كان بهمن الملك ملكا كبيرا، وهو ابن إسفنديار، وكان الملك الأعظم، الذي حكم في الأرض مئة واثني عشر عاما، كانت ذاته صحيفة السياسة، وفهرس السخاوة، والأرواح بنسيمه معطرة، وآثار أسلافه من الملوك بفوح شميم عرف عرفه معنبرة:
ملك كأنّ التاج فوق جبينه متهلّل الإمساء والإصباح
****
هكذا سخرت له الأرض والزمان من كان ذا دولة قوية
نسبه: بهمن بن إسفنديار بن وشتاسب بن لهراسب بن فنوخي بن كيمنثر بن كيفاشين بن كنابيه بن كيقباد بن زاب بن نودكان بن مايسو بن [٤٠] نوذر بن منوجهر الملك، واسمه عامر، ويقال بنيمين بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وهو الذي بنى بهمن آباد بيهق، وكانت بهمن آباد في عصره مدينة كبيرة.
وكان لبهمن هذا ولد اسمه «ساسان»، وبنت اسمها «هما»، وقد تزوج بهمن بابنته- كما هو جائز لدى أمة المجوس- فحملت منه، ولما اقتربت وفاة بهمن، ولم تكن مدة الحمل قد انتهت، قام بوضع تاجه على بطنها وقال: إن ولي عهدي هو هذا
[ ١٣٨ ]
الطفل الذي في بطن أمه، وإلى حين ولادتها لطفلها، قامت الأم بتدبير مهام الملك:
* لا تتكئ على حسبك ونسبك فجوهر فعالك هو المعوّل عليه
فإما أن يحمر وجهك منها خجلا أو تصبح شهيرا ذائع الصيت
وفي أي مكان حارا كان أم باردا فإن في أصلاب الرجال أولادا نجباء
ولما رأى ساسان أن أباه فضّل عليه جنينا، نهض واشترى مجموعة من الخراف وتوجه إلى بيهق، وأقام في ساسان قاريز التي يقال لها ساساقاريز، ثم حفر هناك قناة:
* كل ما آل إلى اليسر لا بد أن بدايته كانت عسيرة
ووضع خرافه هناك حيث قصبة ساسان آباد التي يقال لها اليوم سبزوار، وبنى هذه القلعة، وأما القناة التي حفرها وسط المدينة، فكأن لسان حالها يقول:
* مع أن قدري أسمى من هذا وأن الفلك الدوار أكبر مني
وهذا حديث طويل طويل وقلبي مفعم بالألم واللوعة والحاجة
الطريق متاهة ولا يوجد دليل وقد سكنت الغربان في وكر العنقاء
ثم توجّه إلى حدود يوزكند بتركستان، التي تدعى هناك أوزجند، حيث بنى هناك قرية تسمى سبزار (سابزوار)، وأصلها ساسان آباد أيضا، وهي اليوم معمورة مسكونة.
وتوجد في تركستان قريتان بنيتا بجوار ساسان آباد: إحداهما تدعى «راز»، والأخرى باسم «إيزي»، كما قلنا عند ذكرنا لبيهق.
والعقب من ساسان بن بهمن: مهر، ومهر هرمز، وبه آفريد، وذكروا أن الذي بنى هذه البقعة ليس ساسان بن بهمن، وإنما هو ساسان بن بابك بن ساسان بن مهر بن ساسان بن بهمن بن إسفنديار، والله أعلم.
اتفق على أن باني خسروجرد وخسرو آباد هو الملك كيخسرو بن سياوخش بن كيكاوس، أما بلاشاباد، فقد بناها بلاش بن فيروز عم نوشيروان، والله أعلم.
