والحاكميّون والفندقيّون، الذين هم أسلافي، ينحدرون من خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان مقرهم الأصلي قصبة سيوار، من نواحي والشتان من توابع بست.
[١٠٢] ومنها قدم الحاكم الإمام أبو سليمان فندق بن الإمام أيوب بن الإمام
[ ٢١٦ ]
الحسن «١»، إلى ولاية نيسابور للقضاء والفتوى بأمر السلطان محمود بن سبكتكين ورعاية الوزير أحمد بن الحسن الميمنديّ الملقب بشمس الكفاة «٢»؛ وقد بقي في قضاء نيسابور بالأصالة مدة، وأخرى نيابة عن قاضي القضاة عماد الإسلام أبي العلاء صاعد بن الإمام الأديب أبي سعيد محمد بن أحمد «٣»، ثم طلب إعفاءه، واشترى بناحية بيهق ضياعا في قرية سرمستانة من حدود القصبة وأقام هناك، وناب عنه في قضاء هذه الناحية الحاكم أبو الحسن العزيزيّ بينما أو كل قضاء بسطام ودامغان لابنيه، وهما أبو سعد الحسن وأحمد.
انتقل الحاكم الإمام مفتي الأمة إمام الآفاق أبو سليمان فندق بن أيوب بناحية بيهق إلى جوار رحمة الله تعالى، ليلة الجمعة التاسع من شوال سنة تسع عشرة وأربع مئة.
والعقب من أبي سعد الحسن: الفقيه أبو نصر محمد وله علي.
والعقب من أحمد: محمد وعلي وبنتان.
وكان الحاكم الإمام أبو علي راتق فتوق المشاكل الشرعية، وإليه الرجوع في معضلات الفتاوى؛ وقد ناب مرات عديدة عن قاضي القضاة أبي علي الحسن بن إسماعيل بن صاعد بقضاء نيسابور، ومرات بقضاء بيهق.
ولما ذهب لزيارة الكعبة، صدر من ديوان السلطان طغرل بك محمد بن ميكائيل
[ ٢١٧ ]
ابن سلجوق، مثال بحقه إلى وزير دار الخلافة، وهو الشيخ الرئيس الزّكيّ عبد الملك ابن محمد بن يوسف وزير القائم بأمر الله- ولم يكن لقب «وزير الخليفة» موجودا قبل هذا- ومضمون المثال هو:
كتابنا- أطال الله بقاء الشيخ الرئيس الزّكيّ وأدام عزه- من الري، ونعم الله تعالى عندنا جديدة، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الأخيار المنتجبين، هذا وقد عرف الشيخ الزّكيّ صدق اهتمامنا بأحوال العلماء حتى تستمر على النظام، وشدة اعتنائنا بأمورهم لتجري على انتفاء الخلل وحصول المرام؛ وهذا الحاكم أبو علي بن أبي سليمان «١» أدام الله فضله، ممن له البيت القديم [١٠٣] والمحتد الصميم؛ ورد بابنا زائرا داعيا مجددا للعهد على جناح النهج، مستطلعا رأينا في زيارة بيت الله الحرام والحج؛ فقبلنا أدعيته، وأمضينا عزيمته؛ وأوجبنا على من يجتاز به ويحل بجانبه، أن يوطئ له كنفا وسيعا، وينزله منزلا مباركا مريعا؛ ويعينه بإنعام عليه، وخفير إن احتاج إليه؛ والشيخ الزّكيّ أولى من يبذل في حقه عنايته، ويكتسب بسعيه الجميل شكره ومدحته؛ مكتسبا لإحمادنا اللطيف، وارتضائنا المنيف، إن شاء الله تعالى. وكتب بالمثال ورسالة الحاجب الخاص أبي منصور ساوتكين في أواخر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وأربع مئة.
وكانت ولادة الحاكم الإمام أبي علي ليلة الجمعة السابع والعشرين من شوال سنة تسع وتسعين وثلاث مئة، ووفاته في سنة ثمانين وأربع مئة، ولم يهدأ حتى ولا يوما واحدا طيلة أعوامه الواحد والثمانين- إلا في أيام المرض- عن المطالعة والمذاكرة والرياضة، وكان مشغولا بالطاعة والعبادة؛ وقد وقعت له مصاهرة مع الإمام الذي كان الفقيه الرئيس أبو عبد الله محمد بن يحيى قد دعاه من نيسابور إلى بيهق، وأقام هناك مكرما، وهو الإمام شرف الصالحين أبو القاسم عبد العزيز بن الإمام يوسف بن
[ ٢١٨ ]
الإمام جعفر بن الإمام محمد بن إبراهيم بن كشمرد، وكشمرد هو الإمام أبو علي محمد بن عمرو بن النضر بن حمران النّيسابوريّ «١»، وكان مسكن أبي علي كشمرد في سكة حرب، وله مسجد معروف، وسمع الإمام يحيى بن يحيى.
