أخبرنا القاضي أبو بكر بن أحمد بن الحسن بن أحمد الحرشي قال: نبأنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم قال: نبأنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبّار العطاردي قال: نبأنا يونس بن بكير عن محمّد بن إسحاق.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[ ١ / ١٧٦ ]
وأخبرنا أحمد بن عثمان بن مياح السكري وعليّ بن محمّد بن على الإياديّ. قال أحمد أخبرنا. وقال على: حدّثنا أبو بكر محمّد بن عبد الله بن هارون بن أبي عيسى قال: نا أبي عن محمّد بن إسحاق.
وأخبرني على بن محمّد الإياديّ أيضا قال: أنبأنا أبو بكر الشّافعيّ إملاء قال: نبأنا إسماعيل بن محمّد بن أبي كثير القاضي الفارسي قال: نبأنا شهاب بن معمر البلخيّ قال: نبأنا أبو يحيى بكر بن محمّد بن سليمان الأسواري عن ابن إسحاق.
وأخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق البزّاز قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدّقّاق قال:
أنبأنا محمّد بن أحمد البراء.
وأخبرني على بن محمّد المالكيّ قال: ثنا محمّد بن عبد الله بن إبراهيم قال أنبأنا محمّد بن محمّد الشطوي أو أحمد قالا: نبأنا الفضل. زاد الشطوي: ابن غانم وقال نبأنا سلمة. قال الشطوي: وقال ابن الفضل حدّثني محمّد بن إسحاق- ولفظ الحديث وسياقه ليونس بن بكير عن ابن إسحاق- قال: حدّثني عاصم بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عبّاس قال: حدّثني سلمان الفارسيّ (^١) قال: كنت رجلا من أهل فارس من أهل أصبهان من قرية يقال لها جيّ، وكان أبي دهقان قريته، وكان يحبني حبا شديدا لم يحبه شيئا من ماله ولا ولده، فما زال به حبّه إياي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار التي يوقدها فلا يتركها تخبو ساعة، وكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئا إلا ما أنا فيه، حتى بني أبي بنيانا له وكانت له ضيعة فيها بعض العمل. فدعاني فقال: أي بني، إنه قد شغلني ما ترى من بنياني [هذا (^٢)] عن ضيعتي هذه، ولا بد لي من اطلاعها، فانطلق إليهم فمرهم بكذا وكذا ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني شغلتني عن كل شيء، فخرجت أريد ضيعته. فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فيها.
فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلون. فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم، فو الله ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس، وبعثأبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته. فقال أبي: أين كنت؟ ألم أكن قلت لك؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم: النصارى، فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم
_________________
(١) هذا الخبر أخرجه ابن عساكر بطوله، وقال الذهبي: هذا الحديث شبه موضوع، وأبو معاذ مجهول، وموسى. انظر سير أعلام النبلاء ١/ ٥٢١. والمنتظم ٥/ ٢٠ - ٢٥.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[ ١ / ١٧٧ ]
فجلست أنظر كيف يفعلون. فقال: أي بني، دينك ودين آبائك خير من دينهم.
فقلت: لا والله ما هو خير من دينهم. هؤلاء قوم يعبدون الله ويدعونه ويصلون له، ونحن نعبد نارا نوقدها بأيدينا إذا تركناها ماتت.
فخافني فجعل في رجلي حديدا وحبسني في بيت عنده، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه؟ فقالوا: بالشام. فقلت لهم: إذا قدم عليكم من هناك ناس فآذنوني. قالوا: نفعل فقدم عليهم ناس من تجارهم فبعثوا إليّ إنه قد قدم علينا تجار من تجارنا، فبعثت إليهم إذا قضوا حاجة من حوائجهم وأرادوا الخروج فآذنوني بهم. فقالوا: نفعل فلما قضوا حوائجهم وأرادوا الرحيل بعثوا إلي بذلك، فطرحت الحديد الذي في رجلي ولحقت بهم، فانطلقت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته فقلت له: إني قد أحببت أن أكون معك في كنيستك، وأعبد الله فيها معك، وأتعلم منك الخير. قال: فكن معي.