[ ١٣٩ ]
وقد بنيت هذه المدينة على شكل التعبئة العسكريّة، فربع جلين وحدوده المقدمة، وربع زميج وخواشد كالميمنة، وربع طبس وحدوده كالميسرة، ومن سبزوار إلى خسروجرد كالقلب، ومن خسرو جرد إلى أسد آباد على شكل الساقة، ولذا تدعى هذه المنطقة قدم البلدة، ولسان الحال يقول:
* لا يدور الأمر مدار العاقل والجاهل وليس الحكم على ما هو ظاهر
أن يدمى قلبك وتموت إثره أفضل من أن تعيش حياتك مع وضيع
وفي سنة خمس وخمسين وخمس مئة وصل من أطراف يوزكند «١»، جمع من العلماء وهم في طريقهم لزيارة الكعبة، وكان قسم منهم من قرى: إيزي وراز وساسان آباد يوزكند، قرأوا عليّ شيئا من التفاسير، وأخذوا مني إجازات في الأحاديث.
[٤٢] فصل: وقد أفاض الناس في الانتقاص من ساسان هذا، وأطالوا ألسنتهم بتفصيل دناءة همته، وكان أبوه قد رأى بفراسته أنه غير لائق للملك.
* انظر لذلك الغصن وذلك الجذر وصن ذلك العهد والتاريخ
قال أبو ساسان لولده: اغرب عن وجهي ولتكن أبدا مسودّ الوجه متألما
انقلبت الأمور رأسا على عقب واسودّ كل الزمان بوجهه
وأصبح العالم في قلبه تافها وامتلأت لذلك روحه بالألم
سأعمر البلاد كلها الآن وأصبح أميرا على هذه الأغنام
وهذا هو شأن دار الخديعة إذ يكون الانحدار فيها بعد كل ارتفاع
أصبح أملي بالملك هباء فليأت العدو ويشمت بي
فلو جاء الموت لأراحني من هذا العناء المريع
[ ١٤٠ ]
وإلى يومنا هذا، يسمي الناس عديم الحياء الذي يريدون انتقاصه وتوبيخه ساسيا، ويسمون الشحاذين «الساسيين» و«الساسانيين» «١» .
* فليغّيب في الثرى وليذهب إلى الجحيم ذلك الفتى الذي لا يعبأ بأبيه
ومن ساسان «٢» هذا انحدر ملوك العجم، وكان الملوك الآخرون يقرعونهم ويسمونهم أولاد ساسان الراعي، وليس عجيبا أن مسخت دولة بني ساسان بهذا الإدبار، ومسخت رقوم محاسنها، وأصبح بدرها هلالا، ونهارها ليلا.
وكان الأكاسرة ظالمين- إلا نوشروان- فلم يكن أحد من الناس يمتلك الجرأة ليطبخ طعاما طيبا لذيذا، أو أن يخيط ثوبا جميلا، أو أن يعلم ولده العلم والأدب، أو أن تكون له دابة ثمينة، حتى إن النبي الذي عاش في عهدهم ﵇ قال: إلهي، لم آتيت الأكاسرة [٤٣] ما آتيتهم؟ فأوحى الله تعالى إليه: «لأنهم عمروا بلادي، حتى عاش فيها عبادي» «٣» . وكانوا مولعين بعمارة العالم.
[ ١٤١ ]
أما نوشروان بن كيقباد فقد كان الملك العادل من بينهم، ولذلك قال النبي ﵇: «ولدت في زمن العادل نوشروان «١»» . وعند مضي تسعة أعوام من حكمه، ولد المصطفى ﵇.
وذكروا أن ساسويه بن شابور الملك هو الذي بنى سبزوار، وسابور هو الذي بنى نيسابور، وكان اسم هذه المدينة بناسابور، إلا أن الألف والباء أسقطا، وأبدل الألف ياء، لأن ني باللغة البهلوية بناء، ونيسابور، تعني بناء نيسابور.
أما ساسان قاريز، فقد كانت ساسوقاريز، وسبزوار كان أصلها ساسويه آباد وقيل إن ابن ساسويه هذا هو يزد خسرو الذي بنى مدن: خسرو شير جوين وخسرو آباد بيهق وخسرو جرد وكان الحاكم بنيسابور في قديم الأيام من أبنائه، وهو الحاكم أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسن بن علي بن السري بن يزد خسرو بن ساسويه بن سابور الملك «٢»، وله عقب بنيسابور، وقد توفي الحاكم أبو الحسين بنيسابور في رمضان سنة سبعين وثلاث مئة وهو ابن تسعين سنة، وكان أعقابه من المعمرين، ولم يكن فيهم من عاش أقل من تسعين سنة، وتجاوز الكثير منهم سن المئة سنة.
