أخبرنا محمد بن علي الوراق، قال: أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عمران قال نبأنا أبو بكر محمّد بن يحيى النديم. قال: ذكر أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد: أن ذرع بغداد الجانبين، ثلاثة وخمسون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا، منها الجانب الشرقي، ستة وعشرون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا؛ والغربي سبعة وعشرون ألف جريب (^٢).
قال أبو الحسن: ورأيت في نسخة أخرى غير نسخة محمّد بن يحيى: أن ذرع بغداد ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة جريب وخمسون جريبا، منها الجانب الشرقي ستة عشر ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا والجانب الغربي سبعة وعشرون ألف جريب.
رجع إلى حديث محمّد بن يحيى: وأن عدد الحمامات كانت في ذلك الوقت ببغداد ستين ألف حمّام. وقال: أقل ما يكون في كل حمام خمسة نفر: حمامي وقيّم وزبّال ووقّاد وسقّاء. يكون ذلك ثلاثمائة ألف رجل، وذكر أنه يكون بإزاء كل حمّام خمسة مساجد يكون ذلك ثلاثمائة ألف مسجد، وتقدير ذلك أن يكون أقل ما يكون في كل مسجد خمسة أنفس، يكون ذلك ألف ألف وخمسمائة ألف إنسان، يحتاج كل إنسان من هؤلاء في ليلة العيد إلى رطل صابون، يكون ذلك ألف ألف وخمسمائة ألف رطل صابون، يكون ذلك- حساب الجرّة مائة وثلاثين رطلا-: ألف جرّة ومائة جرّة وخمسين جرّة وثمانية أجرار ونصفا. يكون ذلك زيتا- حساب الجرّة ستين رطلا- ستمائة ألف رطل وتسعة آلاف رطل وخمسمائة رطل وعشرة أرطال (^٣).
حدّثني هلال بن المحسن قال: كنت يوما بحضرة جدي أبي إسحاق إبراهيم بن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأضيف من مطبوعة باريس.
(٢) انظر الخبر في: المنتظم ٨/ ٨١.
(٣) انظر الخبر في: المنتظم ٨/ ٨١ - ٨٢.
[ ١ / ١٣٠ ]
هلال الصابي في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، إذ دخل عليه أحد التجار الذين كانوا يغشونه ويخدمونه. فقال له في عرض حديث حدّثه به: قال لي أحد التجار أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمّام. فقال له جدي: سبحان الله: هذا سدس ما كنّا عددناه وحصرناه. فقال له: كيف ذاك؟ فقال جدي: أذكر وقد كتب ركن الدولة أبو على الحسن بن بويه إلى الوزير أبي محمّد المهلبي بما قال فيه: ذكر لنا كثرة المساجد والحمامات ببغداد، واختلفت علينا فيها الأقاويل، وأحببنا أن نعرفها على حقيقة وتحصيل، فتعرفنا الصحيح من ذلك. قال جدي: وأعطاني أبو محمد الكتاب. وقال لي: امض إلى الأمير معز الدولة فاعرضه عليه واستأذنه فيه، ففعلت. فقال له الأمير:
استعلم ذلك وعرّفنيه؛ فتقدّم أبو محمّد المهلّبي إلى أبي الحسن البادغجي (^١) - وهو صاحب المعونة- بعدّ المساجد والحمّامات. قال جدي: فأما المساجد فلا أذكر ما قيل فيها كثرة، أما الحمّامات فكانت بضعة عشر ألف حمّام. وعدت إلى معز الدولة وعرفته ذلك. فقال: اكتبوا في الحمّامات بأنها أربعة آلاف، واستدللنا من قوله على إشفاقه وحسده أباه على بلد هذا عظمه وكبره. وأخذ أبو محمّد وأخذنا نتعجب من كون الحمّامات هذا القدر، وقد أحصيت في أيام المقتدر بالله فكانت سبعة وعشرين ألف حمام، وليس بين الوقتين من التباعد ما يقتضي هذا التفاوت. قال هلال: وقيل: أنها كانت في أيام عضد الدولة خمسة آلاف حمّام وكسرا (^٢).
قال الشيخ أبو بكر: لم يكن ببغداد في الدّنيا نظير في جلالة قدرها، وفخامة أمرها، وكثرة علمائها وأعلامها، وتميّز خواصها وعوامها، وعظم أقطارها وسعة أطرارها (^٣). وكثرة دورها ومنازلها، ودروبها وشعوبها، ومحالها وأسواقها، وسككها وأزقتها، ومساجدها وحماماتها، وطرزها وخاناتها، وطيب هوائها، وعذوبة مائها، وبرد ظلالها وأفيائها، واعتدال صيفها وشتائها، وصحة ربيعها وخريفها، وزيادة ما حصر من عدة سكانها. وأكثر ما كانت عمارة وأهلا في أيام الرشيد، إذ الدّنيا قارّة المضاجع، ودارّة المراضع، خصيبة المراتع، مورودة المشارع. ثم حدثت بها الفتن، وتتابعت على أهلها المحن، فخرب عمرانها، وانتقل قطانها؛ إلا أنها كانت
_________________
(١) في مطبوعة باريس: «البازغجي».
(٢) انظر الخبر في: المنتظم ٨/ ٨٢.
(٣) في الأصل: «أطرازها» وما أثبتناه من مطبوعة باريس، وهو الموافق للمعنى. والأطرار: جمع طر، وهو شفير النهر والوادي، وطرف كل شيء وحرفه.
[ ١ / ١٣١ ]
قبل وقتنا؛ والسابق لعصرنا على ما بها من الاختلال والتناقص في جميع الأحوال، مباينة لجميع الأمصار، ومخالفة لسائر الديار.
ولقد حدّثني القاضي أبو القاسم التّنوخيّ قال أخبرني أبي قال: نبأنا أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشميّ في سنة ستين وثلاثمائة قال: أخبرني رجل يبيع سويق الحمص منفردا به وأسماه لي وأنسيته؛ أنه حصر ما يعمل في سويقه من هذا السويق كل سنة؛ فكان مائة وأربعين كرّا، يكون حمصا مائتين وثمانين كرّا، يخرج في كل سنة حتى لا يبقى منه شيء. ويستأنف عمل ذلك للسنة الأخرى. قال: وسويق الحمص غير طيب، وإنما يأكله المتحملون والضعفاء شهرين أو ثلاثة عند عدم الفواكه؛ ومن لا يأكله من الناس أكثر (^١).
قال الشيخ أبو بكر: لو طلب من هذا السويق اليوم في جانبي بغداد مكّوك واحد ما وجد.
أخبرنا محمّد بن على الورّاق وأحمد بن على المحتسب قالا: أنبأنا محمّد بن جعفر النّحويّ قال نبأنا الحسن بن محمّد السكوني قال نبأنا محمّد بن خلف قال قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر: أخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد لأبي أحمد- يعني الموفق بالله- عند دخوله مدينة السّلام؛ فوجد مائتي حبل وخمسين حبلا أيضا وعرضه مائة وخمسة أحبل فتكون ستة وعشرين ألف جريب ومائتين وخمسين جريبا؛ ووجد الجانب الغربي- طوله- مائتين وخمسين حبلا وعرضه سبعون حبلا.
يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب وخمسمائة جريب. فالجميع من ذلك ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا، من ذلك مقابر أربعة وسبعون جريبا.