توفي الإمام أبو علي كشمرد سنة سبع وثمانين ومئتين. وكان هذا الإمام مقدم علماء أصحاب الإمام أبي حنيفة بنيسابور، وحظي من دار الخلافة بالرعاية والإقبال، ومن شعره بحق واحد من السادات:
يا سيّد السادات يا بدر الدجى قد حل في قلبي هواك حلولا
وإذا افتخرت بفضل جدّك لم تدع لذوي الفخار من الأكارم قيلا
[١٠٤] أعطاك ربك رفعة وسيادة وكفى بربّك هاديا ووكيلا
وقد بنى قراتكين الأصفهبديّ والد منصور بن قراتكين، لابنه الإمام يوسف بن جعفر النيسابوريّ مدرسة بجوار مسجد رجاء «٢»، وكان أمير خراسان ناصر الدولة أبو الحسن محمد بن إبراهيم السّيمجوريّ يأتي كل يوم جمعة لزيارته والسلام عليه، ولدي رسائل أمراء ذلك الزمان التي كتبوها إليه بالاحترام التام. والإمام يوسف هذا، ذهب خمس مرات لزيارة الكعبة والروضة النبوية، ومن منظومه هذان البيتان:
طلب العلوم مذلّة وعناء والسّهو عنها كربة وبلاء
فاصبر على طلب العلوم فإنها بعد المذلة رفعة وعلاء
[ ٢١٩ ]
أما ولده الإمام شرف الصالحين أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، الذي أتى إلى بيهق من نيسابور، فقد كان فريد عصره، متبحرا بأنواع العلوم، بلغ في كل منها الغاية، بل أصبح فيها آية، وبحقه قال الإمام أبو عامر الجرجانيّ «١»:
تبيّن لي أن ليس للناس كلهم إمام تردّى بالكتاب المشرّف
كمثل الإمام المستضاء بنوره أبي قاسم عبد العزيز بن يوسف
تولى نيابة القضاء بنيسابور مدة، نائبا عن قاضي القضاة أبي الهيثم عتبة بن خيثمة «٢»، وهو جد جدي الحاكم الإمام الشيخ الإسلام أميرك أبي سليمان محمد بن الحسين.
صاهر الإمام شرف الصالحين أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف في قرية باورين، الشيخ محمد بن أحمد بن مريم «٣»، وكان الإمام أبو القاسم عبد العزيز مئناثا.
كانت ولادة جدي الحاكم الإمام شيخ الإسلام أميرك في نيسابور سنة عشرين وأربع مئة، وقد أوكلت إليه الخطبة بنيسابور مرات عدة نيابة عن الإمام إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني «٤»، ومرات بالأصالة بمثال من الإمام القادر بالله، كما عيّن مرة أخرى للجلوس للوعظ بعد صلاة الجمعة في الجامع القديم بمثال من دار الخلافة [١٠٥] وأمثلة السلاطين، وإلى الوقت الذي كانت فيه نيسابور عامرة، كنت أقوم بهذا
[ ٢٢٠ ]
العمل بحكم الإرث، وأبعث إلى أرواح أسلافي الأدعية الصالحة.
كما أنيط به قضاء نيسابور مدة نيابة عن القاضي الهمام منصور بن إسماعيل بن صاعد «١»، وفوض إليه القضاء بالناحية عشر سنوات، وتوفي في سنة إحدى وخمس مئة.
وفوض قضاء ناحية بيهق وناحية أستراباد مدة، لأخيه القاضي الإمام سديد القضاة أبي الحسن؛ وانتقل إلى جوار رحمة الله في شهور سنة ثلاثين وخمس مئة، وقلت في رثائه:
قضى نحبه عمي الإمام أبو الحسن وغادر حزنا بيننا واسع العطن
وكان غريبا في الزمان وأهله فآب إلى الجنات شوقا إلى الوطن
وله:
* انمحت بوفاة الأجل رضي الدين آثار العلم والفضل
تحولت الشعور السود بيضا وأصبحت الوجوه البيض سودا
فبعلمه وديانته وورعه وأمانته، طلب الزمان العذر لجناياته، واستظلت أموال وأملاك المسلمين بظل الأمان، ونفر من الظلم والتعدي والتزوير والتلبيس، واستقامت الأعمال على الطريقة المثلى.
