
أو مال واقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين؛ فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شيء (^١).
اختلف الفقهاء في الأرض التي يغنمها المسلمون ويقهرون العدو عليها. فذهب بعضهم: إلى أن الإمام بالخيار بين أن يقسمها على خمسة أسهم فيعزل منهم السهم الذي ذكره الله تعالى في آية الغنيمة فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال ٤١] الآية. ويقسم السهام الأربعة الباقية بين الذين افتتحوها؛ فإن لم يختر ذلك وقف جميعها كما فعل عمر بن الخطّاب في أرض السواد.
وممن ذهب إلى هذا القول: أبو حنيفة النعمان بن ثابت وسفيان بن سعيد الثوري.
وقال مالك بن أنس: تصير الأرض وقفا بنفس الاغتنام ولا خيار فيها للإمام.
وقال محمّد بن إدريس الشّافعيّ: ليس للإمام إيقافها وإنما يلزمه قسمتها؛ فإن اتفق المسلمون على إيقافها ورضوا ألا تقسم جاز ذلك. واحتج من ذهب إلى هذا القول بما روى أن عمر بن الخطّاب قسم أرض السواد بين غانميها وحازوها؛ ثم استنزلهم بعد ذلك عنها واسترضاهم منها ووقفها.
فأما الأحاديث التي تقدمت بأن عمر لم يقسمها فإنها محمولة على أنه امتنع من إمضاء القسم واستدامته بأن انتزع الأرض من أيديهم، أو أنه لم يقسم بعض السواد وقسم بعضه ثم رجع فيه.
أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبّار السكري قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا ابن أبي زيدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم. قال: كنا ربع الناس يوم القادسيّة فأعطانا عمر ربع السواد فأخذناه ثلاث سنين، ثم وفد جرير إلى عمر بعد ذلك. فقال: أما والله، لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما قسم لكم، فأرى أن تردوا على المسلمين؛ ففعل. وأجازه بثمانين دينارا (^٢).
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغويّ قال
_________________
(١) انظر الخبر في: كتاب الخراج، ليحيى بن آدم ص ٢٧، ٢٨.
(٢) انظر الخبر في كتاب الخراج ليحيى بن آدم ص ٤٥.
[ ١ / ٣٨ ]
أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد القاسم بن سلّام قال نبأنا هشيم عن إسماعيل عن قيس. قال: قالت امرأة من بجيلة- يقال لها أم كرز- لعمر: يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد وإني لم أسلّمه فقال لها: يا أم كرز، إن قومك قد صنعوا ما قد علمت. قالت: إن كانواصنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا. قال: ففعل عمر ذلك.
قال أبو عبيد: فاحتج قوم بفعل عمر هذا. وقالوا: ألا تراه قد أرضي جريرا والبجليّة وعوضهما. وإنما وجه ذلك عندي: أن عمر كان قد نفل جريرا وقومه ذلك نفلا قبل القتال، وقبل خروجه إلى العراق، فأمضى له نفله. ولو لم يكن نفلا ما خصه وقومه بالقسمة خاصة دون الناس؛ وإنما استطاب أنفسهم خاصة لأنهم قد كانوا أحرزوا ذلك وملكوه بالنفل. فلا حجة في هذا لمن يزعم أنه لا بد للإمام من استرضائهم (^١).
قال الخطيب: ثم إن عمر ﵁ أقر أهل السواد فيه وضرب عليهم الخراج بعد أن سلم إليهم الأرض يعملون فيها وينتفعون بها، وبعث عماله لمساحتها وقبض الواجب عنها.
فأخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق البغويّ قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال نبأنا الأنصاريّ محمّد بن عبد الله. ولا أعلم إسماعيل بن إبراهيم إلّا قد حدّثناه أيضا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز أن عمر بن الخطّاب بعث عمّار بن ياسر إلى أهل الكوفة على صلاتهم وجيوشهم، وعبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. ثم فرض لهم في كل يوم شاة. أو قال: جعل لهم كل يوم شاة، شطرها وسواقطها لعمّار، والشطر الآخر بين هذين. ثم قال: ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سريعا في خرابها. قال فمسح عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب النخل خمسة دراهم، وعلى جريب القضب (^٢) ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين (^٣).
_________________
(١) انظر الخبر في: كتاب الأموال لأبي عبيد ص ٨٧، ٨٨.
(٢) القضب: كل شجرة طالت وبسطت أغصانها.
(٣) انظر الخبر في: الأموال، لأبي عبيد ص ٩٨، ١٠٣.
