من قرية ديوره، وكان من فحول شعراء العالم، وكان سبب موته لسانه:
[ ٢٨٦ ]
ولربما أردى اللبيب لسانه إنّ البلاء موكّل بالمنطق
«١» ****
قل الحديث الذي لا مفر من قوله وسوف يعينك العقل والحكمة
حين تتفوه بالهراء، يقع على رأسك إن الأستاذ يدفع ثمن ما اقترفه الأجير
لقد سمعت المثل الذي سار في أفواه اللسان الأحمر يذهب بالرأس الأسود
قتلوه في قرية ديوره، ومرقده هناك، وكان ملك نيمروز وخراسان عمرو بن الليث قد ارتبطه واختصه بأنواع الإحسان والإكرام، وكان متصلا قبل ذلك بالأمير رافع بن هرثمة، ثم هجا رافعا بقصيدة مطلعها:
بكيت شبابا فات والشيب شائع ولم تك تبكيني الديار البلاقع
ألم تر أن الله أهلك رافعا ودارت عليه بالبوار الطوالع
[١٤٨] تأمّل بعينيك النحوس فإنها ترى النحس جهرا حيثما حلّ رافع
يضنّ وكان البخل منه سجية فإن رام جودا لم تدعه الطبائع
كما هجا أمير خراسان ونيمروز عمرو بن الليث، وهجا وزيره أبا نصر أحمد بن أبي ربيعة «٢»، وكان هذا الوزير أشتر، بينما الملك عمرو بن الليث أعور:
زعم الوزير بأنه لي مكرم كذب الوزير وعينه شتراء
[ ٢٨٧ ]
لا توحشنّك شترة في عينه هذا الأمير وعينه عوراء
فأمر الأمير عمرو بن الليث، الحسين بن داود- وكان والي بيهق من قبله- بقتل المشطّب البيهقيّ.
من أولاد الحسين بن داود: الشيخ علي بن داود، الذي كان مقيما فيما مضى في قرية مغيثة، وبقي له أولاد وأحفاد.
وإنّ ذمّ الناس عادة سيئة، وأن يصاغ ذلك الذم شعرا؛ فإن أنعم أحد على إنسان، وجب على ذلك الإنسان أن يشكره قدر الاستطاعة، وإن انقطع ذلك الإحسان ولم يستمر وجب عذر ذلك المنعم:
لعلّ له عذرا وأنت تلوم «١»
وأن يقرأ:
فلا الكرج الدنيا ولا الناس قاسم «٢»
ولقد جعل الله لعلماء الإسلام في مال الخراج حقا، ولم يجعل للشعراء فيه شيئا لمجرد قولهم الشعر.
حكاية: ذهب جماعة من الشعراء يوما إلى عمر بن عبد العزيز، وطلبوا إليه عطاء «٣»، فأحضر المصحف أمامهم وقال: أخبروني أي نصيب لكم في هذه الآية إِنَّمَا
[ ٢٨٨ ]
الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ
«١»، وأخبروني هل في القرآن ما يجعل لكم نصيبا واجبا في أموال الناس؟ فبهتوا وقالوا نحن من ضمن الفقراء، فقال إن الفقراء لا حاجة بهم إلى التوسل بالشعر، فنهض الفرزدق وقال:
[١٤٩] رأيت رقى الشيطان لا تستفزّه وإن كان شيطاني من الجنّ ماردا
وكان يقال للشعر: رقية الشيطان.
مسألة فقهية: إن وقف أو أوصى أحد لعلماء الإسلام مطلقا، فلا يجعل للشعراء والأدباء في ذلك شيء، وذلك بإجماع أهل القبلة «٢»، فهذان النوعان- الأدب والشعر- ليسا علما، والأدب آلة معرفة العلم، وآلة العلم ليست علما، وإنما وصل المصطفى ﵇ الشعراء، لأن شعر ذلك الزمان كان سببا في ترغيب الناس في قبول الإسلام، وسببا في قهر الكفار.
فائدة: قال لي أحد أساتيذي: إن نظم أحد شعرا طمعا في ممدوحه، وحصل على مراده، وجب عليه شكره بالشعر والنثر، وإن لم يعطه فلا يجوز للشاعر أن يذمه، فالشاعر هو الأولى بالذم عقلا وشرعا، لأنه طمع بأموال المسلمين بدون مسوغ عقلي وشرعي، وإن ذلك الذي لم يعطه شيئا ممدوح عقلا وشرعا.
فالمدح والذم يجب أن يكونا بموضعهما، ولذا قال المصطفى ﵇: «اذكروا
[ ٢٨٩ ]
الفاسق بما فيه كي يحذره الناس» «١»، وقال ﵇: «لا غيبة لفاسق» «٢» .