وقد أصبحت سبزوار مدينة كبير مكتظة بالأشجار المثمرة الوارفة الظلال، والناس هناك يسمونها سابزوار، أي الملائمة، كما نسبوا نيسابور من حيث التأسيس إلى سابور الملك، إلا أنهم سموها نيسابور كما أوردنا ذلك.
[ ١٤٢ ]
وقالوا: سبزوار، كجنات تجري من تحتها الأنهار. وعمرانها وأسواقها ومحلاتها متصلة حتى قرية إيزي من طريق زورين، وما زالت أطلال ذلك العمران باقية إلى الآن.
[٤٤] ولما وصل الأمير عبد الله بن عامر بن كريز إلى خراسان، لم يحاربه أهل سبزوار، وقالوا: إذا آمن أهل نيسابور، فنحن نؤمن، ولم يبدأوا جيش المسلمين بالحرب، وقد رغبوا في الإيمان بعد فتح نيسابور، تركوا هوى النفس والرياء، ورفعوا علم قبول الإسلام إلى العلاء، زرعوا في عراص الاختصاص بذور السعادة، ليحصدوا ريع السعادة، زينوها بحلية الشرع، وأنبتوها في صدق السنة والحق.
وقد ظلوا على هذه القاعدة وهذا النسق إلى أن جاء حمزة بن آذرك الخارجي «١» من سجستان بجيشه في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشر ومئتين، حيث انحدر من جانب قهستان وترشيز فوصل أولا إلى ششتمد- المدينة التي كانت ولادتي بها- وكانت هناك آنذاك قلعة من غير ماء، وقد حارب أربعين يوما، فلم يتيسر له فتحها، فقام بحفر قناة ششتمد وما تزال تلك القناة موجودة إلى الآن وتعطي قليلا من الماء، وتسمى القناة السفلى.
ولم يرعو حمزة بن آذرك عن رعونته، حيث استولى على رأيه شيطان هواه، فمزق ثوب الصلاح، ومحا من لوح أعماله رقوم الرحمة والشفقة، وأدار برأسه خمار الحقارة وخبائث البدعة والضلالة:
على غير حزم في الأمور ولا تقى ولا نائل جزل تعدّ مناقبه «٢»
[ ١٤٣ ]
وعندما اتجه من هناك إلى القصبة، صادف وقت ارتفاع الماء في نهر شور، فخاف من عبور الماء، وكان جيش سبزوار قد خرج من المدينة ووقف محاذيا لشط الوادي.
وحدث أن جاء حائك من أهل سبزوار، فألقى بنفسه في الماء وعبر، فتجرأ الخوارج على العبور:
نزو الفرار استجهل الفرارا «١»
وحملوا، فقتلوا خلقا كثيرا، ومن هناك- حيث رباط علي آباد- اتجهوا إلى مدخل القصبة [٤٥] فدخلوها، وظلوا سبعة أيام بلياليها يقتلون الذكران من البالغين أو الأطفال، لأن حكم الأطفال في مذهب الخوارج كحكم آبائهم وأمهاتهم «٢»، وقد
[ ١٤٤ ]
حوصر مجموعة من الأطفال مع معلمهم في أحد المساجد، فهدّوا سقف المسجد على رؤوسهم، حتى لم يبق في القصبة من الذكور أحد إلا الذي كان هاربا أو غائبا عنها.
وذكروا أن من قتل في أيام حمزة بن آذرك في سبزوار قد تجاوز الثلاثين ألفا من الرجال والأطفال.
