حاول الخطيب أن يترجم لسائر العلماء الذين عاشوا ببغداد أو زاروها منذ إنشائها حتى عصره، فاعتمد على المصنفات التي سبقته ومنها كتب في تراجم المحدثين وأخرى في تراجم الخلفاء أو الأدباء أو الشعراء ومنها كتب الحوليات.
كما اهتم بتخريج أحاديث للمترجمين فاستخدم كتب الحديث ومعاجم الشيوخ
_________________
(١) موارد الخطيب ٨٢ - ٩٣.
[ ١ / ٢٤ ]
ومنتخبات وأجزاء حديثية يختلط فيها الحديث والضعيف، وقد تعقب الخطيب بعضها وانتقدها، ولكنه لم يفعل ذلك دائما، ولتعقيبات الخطيب على الأحاديث أهمية كبيرة لتضلعه في الحديث وعلومه. (^١) وهكذا فإن الخطيب استفاد من المؤلفات التي سبقته في تأليف كتابه، حتى إن ما اقتبسه يكوّن حوالى ثلاثة أرباح مادة كتابه.
ولا شك أن الخطيب وجد أمامه مكتبه هائلة في التراجم والتاريخ والأدب انتقى منها مصادره، ثم انتقى من مصادره الروايات التي ضمنها «تاريخ بغداد» فمعلوماته عن صاحب الترجمة قد تكون أوسع بكثير مما كتبه عنه، وقد صرح الخطيب بذلك في أحد المواضع.
وعملية الانتقاء هذه ضرورية في مصنفه لعدة أسباب: منها الحذر من تضخم كتابه فهو مع اقتضابه في معظم التراجم جاء بحجم كبير. ومنها تكرر المعلومات بسبب تماثل الروايات عن صاحب الترجمة في الكتب المختلفة.
وقد حاول الخطيب أن يقدم ترجمة متكاملة تحتوى على التعريف بصاحب الترجمة بذكر اسمه ونسبه وكنيته وشيوخه وتلاميذه، وأحيانا يسرد بعض أخباره الدالة على أخلاقه ومكانته، ثم أقوال النقاد في بيان حاله من الجرح والتعديل، ثم تاريخ وفاته، وربما موضع قبره.
وهذا قد يضطره أحيانا إلى أن يقتطع أجزاء من النصوص المقتبسة ليمنع تكرر المعلومات وليؤلف بينها في محاولة تكوين عناصر الترجمة الضرورية؛ لكن المقارنات مع الأصول التي اقتبس منها تدل على عدم تصرفه بأسلوب المصنفين الذين نقل عنهم، بل كان مثالا للأمانة العلمية والدقة. (^٢) والخطيب عالم ناقد متفحص، وتظهر سعة اطلاعه وقابليته على النقد والتمحيص في بيان أوهام العلماء والمصنفين السابقين وتصحيحها، وفي الكشف عن الروايات الشاذة التي خالفت ما اتفق عليه العلماء، وفي الترجيح بين الروايات المتعارضة.
فأما بيان أوهام العلماء والمصنفين السابقين فقد كشف الخطيب في مواضع كثيرة
_________________
(١) موارد الخطيب، ص ٩٧، ٨٩.
(٢) موارد الخطيب، ٩٨.
[ ١ / ٢٥ ]
عن أوهام وأخطاء وقع فيها علماء كبار ثم صححها، وهي تتعلق إما بتواريخ الوفيات أو بتواريخ الموالد، أو في التعريف بمدن ومواطن الرواة، أو في اعتبار عدد من الرواة إخوة وليسوا كذلك، أو في عدم تمييز المتشابه من الأسماء. (^١) وأبرز الأعلام الذين استدرك عليهم أخطاءهم هم: شعبة بن حجاج، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وابن أبى حاتم الرازي، ومحمد بن عبد الله بن عمار، والجوزجاني، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن مخلد الدوري، وابن قانع البغدادي، وأبو سعيد بن يونس، وأبو الحسين بن المنادى، والدارقطني، ومحمد بن يعقوب الأصم، وزكريا بن يحيى الساجي، وأبو زكريا الأزدى، وهلال بن المحسن الصابي، ويوسف القواس، ووكيع القاضي، وعبد الله بن محمد البغوي، وأبو القاسم الطبرانيّ.
