وزير المقتدر بالله، والقاهر بالله. سمع أحمد بن بديل الكوفيّ، والحسن بن محمّد
_________________
(١) ٦٣٧٥ - انظر الحديث في: صحيح البخاري ٣/ ٢٠، ٧/ ٣٢. وسنن الترمذي ١٣٣٨. ومسند أحمد ٢/ ٤٧٩، ٤٨١، ٥١٢. وفتح الباري ٥/ ١٩٩، ٩/ ٢٤٦.
(٢) ٦٣٧٦ - انظر: المنتظم، لابن الجوزي ١٤/ ٥٦.
[ ١٢ / ١٤ ]
الزعفراني، وحميد بن الربيع وعمر بن شبة. روى عنه ابنه عيسى، وسليمان بن أحمد الطبراني، والقاضي أبو طاهر محمّد بن أحمد بن عبد الله بن بجير الذهلي. وكان صدوقا دينا فاضلا عفيفا في ولايته، محمودا في وزارته. كان كثير البر والمعروف، وقراءة القرآن، والصلاة والصيام، يحب أهل العلم. ويكثر مجالستهم ومذاكرتهم.
وأصله من الفرس، وكان داود جده من دير قنيّ وكان من وجوه الكتاب، وكذلك أبوه عيسى، ولم يزل عليّ بن عيسى من حداثته معروفا بالستر والصيانة، والصلاح والديانة.
أخبرنا أبو بكر محمّد بن محمّد بن عليّ الجوهريّ، حدّثنا عيسى بن عليّ بن عيسى الوزير- إملاء- حدثني أبي عليّ بن عيسى، حدّثنا أحمد بن بديل، حدّثنا ابن فضيل، أخبرنا عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ، ما سألوه إلا بضعة عشر مسألة حتى قبض، كلهن من القرآن، فمنهن: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ [البقرة ٢١٧]، ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة ٢١٩] ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ [البقرة ٢٢٠] ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم.
أخبرنا عليّ بن المحسن التنوخي، حدّثنا أبي، حدثني القاضي أبو بكر محمّد بن عبد الرّحمن- المعروف بابن قريعة- وأبو محمّد عبد الله بن محمّد بن داسة البصريّ قالا: حدّثنا أبو سهل بن زياد القطّان- صاحب عليّ بن عيسى- قال: كنت مع عليّ ابن عيسى لما نفي إلى مكة، فدخلنا في حر شديد، وقد كدنا نتلف، قال: فطاف عليّ ابن عيسى وسعى وجاء، فألقى نفسه، وهو كالميت من الحر، والتعب، وقلق قلقا شديدا. وقال: أشتهي على الله شربة ماء مثلوج، فقلت له: سيدنا- أيده الله- يعلم أن هذا مما لا يوجد بهذا المكان. فقال: هو كما قلت، ولكن نفسي ضاقت عن غير هذا القول، فاستروحت إلى المنى، قال: وخرجت من عنده فرجعت إلى المسجد الحرام، فما استقررت فيه حتى نشأت سحابة وكثفت، فبرقت ورعدت رعدا متصلا شديدا، ثم جاءت بمطر يسير، وبرد كثير، فبادرت إلى الغلمان، فقلت: اجمعوا، قال: فجمعنا منه شيئا عظيما، وملأنا منه جرارا كثيرة، وجمع أهل مكة منه شيئا عظيما، قال:
وكان عليّ بن عيسى صائما، فلما كان وقت المغرب خرج إلى المسجد الحرام ليصلي المغرب، فقلت له: أنت والله مقبل والنكبة زائلة، وهذه علامات الإقبال، فاشرب الثلج
[ ١٢ / ١٥ ]
كما طلبت، قال: وجئته إلى المسجد بأقداح مملوءة من أصناف الأسوقة والأشربة، مكبوسة بالبرد، قال: فأقبل يسقي ذلك من يقرب منه من الصوفية، والمجاورين في المسجد الحرام والضعفاء، ويستزيد، ونحن نأتيه بما عندنا من ذلك، وأقول له: أشرب، فيقول حتى يشرب الناس، فخبأت مقدار خمسة أرطال، وقلت له: لم يبق شيء، فقال:
الحمد لله، ليتني كنت تمنيت المغفرة بدلا من تمني الثلج فلعلي كنت أجاب، فلما دخل البيت حلفت عليه أن يشرب منه وما زلت أداريه حتى شرب منه بقليل سويق، وتقوّقت ليلته بباقيه.
أخبرني محمّد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمّد بن نعيم، حدثني أحمد بن يزيد الطوسي قال: سمعت الحسين بن الحسن بن أيّوب يقول: دخل شاعر على عليّ ابن عيسى الوزير بعد أن ردت الوزارة إليه فأنشأ يقول:
بحسبك أني لا أرى لك عائبا … سوى حاسد، والحاسدون كثير
وأنك مثل الغيث، أما سحابه … فمزن، وأما ماؤه فطهور
أخبرنا القاضي أبو العلاء محمّد بن عليّ الواسطيّ قال: أنشدنا القاضي أبو عبد الله بن أبي جعفر قال: أنشدني أبي أنشدني الوزير أبو الحسن عليّبن عيسى لنفسه:
فمن كان عني سائلا بشماتة … لما نابني، أو شامتا غير سائل
فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرة … صبورا على أهوال تلك الزلازل
حدّثنا الحسن بن عليّ الجوهريّ، حدّثنا عيسى بن عليّ بن عيسى الوزير قال:
حضر أبو الحسين عمر بن أبي عمر القاضي، فرأى أبي عليه ثوبا فاستحسنه، فأدخل يده فيه يستشفه، وقال: بكم اشترى القاضي هذا الثوب؟ فقال بسبعين دينارا، فقال أبي: لكني لم ألبس ثوبا قط يزيد ثمنه على ما بين ستة دنانير إلى سبعة. فقال أبو الحسين: ذاك لأن الوزير يجمل الثياب، ونحن نتجمل بلبس الثياب.
أخبرني الأزهري قال: قال لي أبو الحسن محمّد بن أحمد بن رزقويه قال لي ابن كامل القاضي: سمعت عليّ بن عيسى الوزير يقول: كسبت سبعمائة ألف دينار، أخرجت منها في هذه الوجوه- يعني وجوه البر- ستمائة ألف وثمانين ألفا.
أخبرنا السّمسار، أخبرنا الصّفّار، حدّثنا ابن قانع: أن عليّ بن عيسى الوزير مات في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.
[ ١٢ / ١٦ ]
وقال لي هلال بن المحسن: مات عليّ بن عيسى الوزير يوم الجمعة لليلة بقيت من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان مولده في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائتين.