كان أسلافه الذين عرفوا بالحاكميين والفندقييين- نسبة إلى الحاكم فندق بن أيوب- والذين ينتهي نسبهم إلى الصحابي خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين (رض)، مقيمين في قصبة سيوار من نواحي بالشتان من توابع بست وهي «بلدة من بلاد كابل بين هراة وغزنة «١»» (في أفغانستان الحالية)، ثم إن جدّ جده وهو الحاكم فندق بين أيوب المتوفى سنة ٤١٩ هـ «٢» هاجر من تلك البلاد إلى نيسابور وعين قاضيا مفتيا بأمر من السلطان محمود ورعاية وزيره أحمد بن الحسن الميمندي (تولى الوزارة سنة ٤٠٠ وظل فيها حتى سنة ٤١٦ هـ)، ولا نعلم الفترة التي مكث فيها بهذا المنصب لكنه طلب إعفاءه من هذا العمل واشترى بناحية بيهق ضياعا في قرية سرمستانه من حدود الناحية وأقام فيها منيبا عنه من يدعى العزيزي في منصب قضاء بيهق، وأوكل قضاء مدينتي بسطام ودامغان لنجليه الحسن وأحمد. وكل ذلك دال على ما كان يحظى به من هيمنة سياسية ودينية.
وقد تولى أولاده وأحفاده- ومنهم مؤلفنا علي بن زيد- منصب القضاء بمدينة بيهق.
أما والده شمس الإسلام زيد (٤٤٧- ٥١٧ هـ)، فقد أقام في بخارى عشرين عاما ونيفا لا ندري العمل التي كان يمارسه، لكنه- كما يقول نجله- اختلف إلى علماء تلك البلاد ممن ذكر المؤلف بعضهم في تاريخ بيهق وصاحب بعض مشاهير تلك البلاد من
[ ١٨ ]
أهل العلم ممن درسوا معه، ويذكر مؤلفنا وجوده ببغداد دون أن يحدد السنة التي كان فيها هناك. وفي السادسة والخمسين من عمره (سنة ٥٠٣ هـ) أصيب بالعمى عقب علاج خاطئ قامت به عجوز كحالة لم تكن أتقنت مبادئ مهنتها، هربت بعد فعلتها تلك.
وكان والده عالما شاعرا أديبا ذا علاقات مع جمع من مشاهير زمنه ومنهم الشاعر وعالم الرياضيات عمر الخيام الذي قال البيهقي إنه زاره مع أبيه سنة ٥٠٧ هـ وإن الخيام امتحنه في بيت من أشعار ديوان الحماسة. ولما أجابه مؤلفنا بكفاءة عما سأله عنه، عقب الخيام بقوله: «شنشنة أعرفها من أخزم» . وفي ذلك مدح لوالد البيهقي وأسلافه بالعلم «١»، فضلا عما في الكلام من ثناء على البيهقي نفسه.
في ترجمته لحياته التي كتبها هو يقول البيهقي: «ومولدي «٢» يوم السبت ١٧ من شعبان سنة ٤٩٠ هـ في قصبة السابزوار من ناحية بيهق فأسلمني بها أبي إلى الكتاب.
ثم رحلنا إلى ناحية ششتمذ من قرى الناحية- ولوالدي بها ضياع- فحفظت في عهد الصبا كتاب الهادي للشادي تصنيف الميداني، وكتاب السامي في الأسامي له «٣»، وكتاب المصادر للقاضي الزوزني «٤»، وكتاب غريب القرآن للعزيري «٥»، وكتاب
[ ١٩ ]
إصلاح المنطق «١»، وكتاب المنتحل للميكالي «٢»، وأشعار المتنبي، والحماسة، والسبعيات «٣»، وكتاب التلخيص في النحو «٤»، ثم بعد ذلك حفظت كتاب المجمل في اللغة «٥» .
١. وحضرت في شهور سنة أربع عشرة وخمس مئة كتّاب أبي جعفر المقرئ «٦» إمام الجامع القديم بنيسابور مصنف كتاب ينابيع اللغة وغير ذلك، وحفظت في كتابه كتاب تاج المصادر من تصنيفه، وقرأت عليه نحو ابن فضال «٧» وفصولا من كتاب المقتصد «٨»، والأمثال لأبي عبيد «٩»، والأمثال للأمير أبي الفضل الميكالى.
٢. ثم حضرت درس الإمام صدر الأفاضل أحمد بن محمد الميداني في محرم سنة ست عشرة وخمس مئة، وصححت عليه كتاب السامي في الأسامي من تصنيفه، وكتاب المصادر للقاضي [الزوزني]، وكتاب المنتحل وكتاب غريب الحديث لأبي عبيد، وكتاب إصلاح المنطق، ومجمع الأمثال من تصنيفه، وكتاب صحاح اللغة
[ ٢٠ ]
للجوهري. وفي أثناء ذلك كنت أختلف إلى الإمام إبراهيم الخزاز المتكلم وأقتبس منه أنوار علوم الكلام «١»» .
وننتقل هنا للتعريف بأساتذته الذين عرف بهم فيما بقي من مؤلفاته، وعلى رأسهم والده، حيث ذكره مع أساتذته في علم الكلام بقوله:
«ولقد لقيت في زماني من المتكلمين من له الشأن الأضخم والمقام الأكرم، يتصرف في الأدلة والحجج تصرف الرياح في اللجج منهم:
٣. والدي الإمام أبو القاسم، ومن تأمل في تصنيفه المعنون ب لباب الألباب وحدائق الحقائق ومفتاح باب الأصول، عرف أنه في هذا الفن سباق غايات وصاحب آيات «٢»» .
٤. ومن أساتذته في علم الكلام إبراهيم بن محمد الخزّاز الذي وصفه بقوله «الزاهد الذي قرع باب العفاف وقنع من دنياه بالكفاف، وكان سريع الإجابة، بديع الإصابة «٣»» . وقد درس عليه في نفس الفترة التي كان يدرس فيها لدى الميداني أي سنة ٥١٦ هـ «٤» .
٥. ومنهم علي بن الهيصم النيسابوري، وصفه بقوله: «العالم الإمام، وهو
[ ٢١ ]
إمام لسانه فصيح، بيانه صريح، وبرهانه صحيح، لفظة لؤلؤ منثور «١»» وهو علي ابن عبد الله بن الهيصم، أبو الحسن الأشناني «٢»، ذكره في لباب الأنساب في سند هذا نصه: «أخبرني الإمام علي بن عبد الله بن محمد بن الهيصم النيسابوري قال: أخبرني والدي أبو بكر عبد الله قال: أخبرني أحمد بن محمد بن علي بن أحمد العاصمي مؤلف زين الفتى «٣»» وقد ترجم له البيهقي في كتابه وشاح دمية القصر بشكل مطول ولقبه بصدر الإسلام الهروي وأثنى عليه كثيرا لعلمه وزهده، وقال: «اختلفت مدة مديدة إليه، وقرأت ما شئت من دقائق العلوم عليه، ووجدته حالا عقود المشكلات، فاتقا رتوق المعضلات، ولعمري إنه ﵀ كشف عن العلوم نقابها، ورفع عن الحقائق حجابها، فلم يكن في عصره فاضل إلا وقد أغترف من بحاره، وأقتبس من أنواره » ثم ذكر أسماء تصانيفه وهي دالة على تنوع معارفه، وأردف ذلك بأنموذجات من شعره «٤» .
وختم البيهقي هذه القائمة بقوله: «فهؤلاء المتكلمون الذين اختلفت إليهم وجثوث استفادة بين أيديهم» «٥» . ثم ينتقل إلى طبقة أخرى ممن وضعهم تحت هذا العنوان: «وأما الذين عاشرتهم فهم:
٦. الفقيه إسماعيل المقيم بمرو. وجدته وقد أناف على السبعين، وهو شرح
[ ٢٢ ]
كتاب المستوعب بلا نظر في أصل كتاب أو طريان شك وارتياب» «١» . ولم نهتد إليه ولا إلى كتابه.
٧. «ومنهم الإمام رشيد الدين عبد الجليل الرازي الذي هو متكلم بيانه سحر حلال، وطبعه ماء زلال، أبو الكلام وابن بجدته ومن أراد أن يعرف كماله في صناعته، تأمل تصانيفه » «٢» .
قلت: هو المترجم لدى منتجب الدين بقوله: «الشيخ المحقق رشيد الدين أبو سعيد عبد الجليل بن أبي الفتح مسعود بن عيسى المتكلم الرازي، أستاذ علماء العراق في الأصوليين. مناظر ماهر حاذق، له تصانيف منها جوابات الشيخ مسعود الصوابي» «٣» . ثم أضاف أن الذي أشاع آراءه وخلد اسمه هو تلميذه سديد الدين محمود، فقال:
٨. «وقد أحيا رسمه، وخلد اسمه الإمام الكامل سديد الدين محمود بن ميرك الرازي، وكان في ابتداء أمره، وعنفوان عمره، اختلف إلى الرشيد، فقد جمع بين الميرة والنشيد وبيني وبينه إخاء، نسيمه رخاء، حرس الله قدره، وشرح صدره» «٤» .
وقد ذكر المؤلف سديد الدين هذا فوصفه بالمتكلم «٥» وهي نفس الصفة التي ذكره بها منتجب الدين في فهرسته بقوله «الشيخ سديد الدين محمود بن أبي المحاسن أميرك، عالم فاضل» «٦»، ونعتقد أنه هو نفسه المذكور في نفس الصفحة باسم «الشيخ نصرة
[ ٢٣ ]
الدين محمود بن أميرك الرازي، متكلم» «١» . ووجود لقبين «سديد الدين» و«نصرة الدين» لشخص واحد، أمر شائع آنذاك.
٩. «ومنهم الإمام محمود الخوارزميّ «وله خاطر يلفظ المشكلات، كما يلفظ السمع حروف الكلمات» «٢» . وقد ترجم له في تتمة صوان الحكمة بقوله:
«الفيلسوف محمود الخوارزميّ، كان والده وزير آتسز وهو تركي استولى على خوارزم، وكان محمود أديبا فاضلا كاملا استفاد من الحكيم أبي البركات. ورأيته بمرو في شهور سنة تسع عشرة وخمس مئة. وقد استولى عليه نوع من السوداء فذبح في ليلة من ليالي الشتاء شخصه بسكين القلم» «٣» .
الآن وقد انتهت قائمة الذين تلقى العلم منهم ممن «عاشرهم» ننتقل إلى بقية أساتذته الذين استفاد منهم في مراحل شتى من حياته:
١٠. أحمد بن حامد النيسابوري، قال عنه: «ممن رسا طوده في الرياضيات، وقد رأيته في آخر عمره واستفدت منه» «٤» .
١١. إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي (٤٣٥- ٥٠٧ هـ)، شيخ القضاة نجل شيخ السنة. قال عنه «كان قاضي خوارزم، وقد رأيته وسمعت منه الحديث حين عاد إلى بيهق في شهور سنة ست وخمس مئة» . وحدد مكان استماعه الحديث منه بقرية
[ ٢٤ ]
أباري من توابع بيهق. ووصفه بأنه أكبر رواة الحديث في عصره «١» .
١٢. أبو بكر الحسن بن يعقوب بن أحمد بن محمد بن أحمد النيسابوري المتوفى في المحرم سنة ٥١٩ هـ. قال عنه «٢»: «قرأت كتاب نهج البلاغة على الإمام الزاهد الحسن بن يعقوب بن أحمد القارئ، وهو وأبوه في فلك الأدب قمران، وفي حدائق الورع ثمران، في شهور سنة ست عشرة وخمس مئة، وخطه شاهد لي بذلك، والكتاب سماع له عن الشيخ جعفر الدوريستي المحدث الفقيه» «٣» .
١٣. حمزة بن هبة الله بن محمد، أبو الغنائم كمال الدين الحسيني المتوفى سنة ٥٢٣ هـ. قال البيهقي: «ولي منه سماع الأحاديث الكثيرة منها: كتاب الصحيحين ومسند أبي عوانة ومسند الجوزقي، ولي منه إجازة بجميع مسموعاته بخطه» «٤» .
١٤. عثمان بن جادوكار. درس عليه عقب عودته من الري في ٥٢٧ هـ. قال البيهقي: «وكنت في تلك المدة انظر في الحساب والجبر والمقابلة وطرفا من الأحكام.