[ ١ / ٣٩ ]
أخبرنا على بن محمّد بن عبد الله القرشيّ قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار قال نا سعدان بن نصر قال أنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم: أن عمر بن الخطّاب بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد، فوضع على كل جريب عامر أو غامر- حيث يناله الماء- قفيزا ودرهما. قال وكيع: يعني الحنطة والشعير- ووضع على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطاب (^١): خمسة دراهم.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال أنا أبو عبيد قال أنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه مجالد بن سعيد عن الشعبي: أن عمر بعث عثمان بن حنيف مسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وقفيزا. قال أبو عبيد: أرى حديث مجالد عن الشعبي هو المحفوظ. ويقال: إن حد السواد الذي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل مادّا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبّادان من شرقي دجلة، هذا طوله. وأما عرضه: فحده منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسيّة المتصل بالعذيب من أرض العرب. فهذا حدود السواد وعليها وقع الخراج.
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع الصّوفيّ قال أنبأنا أبو على محمّد بن أحمد ابن الحسن الصّوّاف قال أنا محمّد بن عبدوس بن كامل ومحمّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: أنا أبو بكر بن أبي شيبة قال أنا حميد بن عبد الرّحمن عن حصين عن مطرف قال: ما فوق حلوان فهو ذمة، وما دون حلوان من السواد فهو فيء، وسوادنا هذا فيء.
أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال ثنا أبو بكر محمّد بن جعفر بن أحمد ابن الليث الواسطي قال ثنا أسلم بن سهل قال ثنا محمّد بن صالح قال نبأنا هشام بن محمّد بن السائب قال سمعت أبي يقول: إنما سمي السواد سوادا لأن العرب حين جاءوا نظروا إلى مثل الليل من النخل والشجر والماء فسموه سوادا.
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمّد بن الحسين الأصبهانيّ بها قال أنبأنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب الطبراني قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد:
كان الأصمعي يتأول في سواد العراق إنما سمي به للكثرة؛ وإنما أنا فأحسبه سمي
_________________
(١) الرطبة: روضة الفصفصة ما دامت خضراء، وقيل: هي الفصفصة نفسها، وجمعها رطاب (لسان العرب: رطب).
[ ١ / ٤٠ ]
بالسواد للخضرة التي في النخيل والشجر والزرع، لأن العرب قد تلحق لون الخضرة بالسواد فتوضع إحداهما موضع الآخر، ومن ذلك قول الله تعالى حين ذكر الجنتين: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن ٦٤] هما في التفسير خضراوان، فوصفت الخضرة بالدهمة وهي من سواد الليل، وقد وجدنا مثله في أشعارهم.
قال ذو الرمة:
قد أقطع النازع المجهول معسفة … في ظل أخضر يدعو هامة البوم
يريد: بالأخضر- الليل- سماه بهذا لظلمته وسواده.
أخبرنا على بن محمّد بن عبد الله المعدّل قال أنبأنا إسماعيل بن محمّد الصفار قال نبأنا الحسن بن على بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال قال حسن بن صالح: وأما سوادنا هذا فإنا سمعنا أنه كان في أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون إليهم الخراج فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من النبط والدهاقين على حالهم، ووضعوا الجزية على رءوس الرجال؛ ومسحوا عليهم ما كان في أيديهم من الأرض ووضعوا عليها الخراج، وقبضوا كل أرض ليس في يد أحد، فكانت صوافي إلى الإمام.
قال يحيى: كل أرض كانت لعبدة الأوثان من العجم أو لأهل الكتاب من العجم أو العرب ممن تقبل منهم الجزية، فإن أرضيهم أرض خراج إن صالحوا على الجزية على رءوسهم والخراج على أرضيهم؛ فإن ذلك يقبل منهم، وإن ظهر عليهم المسلمون فإن الإمام يقسم جميع ما أجلبوا به في العسكر من كراع أو سلاح أو مال بعد ما يخمسه وهي الغنيمة التي لا يوقف شيء منها. وذلك قوله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال ٤١]. وأما القرى والمدائن والأرض فهي فيء كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [الحشر ٧]. فالإمام بالخيار في ذلك إن شاء وقفه وتركه للمسلمين؛ وإن شاء قسمه بين من حضره (^١). أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا على بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد: إنما جعل- يعني عمر- الخراج على الأرضين التي تغل
_________________
(١) انظر الخبر في: كتاب الخراج، ليحيى بن آدم ص ٢١، ٢٢.
[ ١ / ٤١ ]
من ذوات الحب والثمار والتي تصلح للغلة من العامر والغامر؛ وعطل من ذلك المساكن والدور التي هي منازلهم فلم يجعل عليهم فيها شيئا (^١).