ماذا أؤمل بعد آل محرّق تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق والقصر ذي الشرفات من سنداد
أرض تخيّرها لطيب مقيلها كعب بن مامة وابن أم دؤاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به يوما يصير إلى بلى ونفاد «١»
****
احترق العالم تحت أقدامهم من بساتين وصحارى وجبال وسهول
وتحول لعاب السيوف الهندية نارا وأصبح العيش مرّا على الناس
اضمحل الناس بعد صخبهم ذابوا كالرصاص في النار الملتهبة
لم يشمل الأمان أحدا منهم ولم ينج أحد منهم من القتل
وعندما غادر القصبة، لم يكن هناك فيها- لمدة شهر- ولا رجل واحد؛ حيث بدأ بعد ذلك بعض الضعفاء الذين كانوا قد آثروا السفر، بالعودة إليها، ولكن «بقية
[ ١٤٥ ]
السيف أنمى عددا، وأكثر ولدا» «١»، فقد قدر الخالق في هذه الدنيا، أن يتصل كل أول بآخر، وكل عمران بالخراب، وأن يمر قلم الفناء والزوال على ناصية كل نظام في العالم [٤٦] .
* إن كنت ذكيا فاكشف السر وتحدث عن المخفي من أحوال العالم
فلطالما مرّ الزمان مسرعا على الملك والجيش، والجبل والسهل
وطالما تحول ذوو التيجان ترابا وأصبح العالم خاليا منهم ومن آثارهم
وفي أي مكان وضعت قدمك فإن تحتها ملكا مدفونا
وكان أهل هذه القلعة الواقعة في وسط القصبة، المسماة سبيد دز «٢»، يجصصونها من الخارج في كل عام بالكلس الأبيض، ولم يبق في القصبة خلق أكثر من أولئك الذين اتخذوا من القلعة القديمة ومن هذه القلعة مسكنا:
خابوا جميعا بعد ما غنموا قلّوا زمانا بعد ما كثروا
غابوا فما أبقوا لنا أثرا ماتوا وعنهم ما لنا خبر
****
تعلم نظام هذا الفلك حيث لم يكتب الخلود لأحد
تصعد به إلى العيّوق ليقع وتحافظ عليه بمائة حيلة كي ينكسر
وكان يحيى بن زيد بن زين العابدين علي بن الإمام الشهيد المظلوم الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه (عليهم) السلام، بعد مقتل أبيه زيد، قد فرّ من
[ ١٤٦ ]
المعركة وجاء إلى سبزوار، وكان يحيى من أئمة الزيدية، وقد نزل في مسجد شادان «١»، وقد فصلنا فيما مضى خبر شادان هذا، الذي هو من أولاد قنبر، وكان مجيء يحيى سنة ست وعشرين ومئة وكان محمد بن علي بن موسى الرضا عليه (عليهم) السلام الملقب بالتّقيّ «٢»، قد عبر البحر عن طريق طبس مسينا، حيث لم يكن طريق قومس مسلوكا آنذاك، إذ أصبح هذا الطريق مسلوكا منذ عهد قريب، فوصل بيهق ونزل في قرية ششتمد، ومن هناك ذهب لزيارة والده علي بن موسى الرضا، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومئتين.
[٤٧] وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ مؤلف كتاب تاريخ نيسابور، أن هارون الرشيد لم يذهب إلى طوس عن طريق بيهق، وإنما عن طريق أسفرايين أما بقية المؤرخين فقد قالوا إنه ذهب عن طريق بيهق.
وعندما وصل- هارون الرشيد- إلى قرية كهناب، التي تدعى «لويد سي» ويسميها بعضهم «لوسي»، و«لوسي» تعني الثعلب بلسان البيهقيّين، وكان فيها قحط، فنصب هناك ثلاثين قدرا «سي لويد» أطعم منها الفقراء، وقال قوم غير هذا، والله أعلم.
وكان دهقان كهناب حمّويه، وهو أبو عبد الرحمن حمويه بن عباد النّيسابوريّ السراج الطّهمانيّ «٣» .