فلما رجعت إلى خراسان أتممت تلك الصناعة على الحكيم أستاذ خراسان عثمان بن
[ ٢٥ ]
جادوكار، وحصلت كتبا من الأحكام، وصرت في تلك الصناعة مشارا إلي» «١» .
١٥. علي بن محمد الونكي، خلال حديثه عن علم النسب ذكره فقال:
«علي بن محمد بن نصر بن مهدي، أبو القاسم الحسيني الونكيّ، وقد رأيته وكان جاري في الري واستفدت منه هذا العلم» «٢» .
١٦. علي بن محمود النصر آبادي. نقل عنه روايات بقوله: «وحدثني الإمام علي » «٣» . وقد ترجم له السمعاني فقال: «أبو الحسن علي بن محمود النصر آبادي المعروف بذؤابة. من أهل نيسابور. كان شيخا متفننا متقنا، أنفق ماله وعمره وما ورثه على العلم والتحصيل والنسخ، وجمع الأصول. قرأ الأدب والعربية على أبي الحسن [علي بن أحمد] الواحدي واشتغل بالوعظ والتذكير مدة ثم تركه ونظر في الطب وحصله. ورد مرو وأقام بها توفي يوم الثلاثاء النصف من شعبان سنة تسع عشرة وخمس مئة بنيسابور» «٤» .
١٧. عمر بن سهلان الساوي، ذكره في تتمة صوان الحكمة فقال: «القاضي الإمام الفيلسوف زين الدين [لسان الحق] عمر بن سهلان الساوي، سرد الشريعة والحكمة في نظام، وكان من ساوة فارتحل إلى نيسابور وتوطن بها وتعلم وكان يأكل من كسب سده ويرتفق بالنسخ ويبيع نسخة من كتاب الشفاء بخطه بمائة دينار. كنت أختلف إليه فأراه بحرا مواجا من العلوم» «٥» . وقد سها قلما الفاضلين الزركلي
[ ٢٦ ]
وكحالة «١» عند ما ذكرا وفاته في حولي ٤٥٠ هـ، فهو أستاذ البيهقي، وفضلا عن ذلك فقد ألف كتابه البصائر النصيرية للوزير نصير الدين أبي القاسم محمود بن المظفر بن عبد الملك بن أبي توبة المروزي الذي مات أو خنق كما يقول السمعاني «٢» في شهر رمضان سنة ٥٣٠ هـ واستوزر خلال السنوات من ٥٢١ حتى ٥٢٦ هـ «٣» .
وقد ذكر البيهقي في غرر الأمثال بعض أبيات قصيدة بعث بها إلى القاضي الساوي هذا وإجابته عليها بقصيدة «٤» .
١٨. محمد بن الفضل بن أحمد، أبو عبد الله الصاعدي الفراوي (حوالي ٤٤١- ٥٣٠ هـ) عالم الحديث والفقيه الشافعي صاحب التصانيف. اختلف البيهقي إليه خلال سنة ٥١٦ هـ وسمع منه غريب الحديث للخطابي «٥» .
١٩. الفيلسوف قطب الدين وقطب الزمان محمد بن أبي طاهر النصيري الطبسي المروزي المتوفى بسرخس في شوال ٥٣٩ هـ. يقول البيهقي: «انتقلت إلى نيسابور في غرة ربيع الآخر سنة ٥٢٩، وكان علم الحكمة عندي غير نضج، وعدت إلى بيهق وفي العين قذى من نقصان الصناعة، فرأيت في المنام سنة ثلاثين قائلا يقول: عليك بقطب الدين محمد المروزي الملقب بالطبسي والنصيري. فمضيت إلى سرخس وأقمت عنده وأنفقت ما عندي من الدنانير والدراهم، وعالجت جروح الحرص بتلك المراهم،
[ ٢٧ ]
وعدت إلى نيسابور في السابع والعشرين من شوال سنة اثنتين وثلاثين [وخمس مئة] .
وأقمت معه بنيسابور حتى أصابه الفلج وذلك في رجب سنة ست وثلاثين (وخمس مئة) «١» . وقد ترجم له في تتمة صوان الحكمة فقال: «هو من تلامذة الأديب أبي العباس «٢» . وأبوه من حكام قرى مرو، وأمه خوارزمية. وكان حكيما كاملا في أجزاء علوم الحكمة، صاحب خاطر وقاد، ارتبطه الوزير نصير الدين محمود بن المظفر بن العزيز (كذا) بن أبي توبة. ثم صار محروما محتاجا ومات بسرخس في شوال سنة ٥٣٩ هـ بعد ما أصابه الفلج» «٣» .
