قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت: إنما أوردنا ذكر المدائن في كتابنا لقربها من مدينتنا، وذلك أن المسافة إليها بعض يوم فكانت في القرب منا كالمتصلة بنا، سنورد في هذا الكتاب أسماء من كان من أهل العلم بالنواحي القريبة من بغداد، كالنهروان، وعكبرا، والأنبار، وسرّ من رأى. وما أشبه ذلك عند وصولنا إلى ذكرها إن شاء الله، فأما تقديمنا ذكر المدائن فإنما فعلنا ذلك تبرّكا بأسماء الصحابة الذين وردوها، والسادة الأفاضل الذين نزلوها، وقد قبر بالمدائن غير واحد من الصحابة والتابعين رحمة الله عليهم (^١).
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحرشي بنيسابور قال نا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم.
وأخبرنا على بن محمّد بن عبد الله المعدّل قال أنبأنا محمّد بن عمرو بن البختري الرّزّاز.
_________________
(١) من أول الفقرة حتى هنا ساقطة من متن الأصل وأثبتت علي هامش الأصل.
[ ١ / ١٣٨ ]
وأخبرنا عبد الرّحمن بن عبيد الله الحربيّ قال نبأنا حمزة بن محمّد بن العبّاس.
وأخبرنا الحسن بن أبي بكر بن شاذان قال أنبأنا مكرم بن أحمد القاضي قالوا:
نبأنا محمّد بن عيسى بن حيّان المدائني قال نبأنا محمّد بن الفضل- هو ابن عطيّة- قال نبأنا عبد الله بن مسلم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ. قال: «من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة (^١)».
وقيل: إنما سميت المدائن لكثرة ما بنى بها الملوك والأكاسرة، وأثروا فيها من الآثار. وهي على جانبي دجلة شرقا وغربا، ودجلة تشق بينهما، وتسمى: المدينة الشرقية العتيقة وفيها القصر الأبيض القديم الذي لا يدري من بناه، ويتصل بالمدينة التي كانت الملوك تنزلها. وفيها الإيوان، وتعرف- بأسبانبر- وأما المدينة الغربية فتسمى بهر سير، وكان الإسكندر أجل ملوك الأرض [نزلها (^٢)] وقيل إنه ذو القرنين الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف ٨٤]. وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وله في كل إقليم أثر، فبنى بالمغرب الإسكندرية، وبنى بخراسان العليا على ما يقال سمرقند ومدينة الصّغد، وبنى بخراسان السفلى مرو وهراة، وبنى بناحية الجبل جيّمدينة أصبهان، وبنى مدنا أخر كثيرة من نواحي الأرض وأطرافها وجول الدّنيا كلها ووطئها، فلم يختر منها منزلا سوى المدائن فنزلها. وبنى بها مدينة عظيمة وجعل عليها سورا أثره باق إلى وقتنا هذا موجود بالأثر، وهي المدينة التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي، وأقام الإسكندر بها راغبا عن بقاع الأرض جميعا وعن بلاده ووطنه. وذكر بعض أهل العلم: إنها لم تزل مستقرة بعد أن دخلها حتى مات بها. وحمل منها فدفن بالإسكندرية لمكان والدته فإنها كانت باقية هناك. وقد كان ملوك الفرس لهم حسن التدبير والسياسة والنظر في الممالك، واختيار المنازل، فكلهم اختار المدائن وما جاورها لصحة تربتها وطيب هوائها، واجتماع مصبّ دجلة والفرات بها، ويذكر عن الحكماء أنهم يقولون: إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل تبيّن في بدنه قوة. وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبيّن في فطنته ذكاء وحدّة وفي عقله زيادة وشدة. وذلك الذي أورث أهل بغداد الاختصاص بحسن الأخلاق والتفرّد
_________________
(١) انظر الحديث في: تاريخ بن عساكر ١/ ٢٦٥. وكنز العمال ١٦/ ٣٢٥. وكشف الخفا ٢/ ٣٨٧.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من مطبوعة باريس.
[ ١ / ١٣٩ ]
بجميل الأوصاف، وقلّ ما اجتمع اثنان متشاكلان وكان أحدهما بغداديّا إلا كان المقدم في لطف الفطنة، وحسن الحيلة، وحلاوة القول، وسهولة البذل؛ ووجد ألينهما معاملة، وأجملهما معاشرة، وكان حكم المدائن إذ كانت عامرة آهلة هذا الحكم.