والعقب من الحاكم الإمام أبي علي الحسين بن أبي سليمان فندق بن أيوب، هو الحاكم الإمام شيخ الإسلام أميرك أبو سليمان محمد، والقاضي الإمام الرئيس أبو الحسن علي.
والعقب من القاضي أبي الحسن علي بن الحسين بن فندق: جمال القضاة ناصر، وبدر القضاة أبو علي الحسين، درج أبو علي الحسين عن بنات.
[ ٢٢١ ]
والعقب من جمال القضاة ناصر: محمد وأبو القاسم، درج أبو القاسم عن بنات في سنة خمسين وخمس مئة.
والعقب من محمد بن ناصر: أبو منصور، وأبو علي، وبنات.
والعقب من الحاكم الإمام شيخ الإسلام أميرك أبي سليمان محمد بن الحسين بن فندق، هو الإمام والدي شمس الإسلام إمام الأئمة أبو القاسم زيد بن محمد، والإمام حمزة، والإمام الحسن، وقد درج الإمام حمزة ولا عقب له، ومن منظومه قوله:
أيا من رأيه عين الصواب ويا من بابه حسن المآب
حضرت الباب مرات وإني رضيت من الغنيمة بالإياب
حجبت الآن عنك وأنت شمس ونور الشمس يستر بالضباب
إليك احتاج عزمي وانتظاري كما احتاج السؤال إلى الجواب
فأكرمني بفضلك يا ملاذي وشرفني بإبطال الحجاب
عتاب ثم حرمان وهجر عذاب في عذاب في عذاب
وأما عمي الحسن فقد بلغ في حفظ مبادئ الأدب حدا أن قال معه أستاذنا الإمام أحمد الميداني «١» في حقه: نحن الخلجان وهو البحر.
وكانت ولادة والدي الإمام السعيد شمس الإسلام أبي القاسم زيد بن محمد «٢» في يوم عيد شوال سنة سبع وأربعين وأربع مئة، ووفاته في يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وخمس مئة، قضى منها ما يزيد على عشرين عاما في بخارى، وأقام هناك، واختلف إلى أئمة تلك البلاد، وحصل على حظ وافر
[ ٢٢٢ ]
من أنواع العلوم، وكان من أساتذته في تلك الأيام:
الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن الفضل الفارسيّ؛ والإمام أبو عبد الله الحسين بن أبي الحسن الكاشغريّ الملقب بالفضل؛ والإمام الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السّرخسيّ؛ والسيد الإمام أبو بكر محمد بن علي بن حيدر الجعفريّ. وكان من الدارسين معه: الإمام الأجل برهان الدين عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز المازه.
وكانت عينه قد أصيبت في آخر عمره بالضعف، ليبوسة الدماغ وكثرة الدرس والمطالعة، وقد عالجته عجوز قيل إنها من عجائز قوم عاد مشهورة في الكحالة إلا أن عدم معرفتها بأصول المداواة أدى إلى تلف عينه وذلك في سنة ثلاث وخمس مئة [١٠٧] وقد اتخذت تلك العجوز من الليل جملا وفرت، فتعقبوها ولم يعثروا لها على أثر، كأن الأرض أكلتها أو السماء رفعتها، وقد نظم هذين البيتين عند ما ابتلي بذلك البلاء وهما:
لئن غاب عن عيني برغمي نورها فما غاب عن دار الجزاء ثوابي
شياطين دهري قاربوا فلك التقى فأتبعتهم من ناظري بشهاب
وذكره مبسوط بالتفصيل في تاريخ نيسابور المسمى ب سياق التاريخ للإمام أبي الحسن عبد الغافر الفارسيّ الخطيب بنيسابور «١»، وكذلك ذكره الإمام علي بن أبي صالح الصالحي الخواريّ، فهما أولى بأن يعطيا الموضوع حقه بأقلامهما وبيانهما، وفم الأعرابي أفصح، ومن مدح أباه فكأنما مدح نفسه.
والعقب من والدي الإمام أبي القاسم زيد بن محمد البيهقيّ:
[ ٢٢٣ ]
الإمام يحيى، ومصنف هذا الكتاب أبو الحسن علي، ومحمد والحسين وعلي، ومحمد والحسين توأمان وقد درجا، كما درج علي، وأما يحيى فقد عاش عشرين سنة ولم يعقب، ومن منظوم أخي يحيى بن الإمام أبي القاسم قوله وهو يشكو من مؤدبه الخرف الهرم الملقب بموسيجه:
أديبي في الكتّاب أصبح داءا فهل أرتجي يا قوم منه شفاءا
يضرّ ولا يسخو بنفع وإنه يضيّع خبزا أو ينجّس ماء
ألا يا إمام الدهر هل أنا واجد لداء صروف الدهر منك دواءا