٢٠. عماد الدين أبو محمد يحيى بن أحمد بن زبارة المتوفى سنة ٥٣٢ هـ. ذكره في لباب الأنساب (٢/٥٢٢) فقال: «قرأت عليه رسائله التي وسمها بالإلهيات جملة لو عاش لسجد لها أبو حيان»، ويعني بذلك أبا حيان التوحيدي وكتابه الإشارات الإلهية.
٢١. تاج القضاة أبو سعد يحيى بن عبد الملك بن عبيد الله بن صاعد. يقول البيهقي إنه انتقل إلى مرو في ذي الحجة سنة ٥١٨ هـ فقرأ عليه. ووصفه فقال: «كان ملكا في صورة إنسان. وعلقت من لفظه كتاب الزكاة والمسائل الخلافية ثم سائر المسائل على غير الترتيب، وخضت في المناظرة والمجادلة سنة جرداء حتى رضيت عن نفسي ورضي عني أستاذي. وكنت أعقد مجلس الوعظ في تلك المدرسة وفي الجامع، ثم انصرفت عن مرو في ربيع الأول سنة ٥٢١ هـ واشتغلت بمرو بتزويج صدني عن التحصيل صدا وعدت إلى نيسابور» «٤» .
[ ٢٨ ]
نصل أخيرا إلى مجموعة من معاصريه ممن التقى بهم أو حضر مجالسهم أو ضمه وإياهم مجلس نقاش علمي أو راسلهم أو تبادل معهم القصائد والمقطعات أو سمع منهم حديثا وبعض هؤلاء لم نعثر عليه في شتى المظان التي نقبنا فيها:
القاضي الفيلسوف مجد الأفاضل عبد الرزاق التركي «١» ترجم له في تتمة صوان الحكمة بقوله: «كان من تلامذة الأديب أبي العباس (اللوكري) وكان ماهرا في صناعة الهندسة عالما بالمعقولات، ولم يكن له خاطر وقاد. وكان لا يعدل عن ظواهر الكتب وقد جرت بينه وبين الأمير السيد شرف الزمان محمد ابن الأديب الإيلاقي مناظرات لم يتعرض فيها القاضي عبد الرزاق إلا لظواهر الكتب وكان حافظا لأكثر كتب أبي علي (ابن سينا) عالما بمطالب مصنفاته، ولكن لم يتعمق في المعقولات مثل ما تعمق فيها علماء دهره. وبيني وبينه مكاتبات مذكورة في كتاب عرائس النفائس من تصنيفي» «٢» .
محمد بن عبد الكريم الشهرستاني. ترجم له في تتمة صوان الحكمة ودعاه:
«الإمام الأجل تاج الدين محمد بن عبد الكريم الشارستاني» «٣» (٤٧٩- ٥٤٨ هـ) . وهو العلامة الذائع الصيت مؤلف الملل والنحل وغيره من التصانيف. يقول البيهقي:
[ ٢٩ ]
«جمعني وإياه الإمام أبو الحسن ابن حمويه في مجلس، وحضر المجلس الإمام أبو منصور العبادي وموفق (الدين) أحمد الليثي وشهاب الدين الواعظ الشفورقاني «١» وغيرهم من الأفاضل» والذي جمعهم في مجلسه هو أبو الحسن علي بن محمد بن حمويه الجويني الذي قال السمعاني إنه «من أهل بحيراباد إحدى قرى جوين من نواحي نيسابور. وكان حسن الأخلاق مليح المعاشرة وداره كانت مجمع الأئمة والفضلاء وكان يدخل نيسابور في بعض الأوقات ويقيم بها أشهرا ويرجع إلى وطنه ووفاته بنيسابور لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمس مئة» «٢» .
أما العبادي فهو الواعظ الشهير أبو منصور مظفر بن أردشير (٤٩١- ٥٤٦ هـ)، الذي عرف بكونه سفيرا بين الخلفاء والسلاطين وواعظا حظي بالقبول لدى العامة فكانوا «يتركون أشغالهم لحضور مجلسه والمسابقة إليه» «٣» .