أما من طبقة شيوخه فقد استدرك على كل من أبى نعيم الأصبهانى، وأبى العلاء محمد بن على الواسطي، وهبة الله بن الحسن الطبري، وأبى على الحسن بن أبى بكر ابن شاذان، ومحمد بن أحمد بن رزق، ومحمد بن أحمد العتيقى، وأبى بكر البرقاني، وأبى القاسم الأزهرى.
وسائر هؤلاء الأعلام من المتضلعين إما في الحديث والرجال أو في التاريخ والأخبار، وبالطبع فلن يقدح فيهم أن يخطئوا فحسبهم أن أخطاءهم أمكن حصرها وعدها عليهم، لكن مما يعلى من شأن الخطيب وعلمه أن يتفطن لهذه الأخطاء ويصححها رغم فواتها على الأكابر، وإن كان لهم فضل السبق مع أنهم لم يتيسر لهم ما تيسر للخطيب من المصنفات الكثيرة في علم الرجال والحديث والتاريخ التي شاعت في عصره. (^٢) وأما ما يتعلق بكشفه عن الروايات الشاذة فإنه يدل على سعة اطلاع لأن معرفة ذلك يقتضى الإحاطة بسائر الروايات ومعرفة الإجماع لأن الشاذ ما خالفه.
وقد ضبط الخطيب على كبار المصنفين ما شذوا فيه من روايات خالفوا بها ما اتفق عليه العلماء، ولعلهم في الغالب جانبوا الصواب فيها، إذ الاحتمال ضعيف في أن يكون المصنف قد انفرد بذكر ما هو صواب ومن سواه اتفقوا على ما هو خطأ. (^٣)
_________________
(١) موارد الخطيب، ٩٨، ٩٩.
(٢) موارد الخطيب، ص ١٠٠.
(٣) موارد الخطيب، ص ١٠٠.
[ ١ / ٢٦ ]
وقد سجل الخطيب هذه المخالفات أو الروايات الشاذة، وهي إما مخالفة في أسماء الرواة، أو التوهم فيها، أو تصحيفها، أو قلبها، أو في جعل الاثنين واحدا، أو الخطأ في الكنى أو الأنساب، أو في تحديد طبقة الرجل أو موضع قبره، أو وقوع التصحيف في ألفاظ الأحاديث، أو النقص في أسانيدها.
ويكتفى الخطيب بإظهار شكه في بعض الروايات عند ما لا يمكنه القطع بصحتها أو زيفها، كما أنه يرد بعض هذه الأخطاء إلى النقلة.
وأما ترجيح الخطيب بين الروايات المتعارضة فيقع خاصة في سنى الوفيات وأحيانا في سنى الموالد، أو في الأسماء أو المتفق والمفترق، وقد يكتفى بحكاية الاختلاف بين العلماء في الأسماء، أو النسبة أو الكنى، أو الأنساب، أو في مدينة صاحب الترجمة. (^١) والخطيب يدقق ويحقق، فإذا لم يتم له التحقق من الخبر حكاه بصيغة التمريض، وقد تقوم بعض القرائن عنده على أن اثنين ممن ترجمت لهم الكتب المتقدمة على كتابه هما واحد، لكن القرائن لا تكفى للبت بذلك فيحتاط ويترجم لاثنين.
وقد ترجم مرة لشخص مختلق لينبه على ذلك، وهو يتوقف أمام أسماء بعض الرواة الذين لا تتوافر له معلومات كافية للتعريف بهم فيذكر الاحتمالات دون أن يجازف ودون أن يقصر بترك التعقيب عليهم.
كذلك هو يتوقف فيما يشتبه عليه متجنبا المجازفة في العلم، وعند ما يروى بعض أخبار الصوفية العجيبة فإنه يعبر بلفظ «يحكى عن» وصرح مرة ببراءته من عهدة هذه الأخبار لأنه مجرد ناقل. وهذا لا يعنى أن الخطيب انتقد سائر الروايات التي تظهر فيها المبالغة بل سكت عن بعضها. (^٢)