ومن أولاده: أبو القاسم بن عبد الله بن أبي بكر محمد بن أحمد بن حمويه
[ ١٤٧ ]
السراج، وقد توفي أبو القاسم هذا، في ذي الحجة سنة ثلاث مئة وأربع وأربعين وهو البطن الرابع من حمويه الدّهقان الطّهمانيّ «١» .
وكانت هناك قناة قديمة، قام حمويه بعمارتها، وأجرى فيها الماء، ولذلك قيل لها «كهنه آب» «٢» .
وعندما حلّ هارون الرشيد ضيفا لديه، سأله: كم تستطيع أن تستضيفني في أيام القحط هذه؟
قال حمويه: إن كانت هناك عدالة، فإلى ما تشاء.
قال: أي عدالة تريد؟
قال: أن لا يتعرّض للمزروعات والمحاصيل، وأن تأمر الشحنة وأعوانه أن لا يسرفوا في القش والحطب، لأن كلا الإتلاف والإسراف مضر بالمنافع:
ومن يجد الطريق إلى المعالي فلا يذر المطيّ بلا سنام «٣»
وقد جعل هارون الرشيد حاجاته وطلباته ومقاصده، مقرونة بالنجح والإجابة والإسعاف؛ وقد أقام أربعة أشهر، بسبب المرض الذي حلّ به.
وعندما أراد هارون الرشيد التوجه إلى طوس، قال لوزيره الفضل بن الربيع، لقد كان لهذا الدّهقان يد بيضاء في تشييد معالم الضيافة، ولم يترك شيئا من أعمال المروءة، لذا فقد أصبح لزاما علينا أن نكافئه، وأن نصونه من العجب، وأن لا نضيع
[ ١٤٨ ]
[٤٨] شيئا من أياديه وحسن خدمته.
وحدث أن حضر بختيشوع «١» الطبيب في حضرة الخليفة، وأعلن عن احتياجه للفلفل الأبيض، لعلاجه، فاستدعى الخليفة حمويه للمثول في حضرته، والوقوف خاشعا قرب سدّته، وقال له، أيها الدّهقان نحن بحاجة للفلفل الأبيض، وإحضاره فرض عليك، كي لا ينقص من ضيافتك لنا شيء.
ذهب حمويه وهو في حيرة من أمره إلى بيته، وكان له بنت عاقلة، فعرض الأمر عليها، وكان لتلك الفتاة عقد لؤلؤ على جيدها كل حبة فيها تامة الوزن من اللؤلؤ الرطب القطري الذي وزن الحبّة الكبيرة منه تزن مثقالا، والعمانيّ الذي قيمة حبته تعادل نصف قيمة القطري، واللؤلؤ المقعد وخماناخ «٢»، والأصفر القطري «٣» المدحرج واللازك والورديّ والمضرّس واللباني مما لم يشاهد مثله. فقطعت البنت عقدها هذا ووضعته في طبق وأعطته إلى أبيها قائلة: اذهب إلى الخليفة وبعد التمهيد وتقديم الاعتذار قل له: لقد كان في بيتنا فلفل أبيض، لكن لما حل ظل راية الخليفة على هذه البقاع، وتحول الليل إلى نهار، وهزم الإقبال الإدبار، تحول الفلفل الأبيض إلى لؤلؤ قطري رطب. حفظ حمويه وصية ابنته وذهب إلى الخليفة الذي رحب به وقال:
إذا الله سنّى عقد شيء تيسّرا «٤»
[ ١٤٩ ]
ولم ينقص من تلك الضيافة شيء وكان الختام أحلى من البدء، وأمر الخليفة بوضع خراج كهناب وقرية عبد الرحيم عنه، وكان عبد الرحيم هذا ابن حمويه، كما كان لحمويه هذا قرية قرب نيسابور تدعى حمويه آباد.
وفي العام مئتين واثنتين من هجرة النبي ﵇، عندما كان المأمون متوجها إلى بغداد، قتل وزيره ذو الرئاستين، الفضل بن سهل في الحمام بمدينة سرخس، [٤٩] وسقي علي بن موسى الرضا (الإمام علي بن موسى الرضا ﵇) السم بسناباد طوس «١» .