ولم نهتد إلى معرفة الاثنين الآخرين: الليثي والشفورقاني.
حسن بن أبي المعالي محمد بن أبي القاسم حمزة الخراساني الطوسي. قال البيهقي إنه حضر مجلسه بنوقان طوس سنة ٥٢٢ هـ «٤» .
الصاحب بن محمد البخاري، هكذا دعاه في تتمة صوان الحكمة وصدر اسمه ب «الإمام»، وقال: «فاضل اشتدت في علوم الإسلام عراه، وتأكدت في دقائق الحكمة قواه وقلت فيه من قصيدة فيها:
[ ٣٠ ]
لقد صحب العلم الرصين وأهله لذلك سميناه في الناس صاحبا
وقد ذكرت كمال فضائله في مسألة الوجود الذي فيه في كتابي المعنون بعرائس النفائس، وله إلي رسائل وفوائد منها استفدت، كأني عاينت فيها عين الحياة ووردت» «١» . ذكره فصيح ضمن حوادث سنة ٥٥١ هـ فقال إن فيها توفي «الحكيم أبو جعفر بن محمد البخاري في رمضان بإسفرايين، وكان عالما بعلوم الحكماء الأوائل» «٢» .
ظهير الدين علي بن شاهك القصاري الضرير. لقبه ب «الإمام الفيلسوف» في تتمة صوان الحكمة وقال إنه أصيب بالجدري وهو ابن تسع سنين فعمي وبالغ في تحصيل العلوم كعلوم القرآن واللغة والفلسفة والفلك والرياضيات وقد ترجم له في تاريخ بيهق، وفي كلا المصدرين أثنى عليه وعلى علمه. وقال في تتمة صوان الحكمة:
«وبيني وبين ظهير الدين مباحثات مذكورة في كتاب عرائس النفائس من تصنيفي.
والآن في هذه الأيام سألني عن الكلام المفصل في الكبيسة، فأنشأت رسالة إليه في الكبيسة» «٣» . ولا ندري السبب الذي دعاه إلى أن يغير رأيه فيذكره في غرر الأمثال بقوله: «وببيهق أكمه يقال له العقبة علي القصاري يدعي الحكمة وأقسامها ويختار الطوالع، ولا يقدر على رفع الأصطرلاب والعمل به فيحاذي الشمس ويحسب من خروج ريحه من منخريه وقد اختار لخروج أخيه محمد بن شاهك القصار من بيهق إلى نيسابور طالعا، وخرج ذلك المسكين، فهبت ريح عاصف أسقطته من الجمل وشجت هامته ووقع عليه اللص وأخذ ماله..» . وأشار إلى ادعائه المعرفة بالطب وسخر منه وبالغ في الحط من قدره بكلمات قاسية «٤» .
[ ٣١ ]
زين الدين إسماعيل بن الحسن بن محمد بن أحمد الحسيني الجرجانيّ (٤٣٤- ٥٣١ هـ) . ذكره فقال: «الأمير السيد الإمام زين الدين إسماعيل بن الحسن الجرجاني الطبيب، أحيا الطب وسائر العلوم بتصانيفه اللطيفة، ورأيته بسرخس في شهور سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة وقد بلغ من العمر أطوريه. وقد ارتبطه الملك العالم العادل خوارزم شاه آتسز بن محمد بخوارزم مدة، فصنف بخوارزم الخفي العلائي و» «١» .
جمال الدين أبو الفتوح بن أبي جعفر أحمد بن علي المقرئ. ضمن حديثه عن المثل القائل «الفحل يحمي شوله معقولا»، قال: «حللت هذا المثل في رسالة كتبتها إلى الإمام جمال الدين أبي الفتوح بن أبي جعفر المقرئ (أدام الله جماله)» «٢» . أما أبوه فهو عالم اللغة المعروف ب «بو جعفرك» المتوفى سنة ٥٤٤ هـ المترجم في تاريخ بيهق وغيره.
