وبعد مضى ثلاث سنوات على رحلته الأولى تجدد عزمه على الرحلة، وكان مختارا بين الرحلة إلى نيسابور أو مصر، وقد أعانه شيخه أبو بكر البرقاني على تحديد وجهته؛ مبينا له أن في نيسابور جماعة كثيرة من المحدثين من تلاميذ الحافظ أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم، وليس فيمصر إلا عبد الرحمن بن النحاس، فإن فاته ضاعت رحلته.
وهكذا يمم الخطيب سنة ٤١٥ هـ شطر نيسابور، ولا شك أن الرحلة إلى نيسابور تعنى زيارة مراكز الثقافة الأخرى المهمة آنذاك في المشرق، فبعضها يقع على الطريق إلى نيسابور، وقد مر بها الخطيب في طريق ذهابه وإيابه، وأخذ عن عدد من الشيوخ
[ ١ / ٨ ]
الذين لقيهم فيها، لكنه لم يمكث طويلا في هذه المدن، فقد كان هدفه نيسابور. وقد وصلها في نفس العام وكان فيها في شهر رمضان.
إن المراكز التي مر بها الخطيب، وروى عن بعض الشيوخ الذين لقيهم فيها في «تاريخ بغداد» هي: حلوان، وأسدآباذ، وهمذان، وساوة، والري، ثم استقر في نيسابور، ولا يعرف تاريخ عودته إلى بغداد، لكنه كان فيها في سنة ٤١٩ هـ.
وأول المراكز التي مر بها في طريقه إلى نيسابور هي مدينة حلوان، حيث يروى في «تاريخ بغداد» عن أحد شيوخها وهو: أبو طالب يحيى بن على بن الطيب الدسكري الذي حدث الخطيب بأحاديث أبى بكر محمد بن إبراهيم بن زاذان المقرئ الأصبهانى.
ثم دخل الخطيب أسدآباذ، وكانت قد خرجت جماعة من مشاهير العلماء والمحدثين، حيث يروى عن أحد شيوخها وهو أبو أحمد الحسين بن على بن محمد بن نصر الأسدآباذي.
ثم مضى الخطيب من أسدآباذ إلى همذان حيث حدث في «تاريخ بغداد» عن عدد من الشيوخ الذين لقيهم فيها، وهم: عبد الله بن علي بن حمويه بن أبزك الهمذاني، وأبو محمد جعفر بن محمد الأبهرى، وأبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين الأصبهانى، وأبو بكر محمد بن إبراهيم بن محمد الريحاني، وأبو منصور محمد بن عيسى ابن عبد العزيز البزاز، الذي تحمل عنه الخطيب مصنفا لصالح بن أحمد التميمي، وأبو الحسن على بن محمد بن يوسف بن عمر الهمذاني.
ومن همذان مضى الخطيب إلى ساوة حيث روى في «تاريخ بغداد» عن شيخ لقيه فيها وهو أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي.
ثم دخل الخطيب مدينة الري في نفس السنة ٤١٥ هـ، وقد روى في «تاريخ بغداد» عن شيخين لقيهما فيها وهما: أبو على عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن فضالة النيسابوري، وأبو الحسين على بن محمد بن جعفر الأصبهانى.
ثم انتهى الخطيب إلى نيسابور حيث كان فيها في رجب سنة ٤١٥ هـ نفسها، وقد سجل وجوده فيها في شهرى شعبان ورمضان أيضا.
[ ١ / ٩ ]
وقد روى في «تاريخ بغداد» عن عدد كبير من الشيوخ الذين صرح بلقائه معهم فيها، وهم: أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان الطرازي، وأبو حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ، وقد أخذ عنه كتاب «الكنى والأسماء» لمسلم ابن الحجاج وبعض مرويات يحيى بن عبد الله بن بكير. وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج، وصاعد بن محمد الاستوائى، وأحمد بن على بن محمد الأصبهانى، وأبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي، وأبو سهل أحمد بن محمد بن العباس بن حسنويه الدلال.
ويلاحظ أن معظم الشيوخ الذين لقيهم في نيسابور هم من تلاميذ أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم، وقد أخذ عنهم الخطيب حديث الأصم بصورة خاصة، وكان اشتهار عالم واحد في مدينة ما يكفى لأن تجتذب إليها الأنظار، ويسعى إليها طلاب العلم من كل مكان.
ولا يعرف كم مكث الخطيب في نيسابور، ولكن لا بد أن تكون فترة مكوثه فيها أطول من الوقت الذي أمضاه في بقية المدن التي مر بها في طريق ذهابه وإيابه، ولا يعرف كم استغرقت رحلته الأولى إلى المشرق والتي بدأها سنة ٤١٥ هـ، ولكن من المعلوم أنه كان ببغداد سنة ٤١٩ هـ، ولعله رجع إليها قبل هذه السنة.