وقد قصد المأمون بغداد، بعد أن بايع أهل بغداد ابن عمه إبراهيم بن المهدي، بسبب تعيين المأمون عليّ بن موسى الرضا ﵇ خليفة ووليا للعهد؛ وقد اجتاز المأمون ببيهق، وأقام فيها مدة، حيث نزل بأعلى الرستاق في قرية نزل آباد، وأنقص جزءا من خراج بيهق، وتوجه من هناك إلى جرجان، فحكم وعدل، ولما رأى جرجان بلدة ممطرة موحلة، قال: أخرجوني من هذه البقعة البوّالة الرشاشة، وأنقص من خراجها، وتوجه إلى الري، وأسقط من خراجها ألف ألف درهم مرتين، والله أعلم.
فصل: كان المسجد الجامع لقصبة سبزوار قد خرّب على عهد حمزة بن آذرك الخارجي، وكان الناس يذهبون إلى خسروجرد لصلاة الجمعة والأعياد، وكان في القصبة امرأة متمولة متوطنة فيها، وحدث في يوم من الأيام أن تنازع أهل خسروجرد مع أهل قصبة سبزوار حول رؤية الهلال، وقالوا: إن اليوم ليس عيدا لدينا، فتشاور
[ ١٥٠ ]
المشايخ وقالوا: ربما كان بستان هذه المخدرة المتموّلة يحل هذه المعضلة، ونهضوا، وذهبوا إلى باب قصرها، فسمعوا صرير مغزلها، فقالوا لبعضهم: إننا لن نغنم منها شيئا، إلا أنهم عرضوا الأمر عليها، فقالت تلك العجوز رحمها الله؛ أخبروني كم سيكلّف بناء المسجد، لكي أكتب ذلك في شهادة الوقف، وكم سيقطع من أشجار هذا البستان لتشييد سقوف المسجد، وعن مقدار أجور الأجراء والفعلة لأدفعها.
فقال القوم: شكر الله سعيك، إن ديانتك هي التي جعلتك سخية، وجودك قد أخذ المعنى من جود معن، ولكن ما الذي دعاك إلى الغزل مع هذه الهمة والديانة التي جعلتك تقرئين الفاتحة على الشباب وتخلعين ثوب حب الدنيا وتختارين الآخرة لك عنوانا؟
فقالت: بلغني حديث عن المصطفى صلوات الله عليه [٥٠]- وكنا قد روينا هذا الحديث في بداية هذا الكتاب عن المهلب بن أبي صفرة «١» -، وأنا أرى التبرك بهذا الحديث واجبا، والأمر الآخر، إن غاية صلاح المرأة في جلوسها، وليس هناك من عمل يعين على الجلوس إلا الغزل.
وقد بنوا هذا المسجد في التاريخ الذي كان فيه المعتمد على الله خليفة، وحاكم خراسان الأمير أحمد بن عبد الله الخجستانيّ. وقد رأيت المنبر الذي كتب عليه اسم أحمد الخجستانيّ وتاريخ سنة مئتين وست وستين، وإلى عصرنا هذا كان هناك منبر أسود مصنوع من خشب الآبنوس، وعضادتاه من خشب الجوز المصبوغ باللون الأسود، وقد أخذ- بعد ذلك- العميد عبد الرحمن بن إسماعيل بن حسين الدّهّان ذاك المنبر، ووضع بدلا منه المنبر الموجود الآن، وذلك في شهور سنة خمس وخمس مئة.
وقد جدّد الأمير أبو الفضل الزّياديّ عمارة هذا المسجد بصورة لائقة، في شهور
[ ١٥١ ]
سنة سبع عشرة وثلاث مئة، وما زال أثر من تلك العمارة باقيا إلى الآن، أما بناء منارته، فقد أعطى السهم الأول من تكاليفها- وقدره ألف درهم- الشيخ أميرك الكاتب، إلى الشيخ أبي نعيم أحمد بن علي «١»، الذي تكفل بإعطاء الباقي من ماله الخاص، وصك التسليم، وورقة الحوالة المذكوران هما الآن عندي، وكان إعطاء الشيخ أميرك المال المذكور في سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، ثم إن المنارة المذكورة سقطت مرة أخرى بعد ذلك في الزلزال الذي حدث عام أربع وأربعين وأربع مئة.