ولا نعلم اسم نجله أبي الفتوح، بل إن أباه نفسه ذكره بهذا الشكل في إجازة كتبها بخطه على كتابه ينابيع اللغة عند ما قال: «قرأ عليّ هذا المجلد الشيخ الإمام فخر الدين أبو بكر الفضل المعروف بعروة، ويسمع بقراءتنا القاضي الإمام الزاهد برهان الدين حجة الإسلام أبو القاسم منصور بن محمد بن صاعد نصره الله، وولدي أبو الفتوح فتح الله عليه وعليهما أبواب العلم والعمل به » «٣» .
أبو الفتح (أبو حفص) غياث الدين عمر بن إبراهيم الخيام النيسابوري الشاعر وعالم الرياضيات الذائع الصيت المتوفى بين ٥١٥- ٥١٧ هـ «٤» . وصفه في تتمة صوان
[ ٣٢ ]
الحكمة بقوله: «الدستور الفيلسوف حجة الحق عمر بن إبراهيم الخيام» . قال إنه التقى به عند ما زاره مع أبيه سنة ٥٠٧ هـ، وقد سأله الخيام سؤالين أحدهما عن معنى بيت من أبيات الحماسة، والثاني في الهندسة، فلما أجاب عنهما البيهقي بشكل متقن، علق الخيام قائلا: شنشنة أعرفها من أخزم «١» . وهو كلام فيه مديح له ولأسرته بالعلم.
نسابة الري مجد الدين أبو هاشم المجتبى بن حمزة بن زيد بن مهدي الحسيني الرازي. ذكره في لباب الأنساب فقال: «رأيته بالري وحضرت مجلسه وكان يدخل علي وتجري بيننا مذاكرة في علم الأنساب في شهور سنة ٥٢٦ هـ» «٢» .
الإمام محمد بن الحارثان السرخسي، ذكره بهذا الاسم في تتمة صوان الحكمة فقال: «طاف وساح ومسح أكثر الأقاليم بأقدامه طلبا للحكمة البالغة، وكان في الأدب تلو الجوهري وابن فارس. وقد جرى بيني وبينه كلام في أنه يجب أن يتقدم على التصديق تصوران أو ثلاثة تصورات. وقد ذكرت ذلك في كتاب شرح النجاة من تصنيفي» «٣» . وهو أبو علي محمد بن علي بن أحمد بن الحارثان السرخسي، قال عنه السمعاني: «من أهل سرخس، كان فاضلا عالما باللغة والأدب والنحو. وسمعت أنه كان يرى رأي الأوائل ويقرأ الفلسفة والعلوم المهجورة، ولكنه كان ساكنا وقورا معرضا عن الناس، لقيته أولا بسرخس وكتبت عنه إقطاعا من الشعر له ولغيره. ثم لقيته بمرو. وتوفي بسرخس في أحد الربيعين سنة خمس وأربعين وخمس مئة» «٤» .
[ ٣٣ ]
وذكره البيهقي مرة أخرى لمناسبة ذكره كتابا لأبي بكر البرقي الخوارزمي فقال: «رأيته عند الإمام محمد الحارثان السرخسي (﵀) بخط رديء مقرمط في سنة أربع وأربعين وخمس مئة» «١» .
يمين الدين أبو الحسن الفندورجي. قال إنه كتب إليه قصيدة، ثم ذكر ثمانية أبيات منها يقول واحد منها «٢»:
إلّا كرام أطلعوا شمس العلا من أوجها وهم بنو الفندورجي
وهو أبو الحسن علي بن نصر بن محمد بن عبد الصمد الفندروجي الإسفراييني الذي ترجم له السمعاني وقال إن فندور هي قرية بنواحي نيسابور وأضاف أنه «كان يرجع إلى فضل وافر ومعرفة تامة باللغة والأدب وخط وبلاغة، وله شعر مليح رائق.
وقد اختص بالوزير طاهر بن فخر الملك وصار كاتبا في ديوان السلطان ويكتب الكتب باللسانين » . ثم ذكر أن ولادته كانت ٤٨٩ هـ، ووفاته في حدود ٥٥٠ هـ. وأنه لقيه بإسفرايين وكتب عنه شيئا كثيرا من الطرف والملح وله ولغير «٣» . غير أن ابن الأثير «٤» ذكر أن أبا الحسن الفندروجي كان ممن قتل في أسفرايين خلال غارة الغز عليها سنة ٥٤٨ هـ.