قال: فكنت معه، وكان رجل سوء، كان يأمرهم بالصّدقة ويرغّبهم فيها. فإذا جمعوها إليه اكتنزها ولم يعط المساكين منها شيئا، فأبغضته بغضا شديدا لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا رجل سوء، كان يأمركم بالصّدقة ويرغبكم فيها؛ حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها إليه ولم يعطها المساكين. فقالوا: وما علامة ذلك؟ فقلت: أنا أخرج إليكم كنزه. فقالوا: فهاته؛ فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا؛ فلما رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن أبدا، فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة، وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه؛ فلا والله يا ابن العبّاس ما رأيت رجلا قط يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه؛ ولا أشد اجتهادا؛ ولا أزهد في الدّنيا؛ ولا أدأب ليلا ونهارا منه. ما أعلمني أحببت شيئا قط قبل حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة. فقلت: يا فلان قد حضرك ما ترى من أمر الله وإني والله ما أحببت شيئا قط حبي لك فماذا تأمرني؟ وإلى من توصيني؟ فقال لي: أي بني والله ما أعلمه إلا رجلا بالموصل فأته فإنك ستجده على مثل حالي؛ فلما مات وغيّب لحقت بالموصل.
فأتيت صاحبها، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدّنيا. فقلت له إن فلانا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك. فقال: فأقم أي بني، فأقمت عنده على
[ ١ / ١٧٨ ]
مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة. فقلت له: إن فلانا أوصاني إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي (^١)؟ فقال: والله ما أعلمه أي بني إلا رجلا بنصيبين وهو على مثل ما نحن عليه فالحق به. فلما دفناه لحقت بالآخر. فقلت له يا فلان إن فلانا قد أوصى بي إلى فلان، وفلان أوصى بي إليك. قال: فأقم أي بني.
قال: فأقمت عندهم على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة. فقلت له: يا فلان إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك. فإلى من؟ قال: أي بني والله ما أعلم أحدا على مثل ما كنا عليه؛ إلا رجلا بعمورية من أرض الروم فأته فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه.
فلما واريته خرجت حتى قدمت على صاحب عمورية فوجدته على مثل حالهم فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقرات؛ ثم حضرته الوفاة فقلت: يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان وفلان إلى فلان وفلان إليك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله ﷿ فإلى من توصيني. قال: أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه؛ ولكنه قد أظلّك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصّدقة. فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل؛ فإنه قد أظلك زمانه.
فلما واريناه أقمت حتى مر رجال من تجار العرب من كلب. فقلت لهم: تحملوني معكم حتى تقدموا بي إلى أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي. قالوا: نعم فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا جاءوا بي وادي القرى، ظلموني فباعوني عبدا من رجل من يهود بوادي القرى. فو الله لقد رأيت النخل وطمعت أن تكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود وادي القرى، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم بي المدينة؟ فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعته.
فأقمت في رقي مع صاحبي وبعث الله رسوله ﷺ بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق. حتى قدم رسول الله ﷺ قباء وأنا أعمل في نخلة له، فو الله إني لفيها إذ جاء ابن عم له. فقال: يا فلان قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لفي قباء
_________________
(١) «توصي بي» ساقطة من الأصل.
[ ١ / ١٧٩ ]
مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي، فو الله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء (^١) يقول: الرعدة- حتى ظننت لأسقطن على صاحبي ونزلت أقول ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة. وقال: مالك وهذا، أقبل على عملك. فقلت: لأي شيء إنما سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه. قال: فلما أمسيت وكان عندي شيء من طعام فحملته وذهبت إلى رسول الله وهو بقباء، فقلت: إنه بلغني أنك رجل صالح وأن معك أصحابا لك غرباء، وقد كان عندي شيء للصّدقة فرأيتكم أحقّ من بهذه البلاد، فها هو فكل منه. فأمسك رسول الله ﷺ بيده وقال لأصحابه: كلوا. ولم يأكل. فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي، ثم رجعت وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجمعت شيئا كان عندي ثم جئته به. فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصّدقة وهذه هدية وكرامة ليست بالصّدقة، فأكل رسول الله ﷺ وأكل أصحابه. فقلت: هاتان خلتان. ثم جئت رسول الله ﷺ وهو يتبع جنازة وعلى شملتان لي وهو في أصحابه، فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره، فلما رآني رسول الله استدبرته عرف أني أستثبت شيئا قد وصف لي، فرفع رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي. فقال: «تحول يا سلمان هكذا» فتحولت فجلست بين يديه وأحبّ أن يسمع أصحابه حديثي عنه، فحدّثته يا ابن العبّاس كما حدّثتك.