وكان بدء عمارة تلك المنارة، أنهم بنوها حتى وصلوا بها إلى الحجرة، ثم تركوها عاما كاملا، وقيل إن السبب في ذلك، أنهم أرادوا للمنارة أن تستقر وترسخ طيلة هذه السنة، ولا يظهر فيها الخلل.
وقد قام الشيخ أميرك النّزلاباديّ في سنة أربع وستين وأربع مئة بتشجير المسجد؛ وكان فضاؤه مفتوحا قبل هذا، فأتم الشيخ أميرك [٥١] على هذه الهيئة عمرانه.
وكان الأمير أبو الفوارس شاه ملك بن علي البرّانيّ، في بداية دولة آل سلجوق، قد هاجم القصبة- قصبة سبزوار- بجيش جرار، وأشعل فيها نيران الحرب، وقد رأيت بنفسي أولئك الشيوخ الذي شهدوا تلك الحرب، فذكروا أن شيخا له مئة عام من العمر يدعى أبو عليك الحذّاء، ذهب مرة حافيا لقضاء حاجته، وكان أحد العساكر التّرك كامنا برمحه الخطّيّ، فرمى ذلك الشيخ برمحه، فأصاب قدمه، فهبّ الشيخ واقفا، ولشدة فزعه، سقط على الأرض، فانكسر الرمح إلى قطعتين في قدمه، فأمسك القطعة المكسورة وبقية الرمح، وكرّ على التّركيّ الذي هرب إلى شاه ملك، وشرح له ما وقع، فقال شاه ملك، إن أرضا يركل فيها شيخ عمره مئة عام رمحا خطيا فيكسره، لا يمكن أخذها بالحرب، وعاد يائسا دون أن يصل إلى هدفه:
[ ١٥٢ ]
وجيش تكون أميرا لهم قصارى أولئك أن يهزموا «١»
وكان لقب شاه ملك هو خوارزم شاه حسام الدولة ونظام الملة، وقد ورد القصبة وحاصرها بعد أن حلّت به الهزيمة على أيدي الخوارزميّة، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة، وفي شهور سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة، تجمّع لفيف من مدن طوس وأسفرايين وجوين، واتجهوا نحو القصبة، بعد أن تبايعوا على تخريب تلك البقعة، وتدمير قنواتها، إلا أن أهل القصبة بعثوا طالبين العون من أهالي ربع كاه، وربع ديوره، فهبوا لنجدتهم يتقدمهم رئيس المقاتلين، الذي قاد جموع المحاربين الذين رضعوا الملاحم في المهد من ثدي الطعن والضرب، ففرقوا جموعهم:
وإذا ما أتوك بالخيل فاعلم أنّها عدّة ليوم الفرار
وفي شهور سنة ست وتسعين وثلاث مئة، هاجم القصبة جيش من الرماة بقيادة أحمد توانكر، حيث التجأ الناس إلى القلعة، وتواصلت الحرب شهرا كاملا، إلى أن رمى أحد غلمان الشيخ أميرك الكاتب البيهقيّ «٢» بسهم، فأصاب أحمد توانكر فقتله [٥٢]، فكان ذلك السهم- بتقدير الله- رسول أجله، وقد دفنوه في أعلى قرية إيزي، وتفرق جيشه.
ومن ظنّ ممن يلاقي الحروب أن لا يصاب فقد ظنّ عجزا «٣»
وفي غرة صفر من سنة أربع وأربعين وأربع مئة ابتدأ وقوع الزلازل في بلدة بيهق وخاصة في ربعها، وتواصلت طويلا، بحيث لم يتمكّن الناس من الإقامة في مساكنهم
[ ١٥٣ ]
مدة أربعين يوما بلياليها، وقد خرب كثير من المساكن والمواطن.