وفي مجلس شرف الدين علي بن الحسن البيهقي كان يتجاذب أطراف الحديث مع الشيخ أبي الحسن ابن طلحة الإسفراييني والأفضل أميرك الرماني والبديع الطوسي «٥» .
[ ٣٤ ]
كما حضر مجلس عقد قران ذكر فيه أحد الحاضرين فقال: «وكان الأمين نصير الدين محمد بن الحسين الروباكاهي (؟) مد الله في عمره حاضرا» «١» .
ويذكر قصيدة قالها في «معين الدين عبد الصمد بن حمزة بن علي نائب ديوان الوزارة بخراسان في شهور سنة ثلاثين وخمس مئة» «٢» .
وقال في وشاح دمية القصر: «دخلت على الأمير يعقوب بن إسحاق (بن فخر الملك) المظفر بن نظام الملك فأكرمني وقابلني بالتعظيم والتفخيم، فقلت بديهة
فأشار إلي وقال: هل لك أن تنسج على منوالي في ما قلت، فأنشدني لنفسه وقلت في الحال في مقام الارتحال، وكتبت بقلم الارتجال على قرطاس الاستعجال ثم قال (البيهقي): شرفني بعد ذلك بقصيدة أولها فأجبت وقلت بعد الجواب علاوة للتصديع والإبرام، على طريق أداء شكر النعم، اللائق بأحوال الخدم » «٣» . وفي الخبر ما يدل على متانة العلاقة بينه وبين هذا الأمير.
ويذكر في وشاح الدمية أيضا قصيدة قالها في «عزيز الدين أبي الفتوح علي ابن فضل الله المستوفي الطغرائي» «٤» .
وفي شرحه لأحد الأمثال قال: «وقد ذكرت هذا المثل في قصيدة قلتها في منتجب الملك (﵀)، منها » «٥» . ويبدو أنه الذي ذكره وأباه في وشاح دمية القصر فقال: «أكتب الكتاب محمد بن سعد الرازي وابنه منتجب الملك أبو البدر إبراهيم
[ ٣٥ ]
اجتمعت بهما في شهور سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة» «١» .
وهناك المتكلم البارز مسعود بن علي الصوابي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ الذي كتب إليه في مرض موته رسالة ختمها ببيت بالفارسية، قام البيهقي بترجمته إلى العربية شعرا «٢» .
وقد روى حديثا عن القاضي علي بن أحمد بن أبي سهل الزاميني «٣» .
وفي مقدمته لكتابه معارج نهج البلاغة ذكر واحدا ممن دعوه لشرح هذا الكتاب فقال: «ومن قبل التمس مني الإمام السعيد جمال المحققين أبو القاسم علي بن الحسن الجوبقي «٤» النيسابوري (﵀) أن أشرح كتاب نهج البلاغة » .
وهناك مخلص الدين أبو الفضل محمد بن عاصم كاتب الإنشاء في ديوان السلطان سنجر وهو ابن أخت أبي إسماعيل الطغرائي الذي مدحه البيهقي بقصيدة ذكرها في كتابه وشاح دمية القصر «٦»، وهو المترجم لدى السمعاني بقوله: «أبو الفضل محمد ابن عاصم المنشئ الهروي، من أهل هراة، كان أحد كتاب خراسان والمعروف بالفضل وحسن الكتابة بالعربية والعجمية وكان خيرا راعيا لحقوق الأصدقاء، ترك ديوان الإنشاء ورجع إلى وطنه وانزوى ولزم بيته بهراة واشتغل بكتابة المصاحف وقضاء
[ ٣٦ ]
الصلوات والاعتذار عما سبق. لقيته بهراة في وقت العزلة، وكتبت عنه شيئا من شعره وأعطاني أجزاء بخطه. وكانت ولادته في حدود سنة ٤٧٠ هـ، وتو في بهراة في السادس والعشرين من صفر سنة ٥٤٣ هـ» «١» .
سنكمل هذه القائمة- تجنبا لتكرار بعض أسمائها- في القسم المخصص لمؤلفاته حيث نجد أسماء كبار الشخصيات ممن كلفوه تأليف كتاب أو أهدى إليهم مؤلفاته.