هو أبو محمد الفضل بن محمد المسيب بن موسى بن زهير بن يزيد بن كيسان بن باذان الملك. وكان باذان هذا ملك اليمن الذي كتب إليه كسرى ملك العجم برويز بن هرمز بن نوشروان رسالة يأمره فيها أن يرسل إلى المدينة من يحضر المصطفى ﵇ مقيدا إلى بلاطه؛ ولما كان باذان هذا رجلا عاقلا، أرسل شخصين اثنين من العقلاء إلى المصطفى ﵇ وقال: إن ملك العجم غاضب منك، لأنك قد كتبت إليه رسالة قدّمت فيها اسمك على اسمه، فإن قدمت عليّ الآن أكن شفيعك ليعفو عنك، وأعدك سالما إلى المدينة، فلم يعط المصطفى جوابا، فلما مرت أيام، ذهب إليه الرسولان، فقال لهما: «ارجعا، فإن ابن ملك العجم شيرويه ألقى القبض على أبيه برويز، وسيقتل اليوم»، فقال الرسولان: تريث في هذا الكلام، فإنه إذا بلغ
[ ٢٧٥ ]
سمع ملك العجم كان سببا لفناء وهلاك العرب، فقال المصطفى ﵇: «هو ذاك، وليس هناك غير هذا» .
عاد الرسولان إلى ملك اليمن وأخبروه بالكلام، فقال باذان: اكتبوا التاريخ واليوم الذي قال فيه المصطفى ﵇ هذا الكلام، فإن كان صادقا أطعناه وآمنا بما جاء به، وإن كان غير ذلك فإن ملك العجم نفسه سيأخذه من العرب.
فلما انقضت ثلاثة أيام وصلت رسالة من ملك العجم شيرويه إلى باذان بأن أباه قد قتل على أيدي الجنود في ذلك اليوم الذي كان المصطفى صلوات الله عليه قد قاله، وأنه يجب على أهل [١٤١] اليمن أن يبايعوه، وأن لا يتعرض بشيء لنبي العرب أو أن يعكّر عليه صفوه، فسرّ باذان برسالة ملك العجم وآمن، وآمن معه عموم أهل اليمن «١»، وقد أرسل المصطفى ﵇، معاذ بن جبل ﵁ إلى هناك ومعه رسالة إلى الملك باذان يثني عليه فيها. بدايتها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كافة الناس، إلى ملك اليمن باذان أعزه الله.
وكان الفضل الشّعرانيّ هذا قد أعفى شعر لحيته ورأسه فطالا، وكان متحليا بنسبه إلى باذان. ومولده ونشأته في قرية ريود من ربع باشتين، وكان فقيها وأديبا، سافر كثيرا في طلب العلم، وكان بيته في محلة كنج رود بنيسابور.
رحل الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة إليه لسماع الحديث. وكان تلميذ يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه المروزيّ، وتلميذ ابن الأعرابي في الأدب. وليس في بلاد الإسلام بلد لم يصله الفضل الشّعرانيّ الريودي، إلا الأندلس والسوس الأقصى.
[ ٢٧٦ ]
من رواياته: خوّفوا المؤمنين بالله تعالى، والمنافقين بالسلطان، والمرائين بالناس.
وقال الفضل بن محمد بن الشّعرانيّ الرّيودي: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا عبد الجبار [بن عمر الأيلي] «١»، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه: «كل معروف صدقة» «٢» .
ومن أولاده: أبو الحسن إسماعيل بن محمد بن الفضل «٣»، الذي أخذ معه كتاب مغازي موسى بن عقبة «٤» لما ذهب إلى نيسابور، فسمعوه منه.
قال إسماعيل بن محمد الشّعرانيّ: حدثنا محمد بن عبيد الله الأنصاريّ، قال حدثني أبي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: «يا ابن آدم! علّق قلبك بالله ولا تعلقه بخلقه، فإنك إن علقته بربك خدموك، وإن علقته بخلقه خذلوك» «٥» .
[ ٢٧٧ ]