وكان زحل في تلك السنة في برج الدلو، ودخل في برج الحوت، وكان المشتري في الثور، والجوزاء والمريخ في الأسد قبالة زحل، وقال بعض الأفاضل في وصف تلك الزلزلة:
زلزلة زلزلت بها كبدي حلّت بأعلى محلّة البلد
هم يرصدون الحياة دانية لكن صرف الزمان في الرّصد
وقال نصر بن يعقوب «١»:
يا سعد إني أرّقتني رجة ماجت بها الأرواح في الأجسام
ماجت بها الأرض الفضاء كأنها فرس تنفّض بعد نزع لجام
وقال بعض فضلاء بيهق «٢» من قصيدة فيها:
تتابعت الأنباء من أرض بيهق يحدث عنها طول ليلي سميرها
بأن مغانيها تداعت وزلزلت وطحطح منها بالقبيل دبيرها
وأضحت بقيعا صفصفا بعد أنسها وصارت خرابا دورها وقصورها
وقد خلت الأسواق من كل سوقة ولم ينج في دار الأمير أميرها
[ ١٥٤ ]
ولقد رأيت أنا كثيرا من الشيوخ الذين شاهدوا هذه الحادثة، وأرخوها، وقد دعيت تلك السنة بسنة الزلزلة.
[٥٣] وكان للقصبة سور، ارتفاعه أقل من قامتين، وكان الرمح يصل إلى أعلاه، كما يصله سيف الفارس الممتطي صهوة جواده، ولكنه كان محكما ومترسا، وقد أمر الوزير الشهيد نظام الملك ﵀، بالإبقاء على أسسه، على أن يبنى بارتفاع أعلى، وذلك في سنة أربع وستين وأربع مئة، إلا أن الملك المعظم، عضد الدنيا والدين، أرسلان أرغون بن ألب أرسلان «١» أمر بتخريب ذلك السور في صفر من عام تسعين وأربع مئة:
وكل حصن وإن طالت سلامته على دعائمه لا بدّ مهدوم
وقد بناه بعد ذلك الوزير مجد الملك، مشيد الدولة، أسعد بن محمد بن موسى القمّيّ ﵀ «٢»، على يد العميد صفي الدين أبو سعد الفضل بن علي
[ ١٥٥ ]
المزينانيّ «١»، بأن مضى به صعودا على نفس أسسه الأولى حتى بلغ به حد الكمال.
أما طالع بيهق فهو برج الثور- كما ورد في كتاب طوالع البلدان «٢» - الدرجة الثالثة عشر، حيث زحل مع ذنبه في الدلو، والمشتري في الحوت، والمريخ في الجدي مع الشمس، والقمر وعطارد مجموعان في الجدي، والزهرة في الدلو، والله أعلم.
فصل: وقد خطب داود بن ميكائيل بن سلجوق باسم السلطان ألب أرسلان محمد بن جغري «٣» بيك، في القصبة، يوم الجمعة، العاشر من المحرم، سنة خمس وخمسين وأربع مئة.
وكان ملك البلغار وتلك النواحي التي تدعى بمجموعها البلغر، الأمير أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن يلطوار «٤»، قد رأى في المنام، وهو في بلدته، في سنة خمس عشرة وأربع مئة من قال له: يجب عليك أن ترسل مالا إلى نواحي نيسابور، إلى بيهق لكي ينفق على المسجد الجامع بسبزوار وخسروجرد، ويصرف في عمران الجامعين المذكورين، فأرسل مالا وافرا، وقام ملك خراسان من جانبه بإرسال هدايا نفيسة له لم ير أحد مثلها، وكانت من عجائب الدنيا، كما أنفق ذلك المال في عمران الجامعين المذكورين في نفس التاريخ. رحمة الله عليهم أجمعين.
[ ١٥٦ ]
القسم الثاني باب في ذكر البيوت القديمة والشريفة في هذه البلدة
[ ١٥٧ ]