حدّثني هلال بن المحسن: قال: كانت دار المملكة التي بأعلى المخرّم، محاذية الفرضة قديما لسبكتكين غلام معزّ الدولة فنقض عضد الدولة أكثرها، ولم يستبق إلا البيت الستّيني الذي هو في وسط أروقة من ورائها أروقة في أطرافها قباب معقودة، وتنفتح أبوابه الغربية إلى دجلة وأبوابه الشرقية إلى صحن من خلفه بستان ونخل وشجر. وكان عضد الدولة جعل الدار التي هذا البيت فيها دار العامة؛ والبيت برسم جلوس الوزراء وما يتصل به من الأروقة والقباب مواضع الدواوين، والصحن مناما لديلم النوبة في ليالي الصيف. قال هلال: وهذه الدار وما تحتوي عليه من البيت المذكور والأروقة خراب. ولقد شاهدت مجلس الوزراء في ذلك ومحفل من يقصدهم ويحضرهم، وقد جعله جلال الدولة إصطبلا أقام فيه دوابّه وسوّاسه، وأما ما بناه عضد الدولة وولده بعده في هذه الدار فهو متماسك على تشعثه.
قال الشيخ أبو بكر: ولما ورد طغرلبك الغزّي بغداد واستولى عليها عمّر هذه الدار وجدد كثيرا- مما كان وهي منها- في سنة ثماني وأربعين وأربعمائة. فمكثت كذلك إلى سنة خمسين وأربعمائة، ثم أحرقت وسلب أكثر آلاتها، ثم عمّرت بعد وأعيد ما كان أخذ منها.
حدّثني القاضي أبو القاسم على بن المحسن التّنوخيّ قال سمعت أبي يقول:
ما شيت الملك عضد الدولة في دار المملكة بالمخرّم التي كانت دار سبكتكين حاجب معز الدولة من قبل، وهو يتأمل ما عمل وهدم منها. وقد كان أراد أن يترك في الميدان
[ ١ / ١٢٠ ]
السبكتكيني أذرعا ليجعله بستانا، ويردّ بدل التراب رملا ويطرح الترب تحت الروشن على دجلة. وقد ابتاع دورا كثيرة كبارا وصغارا ونقضها ورمى حيطانها بالفيلة تخفيفا للمئونة، وأضاف عرصاتها إلى الميدان، وكانت مثل الميدان دفعتين، وبنى على الجميع مسناة، فقال لي في هذا اليوم- وقد شاهد ما شاهد مما عمل وقدّر ما قدّر لما يعمل: تدري أيها القاضي كم أنفق على قلع ما قلع من التراب إلى هذه الغاية وبناء هذه المسنّاة السخيفة مع ثمن ما ابتيع من الدور واستضيف؟ قلت: أظنه شيئا كثيرا.
فقال: هو إلى وقتنا هذا تسعمائة ألف درهم صحاحا، ونحتاج إلى مثلها دفعة أو دفعتين حتى يتكامل قلع التراب ويحصل موضعه الرمل موازيا لوجه البستان، فلما فرغ من ذلك وصار البستان أرضا بيضاء لا شيء فيها من غرس ولا نبات. قال: قد أنفق على هذا حتى صار كذا أكثر من ألفي ألف درهم صحاحا، ثم فكّر في أن يجعل شرب البستان من دواليب ينصبها على دجلة، وعلم أنّ الدواليب لا تكفي، فأخرج المهندسين إلى الأنهار التي في ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السّلام ليستخرجوا منها نهرا يسيح ماؤه إلى داره، فلم يجدوا ما أرادوه إلا في نهر الخالص فعلّى الأرض بين البلد وبينه تعلية أمكن معها أن يجري الماء على قدر من غير أن يحدث به ضرر. وعمل تلين عظيمين يساويان سطح ماء الخالص، ويرتفعان عن أرض الصحراء أذرعا، وشقّ في وسطهما نهرا جعل له خورين من جانبيه، وداس الجميع بالفيلة دوسا كثيرا حتى قوي واشتد وصلب وتلبّد، فلما بلغ إلى منازل البلد وأراد سوق النهر إلى داره، عمد إلى درب السلسلة فدكّ أرضه دكّا قويّا، ورفع أبواب الدور وأوثقها وبنى جوانب النهر طول البلد بالآجرّ والكلس والنورة، حتى وصل الماء إلى الدار وسقى البستان.
قال أبي: وبلغت النفقة على عمل البستان وسوق الماء إليه على ما سمعته من حواشي عضد الدولة خمسة آلاف ألف درهم، ولعله قد أنفق على أبنية الدار على ما أظن مثل ذلك، وكان عضد الدولة عازما على أن يهدم الدور التي بين داره وبين الزاهر.
ويصل الدار بالزاهر فمات قبل ذلك.
[ ١ / ١٢١ ]