فلما فرغت قال رسول الله ﷺ: «كاتب يا سلمان»، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها وأربعين أوقية، فأعانني أصحاب رسول الله ﷺ بالنخل ثلاثين وديّة، وعشرين وديّة، وعشرا، كل رجل منهم على قدر ما عنده. فقال لي رسول الله ﷺ:
«فقّر لها فإذا فرغت فآذني، حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي». ففقّرتها وأعانني أصحابي. يقول: حفرت لها حيث توضع- حتى فرغنا منها؛ فخرج معي حتى جاءها فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده ويسوي عليها؛ فو الذي بعثه بالحق ما ماتت منها ودية واحدة، وبقيت علىّ الدراهم. فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب. فقال رسول الله ﷺ: «أين الفارسيّ المسلم المكاتب؟» فدعيت له. فقال:
«خذ هذه يا سلمان فأدّ بها ما عليك». فقلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه مما على؟
قال: «فإنّ الله سيؤدي بها عنك». فو الذي نفس سلمان بيده لوزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم. وعتق سلمان.
_________________
(١) في الأصل والمطبوعة: «العزوي».
[ ١ / ١٨٠ ]
وكان الرق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله ﷺ بدر وأحد، ثم عتقت فشهدت الخندق ثم لم يفتني معه مشهد (^١).
أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: أنبأنا أبو أحمد الغطريفي قال: نبأنا عبد الرّحمن بن أحمد بن عبدوس الهمداني.
قال أبو نعيم: ونبأنا أبو محمّد بن حيّان- والسياق له- قال نبأنا عبد الله بن محمّد بن الحجّاج وأبو بكر محمّد بن عبد الله المؤدّب قالا: نبأنا عبد الرّحمن بن أحمد بن عبدوس قال: نبأنا قطن بن إبراهيم قال: نبأنا وهب بن كثير بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن سلمان الفارسيّ قال حدثتني أمي عن أبي كثير بن عبد الله بن سلمان الفارسي عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ أملى الكتاب على على بن أبي طالب: هذا ما فادى محمّد بنعبد الله رسول الله فدى سلمان الفارسي من عثمان ابن الأشهل اليهودي ثم القرظي بغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ذهبا، وقد برئ محمّد بن عبد الله رسول الله لثمن سلمان الفارسيّ وولاؤه لمحمّد بن عبد الله رسول الله وأهل بيته فليس لأحد على سلمان سبيل. شهد على ذلك: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وحذيفة بن سعد بن اليمان، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وبلال مولى أبي بكر، وعبد الرّحمن بن عوف. وكتب على بن أبي طالب يوم الاثنين في جمادى الأولى من سنة مهاجر محمّد بن عبد الله رسول الله ﷺ.
ال عبد الله بن محمّد بن الحجّاج: وذكر هذا الحديث لأبي بكر بن أبي داود فقال: لسلمان ثلاث بنات بنت بأصبهان، قد زعم جماعة أنهم من ولدها، وابنتان بمصر (^٢).
قال الخطيب: في هذا الحديث نظر، وذلك أن أول مشاهد سلمان مع رسول الله ﷺ غزوة الخندق، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، ولو كان يخلص سلمان من الرق في السنة الأولى من الهجرة. لم يفته شيء من المغازي مع رسول الله ﷺ. وأيضا فإن التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول الله ﷺ. وأول من أرّخ بها عمر بن الخطّاب في خلافته والله أعلم (^٣).
_________________
(١) - انظر المنتظم ٥/ ٢٢ - ٢٥.
(٢) - انظر الخبر في: المنتظم ٥/ ٢٦.
(٣) - هذه الفقرة ساقطة من الأصل وكتبت على الهامش وغير واضح منها سوى اليسير.
[ ١ / ١٨١ ]
وقد ذكرنا فيما تقدم من القول بأن سلمان توفي في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
أنبأنا على بن محمّد السّمسار قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان الصّفّار قال: نبأنا عبد الباقي بن قانع: أن سلمان توفي بالمدائن سنة ست وثلاثين؛ فعلى هذا القول كانت وفاته في خلافة أمير المؤمنين على بن أبي طالب، والله أعلم.