ولم تزل دار مملكة الأكاسرة؛ محل كبار الأساورة، ولهم بها آثار عظيمة، وأبنية قديمة. منها الإيوان العجيب الشأن، لم أر في معناه أحسن منه صنعة، ولا أعجب منه عملا؛ وقد وصفه أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري في قصيدته التي أولها:
صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي … وترفعت عن جدا كل جبس
إلى أن قال:
وكأنّ الإيوان من عجب الصّن … عة جوب في جنب أرعن جلس
يتظنّى من الكآبة إذ يب … دو لعيني مصبح أو ممسي
مزعجا بالفراق عن أنس إلف … عزّ أو مرهقا بتطليق عرس
عكست حظّه الليالي وبات ال … مشترى فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلّدا وعليه … كلكل من كلاكل الدهر مرسي
لم يعبه أن بزّ من بسط الدي … باج واستلّ من ستور الدّمقس
مشمخرّ تعلو له شرفات … رفعت في رءوس رضوى وقدس
لابسات من البياض فما تب … صر منها إلا سبائخ (^١) برس
ليس يدرى أصنع إنس لجنّ … سكنوه أم صنع جنّ لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم … يك بانيه في الملوك بنكس
أنشدني الحسن بن محمّد بن القاسم العلوي قال أنشدنا أحمد بن على البتي قال أنشدنا أبو سهل أحمد بن محمّد بن عبد الله القطّان قال أنشدنا البحتريّ لنفسه قال:
صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي
وذكر القصيدة بطولها.
أخبرني على بن أيّوب القمي قال أنبأنا محمّد بن عمران الكاتب قال: أخبرني الصولي قال: سمعت عبد الله بن المعتز يقول: لو لم يكن للبحتري من الشعر غير قصيدته السينية في وصف إيوان كسرى- فليس للعرب سينية مثلها- وقصيدته في
_________________
(١) في ديوان البحتري: «إلا فلائل».
[ ١ / ١٤٠ ]
وصف البركة، لكان أشعر الناس في زمانه. والذي بنى الإيوان على ما ذكر عبد الله ابن مسلم بن قتيبة: هو سابور بن هرمز المعروف بذي الأكتاف؛ وقد بنى أيضا ببلاد فارس وخراسان مدنا كثيرة، وله في كتب سير العجم أخبار عجيبة؛ وذكر أن مدّة ملكه كانت اثنتين وسبعين سنة.
أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال: أنبأنا محمد بن عمران المرزباني قال: نبأنا أبو الحسين عبد الواحد بن محمّد الحصيني (^١) قال حدّثني أبو على أحمد بن إسماعيل قال: لما صارت الخلافة إلى المنصور همّ بنقض إيوان المدائن فاستشار جماعة من أصحابه وكلهم أشار بمثل ما هم به وكان معه كاتب من الفرس فاستشاره في ذلك فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت تعلم أن رسول لله ﷺ خرج من تلك القرية- يعني المدينة- وكان له مثل ذلك المنزل، ولأصحابه مثل تلك الحجر، فخرج أصحاب ذلك الرسول حتى جاءوا مع ضعفهم إلى صاحب هذا الإيوان مع عزّته وصعوبة أمره، فغلبوه وأخذوه من يديه قسرا وقهرا ثم قتلوه، فيجيء الجائي من أقاصي الأرض فينظر إلى تلك المدينة وإلى هذا الإيوان، ويعلم أن صاحبها قهر صاحب هذا الإيوان، فلا يشك أنه بأمر الله تعالى وإنه هو الذي أيّده وكان معه ومع أصحابه، وفي تركه فخر لكم. فاستغشّه المنصور واتهمه لقرابته من القوم، ثم بعث في نقض الإيوان فنقض منه الشيء اليسير، ثم كتب إليه: هو ذا يغرم في نقضه أكثر مما يسترجع منه وإن هذا تلف الأموال وذهابها فدعا الكاتب واستشاره فيما كتب إليه. فقال: لقد كنت أشرت بشيء لم يقبل مني، فأمّا الآن فإني آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه، والصواب أن تبلغ به الماء، ففكّر المنصور فعلم أنه قد صدق.
ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه (^٢).
أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح الفارسيّ قال نبأنا إسماعيل بن سعيد بن سويد قال نبأنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال نبأنا أبو العبّاس المبرّد قال أخبرني القاسم بن سهل النّوشجاني: أن ستر باب الإيوان أحرقه المسلمون لما افتتحوا المدائن، فأخرجوا منه ألف ألف مثقال ذهبا، فبيع المثقال بعشرة دراهم، فبلغ ذلك عشرة آلاف ألف درهم (^٣).
_________________
(١) في الأصل: «الخصيبي».
(٢) انظر الخبر في: المنتظم ٨/ ٧٣ - ٧٤.
(٣) إلى هنا تنتهي مطبوعة باريس التي طبعت في ٩٣ صفحة بإشراف جورج سالمون في سنة ١٩٠٤ م- ١٣٢١ هـ-. بمطبعة برطرند- في مدينة سالون.
[ ١ / ١٤١ ]