بالجانب الغربي في أعلى المدينة- مقابر قريش دفن بها موسى بن جعفر بن محمّد ابن على بن الحسين بن على بن أبي طالب، وجماعة من الأفاضل معه.
أخبرنا القاضي أبو محمّد بن الحسن بن الحسين بن محمّد بن رامين الأستراباذي
_________________
(١) انظر الخبر في: المنتظم ٨/ ٨٢. ونشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة ١/ ٦٦.
[ ١ / ١٣٢ ]
قال أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال سمعت الحسن بن إبراهيم أبا على الخلّال يقول: ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب.
أخبرنا محمّد بن على الورّاق وأحمد بن على المحتسب قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر قال نا السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال: وكان أول من دفن في مقابر قريش جعفر الأكبر بن المنصور وأول من دفن في مقابر باب الشام عبد الله بن على، سنة سبع وأربعين ومائة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة بمقبرة باب الشام أقدم مقابر بغداد، ودفن بها جماعة من العلماء والمحدثين والفقهاء، وكذلك مقبرة- باب التّبن وهي على الخندق بإزاء قطيعة أم جعفر.
حدّثني أبو يعلى محمّد بن الحسين بن محمّد بن الفراء الحنبليّ قال حدّثني أبو طاهر بن أبي بكر قال: حكى لي والدي عن رجل كان يختلف إلى أبي بكر بن مالك أنه قيل له: أين تحب أن تدفن إذا مت؟ فقال: بالقطيعة، وإن عبد الله بن أحمد بن حنبل مدفون بالقطيعة، وقيل له- يعني لعبد الله- في ذلك قال: وأظنه كان أوصى بأن يدفن هناك. وقال: قد صح عندي أن بالقطيعة نبيّا مدفونا، وأن أكون في جوار نبي أحب إلىّ من أن أكون في جوار أبي، ومقبرة- باب حرب، خارج المدينة وراء الخندق مما يلي طريق قطربّل. معروفة بأهل الصلاح والخير، وفيها قبر أحمد بن محمّد بن حنبل، وبشر بن الحارث. وينسب باب حرب إلى حرب بن عبد الله أحد صحابة أبي جعفر المنصور؛ وإليه تنسب أيضا المحلة المعروفة بالحربيّة.
أخبرنا أبو عبد الرّحمن إسماعيل بن أحمد الحيري الضّرير قال أنبأنا أبو عبد الرّحمن محمّد بن الحسين السلمي بنيسابور قال سمعت أبا بكر الراذي يقول سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول سمعت أحمد بن العبّاس يقول: خرجت من بغداد فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة. فقال لي: من أين خرجت؟ قلت: من بغداد، هربت منها لما رأيت فيها من الفساد؛ خفت أن يخسف بأهلها. فقال: ارجع ولا تخف؛ فإن فيها قبور أربعة من أولياء الله هم حصن لهم من جميع البلايا. قلت: من هم؟ قال: ثمّ الإمام أحمد بن حنبل ومعروف الكرخي. وبشر الحافي. ومنصور بن عمّار. فرجعت وزرتالقبور. ولم أخرج تلك السنة.
قال الشيخ أبو بكر: أما قبر معروف فهو في مقبرة باب الدّير. وأما الثلاثة الآخرون فقبورهم بباب حرب.
[ ١ / ١٣٣ ]
حدّثني الحسن بن أبي طالب قال نا يوسف بن عمر القوّاس قال نا أبو مقاتل محمّد بن شجاع قال نا أبو بكر بن أبي الدّنيا قال حدّثني أبو يوسف بن بختان- وكان من خيار المسلمين- قال: لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل في منامه كأنّ على كل قبر قنديلا. فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنه نوّر لأهل القبور قبورهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم. قد كان فيهم من يعذّب فرحم.
أخبرنا أبو الفرج الحسين بن على بن عبيد الله الطّناجيريّ قال نا محمّد بن على ابن سويد المؤدّب قال نا عثمان بن إسماعيل بن أبي بكر السكري قال سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن الدّورقي يقول: مات جار لي فرأيته في الليل وعليه حلّتان قد كسي فقلت: أيش قصتك؟ ما هذا؟ قال: دفن في مقبرتنا بشر بن الحارث فكسي أهل المقبرة حلّتين حلّتين.
[قال الخطيب (^١)]: وبنواحي الكرخ، مقابر عدة، منها مقبرة- باب الكناس مما يلي براثا، دفن فيها جماعة من كبراء أصحاب الحديث. ومقبرة- الشونيزي، فيها قبر سريّ السّقطي وغيره من الزهاد، وهي وراء المحلة المعروفة بالتوثة بالقرب من نهر عيسى بن على الهاشميّ.
سمعت بعض شيوخنا يقول: مقابر قريش كانت قديما تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير، والمقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير، وكان أخوان يقال لكل واحد منهما الشونيزي فدفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونسبت المقبرة إليه، ومقبرة- باب الدير وهي التي فيها قبر معروف الكرخي.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال أنبأنا محمّد بن الحسين السّلمي قال سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا على الصفّار يقول سمعت إبراهيم الحربيّ يقول: قبر معروف الترياق المجرّب.
أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي قال نبأنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرّحمن بن محمّد الزّهريّ قال سمعت أبي يقول: قبر معروف الكرخي مجرّب لقضاء الحوائج. ويقال: إنه من قرأ عنده مائة مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله [له (^٢)] حاجته.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من مطبوعة باريس.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من مطبوعة باريس.
[ ١ / ١٣٤ ]
حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن على بن عبد الله الصوري قال سمعت أبا الحسين محمّد بن أحمد بن جميع يقول سمعت أبا عبد الله بن المحامليّ يقول: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلا فرج الله همّه. وبالجانب الشرقي مقبرة- الخيزران، فيها قبر محمّد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة، وقبر أبي حنيفة النعمان بن ثابت إمام أصحاب الرأي.
أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن على بن محمّد الصيمري قال أنبأنا عمر بن إبراهيم قال نبأنا على بن ميمون قال: سمعت الشّافعيّ يقول: إني لأتبرّك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم- يعني زائرا- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى. ومقبرة عبد الله بن مالك، دفن بها خلق كثير من الفقهاء والمحدثين والزهاد والصّالحين، وتعرف بالمالكيّة. ومقبرة باب البردان فيها أيضا جماعة من أهل الفضل، وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبر يعرف بقبر النّذور. ويقال: إن المدفون فيه رجل من ولد على بن أبي طالب ﵁ يتبرك الناس بزيارته، ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته.
حدّثني القاضي أبو القاسم على بن المحسن التّنوخيّ قال حدّثني أبي قال: كنت جالسا بحضرة عضد الدولة ونحن مخيمون بالقرب من مصلّى الأعياد في الجانب الشرقي [من (^١)] مدينة السّلام، نريد الخروج معه إلى همدان في أول يوم نزل المعسكر، فوقع طرفه على البناء الذي على قبر النذور. فقال لي: ما هذا البناء؟
فقلت: هذا مشهد النذور، ولم أقل قبر لعلمي بطيرته من دون هذا، واستحسن اللفظة. وقال: قد علمت أنه قبر النذور، وإنما أردت شرح أمره. فقلت: هذا يقال إنه قبر عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب. ويقال إنه قبر عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن أبي طالب (^٢). وإن بعض الخلفاء أراد قتله خفيّا، فجعلت له هناك زبية وسيّر عليها وهو لا يعلم، فوقع فيها وهيل عليه التراب حيّا، وإنما شهر بقبر النذور لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صحّ، وبلغ الناذر ما يريد ولزمه الوفاء بالنذور، وأنا أحد من نذر له مرارا لا أحصيها كثرة، نذورا على
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من مطبوعة باريس.
(٢) «ويقال أنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب» ساقط من مطبوعة باريس.
[ ١ / ١٣٥ ]
أمور متعذّرة فبلغتها ولزمني النذر فوفيت به. فلم يتقبل هذا القول، وتكلم بما دل أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقا فيتسوّق العوامّ بأضعافه، ويسيّرون الأحاديث الباطلة فيه. فأمسكت. فلما كان بعد أيام يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا، استدعاني في غدوة يوم، وقال: اركب معي إلى مشهد النذور، فركبت وركب في نفر من حاشيته إلى أن جئت به إلى الموضع، فدخله وزار القبر، وصلى عنده ركعتين سجد بعدهما سجدة أطال فيها المناجاة بما لم يسمعه أحد. ثم ركبنا معه إلى خيمته وأقمنا أياما، ثم رحل ورحلنا معه يريد همذان، فبلغناها وأقمنا فيها معه شهورا، فلما كان بعد ذلك استدعاني. وقال لي: ألست تذكر ما حدّثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد؟
فقلت: بلى، فقال: إني خاطبتك في معناه بدون ما كان في نفسي اعتمادا لإحسان عشرتك، والذي كان في نفسي في الحقيقة أن جميع يقال فيه كذب. فلما كان بعد ذلك بمديدة. طرقني أمر خشيت أن يقع ويتمّ وأعملت فكري في الاحتيال لزواله ولو بجميع ما في بيوت أموالي وسائر عساكري، فلم أجد لذلك فيه مذهبا، فذكرت ما أخبرتني به في النذر لمقبرة النذور. فقلت: لم لا أجرّب ذلك؟ فنذرت إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل إلى صندوق هذا المشهد عشرة آلاف درهم صحاحا، فلما كان اليوم جاءتني الأخبار بكفايتي ذلك الأمر، فتقدّمت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف- يعني كاتبه- أن يكتب إلى أبي الرّيّان- وكان خليفته ببغداد- يحملها إلى المشهد. ثم التفت إلى عبد العزيز- وكان حاضرا- فقال له عبد العزيز: قد كتبت بذلك ونفذ الكتاب.
أخبرني على بن أبي على المعدّل قال حدّثني أحمد بن عبد الله أبو بكر الدوري الورّاق قال أنبأنا أبو على محمّد بن همّام بن سهيل الكاتب الشيعي قال نبأنا محمّد ابن موسى بن حمّاد البربري قال نبأنا سليمان بن أبي شيخ، وقلت له: هذا الذي بقبر النذور يقال أنه عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب، وعبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن أبي طالب، مدفون في ضيعة له بناحية الكوفة يقال لها لبيّا.
وقال أبو بكر الدوري قال لي أبو محمّد الحسن بن محمّد بن أخي طاهر العلوي:
عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن أبي طالب مدفون في ضيعة له بناحية الكوفة
[ ١ / ١٣٦ ]
قال لها البيّ، وقبر النذور إنما هو قبر عبيد الله بن محمّد بن عمر بن على بن الحسين ابن على بن أبي طالب؛ وأقدم المقابر التي بالجانب الشرقي مقبرة الخيزران.
فأخبرني أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال نبأنا إبراهيم بن محمّد بن عرفة قال: وأما مقابر الخيزران؛ فمنسوبة إلى الخيزران أم موسى وهارون- يعني ابني المهديّ: وهي أقدم المقابر، فيها قبر أبي حنيفة، وقبر محمّد بن إسحاق صاحب المغازي.
أخبرنا محمّد بن على الورّاق وأحمد بن على المحتسب قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر قال نبأنا السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال قال بعض الناس: إن موضع مقابر الخيزران كان مقابر المجوس قبل بناء بغداد؛ وأول من دفن فيها البانوقة بنت المهديّ؛ ثم الخيزران؛ ودفن فيها محمّد بن إسحاق صاحب المغازي؛ والحسن بن زيد؛ والنعمان بن ثابت؛ وقيل هشام بن عروة.
قال الشيخ أبو بكر: كان المشهور عندنا أن قبر هشام بن عروة في الجانب الغربي وراء الخندق أعلى مقابر باب حرب، وهو ظاهر معروف هناك، وعليه لوح منقوش فيه أنه قبر هشام. مع ما.
أخبرنا به الحسن بن على الجوهريّ قال أنبأنا محمّد بن العبّاس الخزّاز. وأخبرنا الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمّد بن موسى قال نا أبو الحسين بن المنادي قال: أبو المنذر: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشيّ، مات أيام خلافة أبي جعفر في سنة ست وأربعين ومائة، ودفن بالجانب الغربي خارج السور نحو باب قطربل.
فحدّثني أبو طاهر حمزة بن محمّد بن طاهر الدّقّاق- وكان من أهل الفهم وله قدم في العلم- أنه سمع أبا الحسين أحمد بن عبد الله بن الخضر: ينكر أن يكون قبر هشام ابن عروة بن الزبير، هو المشهور بالجانب الغربي. وقال: هذا قبر هشام بن عروة المروزيّ صاحب ابن المبارك، وإنما قبر هشام بن عروة بن الزبير بالخيزرانية من الجانب الشرقي.
ثم أخبرنا أبو بكر البرقانيّ قال أنبأنا عبد الرّحمن بن عمر الخلّال قال نا محمّد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة قال نا جدي. قال: هشام بن عروة يكنى أبا المنذر، توفي ببغداد سنة ست وأربعين ومائة. وقد قيل: إن قبره في مقابر الخيزران.
[ ١ / ١٣٧ ]
وأخبرنا الحسن بن الحسين بن العبّاس قال أنبأنا جدي لأمّي إسحاق بن محمّد النعالي قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق المدائني قال نبأنا قعنب بن المحرز- أبو عمرو الباهلي- قال: مات عبد الملك بن أبي سليمان، وهشام بن عروة ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة، ودفنا بسوق يحيى. ومقبرة الخيزران بالقرب من سوق يحيى، وإليها أشار قعنب بن المحرز. ونرى أن قول أحمد بن عبد الله بن الخضر هو الصواب، إلا أنا لا نعرف في أصحاب بن المبارك من يسمى هشام بن عروة، ولا نعلم أيضا روى العلم عن أحد سمي هشاما واسم أبيه عروة، سوى هشام بن عروة بن الزبير بن العوام. والله أعلم. وبالقرب من القبر المنسوب إلى هشام بالجانب الغربي: قبور جماعة تعرف بقبور الشهداء، ولم أزل أسمع العامة تذكر أنها قبور قوم من أصحاب أمير المؤمنين على بن أبي طالب، كانوا شهدوا معه قتال الخوارج بالنهروان وارتثوا في الوقعة، ثم لما رجعوا أدركهم الموت في ذلك الموضع فدفنهم على هناك. وقيل: إن فيهم من له صحبة، وقد كان حمزة بن محمّد بن طاهر ينكر أيضا ما اشتهر عند العامة من ذلك، وسمعته يزعم أنه لا أصل له، والله أعلم.