هو نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق، وكان أبو إسحاق دهقانا من قرية أنكو وتقع في أعلى الناحية، وكانت تلك البقعة عامرة بسبب الديانة والصيانة، وكانت قلوب الرعايا مسرورة لوجوده والصعب لديه سهل:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله «١»
[ ١٨٢ ]
وكان له أربعة أبناء: أبو الحسن علي بن إسحاق، وأحمد، ومحمد، وأبو نصر.
انتقل أبو نصر إلى الدار الآخرة وهو طفل.
وأما أبو الحسن هذا فكان الابن الأكبر لأبيه، وكان ماء عمره منذ أوائل أيام شبابه صافيا، قرأ الدهر عنوان كتاب سعادته، ورسم قلم الدولة في دفتر التمكين والقدرة خطوط الإقبال باسمه:
إن الهلال إذا رأيت نموّه أيقنت أن سيصير بدرا كاملا «١»
وكان لأبي الحسن هذا ثلاثة أبناء: الأول نظام الملك الحسن أبو علي، والثاني الفقيه الأجل أبو القاسم عبد الله، والثالث: أبو نصر إسماعيل.
أما أحمد بن إسحاق فهو ابن أبي علي بن أحمد بن إسحاق [٧٤] ولم يكن لأبي علي عقب.
وكان محمد بن إسحاق نجل الشيخ أميرك النّزلاباديّ، ودعي بأميرك القريب، وله أبناءهم: علي بن محمد بن إسحاق، ومنصور بن محمد بن إسحاق، وشاه بن محمد بن إسحاق. قال البارع الفضلويّ الهرويّ «٢» في مدح نظام الملك:
* إن الوزير نظام الملك وزير معظم وهو سيف الدين وسيد ولد آدم
أرجو من الله القادر أن يبقيه بعد بقاء الجميع لأن عمره سبب أمن العالم والعقب من نظام الملك من الأولاد: فخر الملك المظفر، وجمال الملك أبو جعفر محمد، وقوام الدين أحمد، الذي كان مقيما ببغداد، وعثمان بن نظام الملك، والأمير بهاء الملك أبو الفتح عبد الرحيم، وعز الملك الحسين، ومؤيد الملك أبو بكر عبيد الله، وعماد الملك أبو القاسم، أعقابه بطوس، والأمير منصور وأعقابه في الري.
وكان له بنات: واحدة في حبالة الأمير محمد الفراتي، وأخرى في حبالة السيد الأجل بالري، وثالثة في حبالة الأمير أبي الحسن ابن الفقيه الأجل، ورابعة في حبالة
[ ١٨٣ ]
ابن عزيز جوين.
وكان لأبناء نظام الملك في صدر الوزارة قدرة نفاذ الأمر والنهي، ارتقى بهم سعود أفلاكهم إلى الإقبال والسعادة، وغسلوا وجه الدهر من غبار الظلم، فكتبت أسماؤهم في جرائد أكارم الوزراء.
فقد تولى فخر الملك الوزارة للسلطان بركيارق والسلطان سنجر رحمهما الله.
وكان أحمد في بغداد بالوزارة العظمى بدار الخلافة، حيث امتنعت به وزارة السلطان محمد بن ملك شاه.
وكان عماد الملك في وزارة الملك بوري برس بن ألب أرسلان، حيث رقمت الإمارة والوزارة بنعوته وصفاته. كما كان مؤيد الملك وزيرا للسلطان محمد «١»:
يا وزير بن وزير بن وزير نسقا كالدر في نظم النحور
كلكم بين أمير ووزير ربّ ديوان وثغر وسرير
والعقب من فخر الملك المظفر بن نظام الملك: صدر الدين محمد، والأمير إسحاق وناصر الدين [٧٥] طاهر، والأمير أبو الحسن علي، والأمير جمال الملك يوسف، والطاهر، وأبو الحسن، ويوسف «٢»، ذوو الجمال الذي به الأرواح منتعشة، والقلوب قائمة؛ لبسوا ديباج الملاحة، وتفتق من جيوبهم قمر الصباحة:
وكأن يوسف في الجمال أقامهم خلفاءه في دهرنا من بعده
وتولّى صدر الدين محمد «٣» الوزارة، وجاء إلى بلخ في سنة إحدى عشرة وخمس مئة.
[ ١٨٤ ]
وناصر الدين الذي قضى عشرين سنة شمسية في الوزارة، مع نفاذ الأمر والقدرة، وزر للسلطان سنجر أعظم السلاطين وكان غائبا؛ وللسلطان سليمان، وكان يجلس في ديوان واحد ويصدر التوقيع، وقد ذكرت تفاصيل ذلك في كتاب مشارب التجارب الذي ألفته في التاريخ.
والعقب من الوزير الأجل ناصر الدين محمد: صدر الدين، وقوام الدين الحسن، وشهاب الدين أحمد.
أما قوام الدين الحسن بن ناصر الدين الذي شغل منصب الوزارة للسلطان سليمان، وللسلطان محمود خان بالنيابة فقد أقام في بيهق منذ سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة وإلى يومنا هذا. والعقب من الفقيه الأجل أبي القاسم عبد الله شقيق نظام الملك:
الإمام الوزير شهاب الإسلام عبد الرزاق، والأمير أبو الحسن طاهر، وبنت كانت في حبالة الرئيس الأجل ضياء الدين شمس الأمراء زين المعالي أبي الحسن علي بن الحسين بن المظفر بن محمد الجشميّ، وكانت والدة الأمير الرئيس الأجل السعيد ضياء الدين محمود ﵀.
ومن عائلة نظام الملك، هذا العرق النزاع.
ومن أبناء الشيخ أبي نصر أخي نظام الملك، جماعة باقية في أسفل قرية ششتمد.
ومن أبناء مقدم الرؤساء منصور: شمس الرؤساء أبو الحسن علي، والإمام بدر الدين محمد الحاج والزاهد والسخي والمفضل، وجمال الرؤساء أبو علي [٧٦] الحسين، ولم يبق من أعقابهم أحد، وقد وجد الانقراض والانقطاع طريقه إلى نسلهم وأعقابهم، إلا ما شاء الله ممن في الزوايا، عجوز تترقب الموت مع اختلال الحال، وقلة المال.
وحينما عزل عميد الملك عماد الدين أبو نصر الكندريّ، ثم قتل في مروالرود «١»، استقرت الوزارة لنظام «٢» الملك، يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة خمس
[ ١٨٥ ]
وخمسين وأربع مئة، وكانت مدة وزارته ثلاثين عاما تقريبا.
قتل نظام الملك بالوجاء، وجأه واحد من أصحاب القلاع، في العاشر من شهر الله المبارك رمضان سنة خمس وثمانين وأربع مئة بأصفهان.
وكانت ولادته في سنة عشر وأربع مئة، وطالعه الميزان، والسماك على درجة طالعه، والشمس في الحمل هاه، والقمر في الثور ح هـ، وزحل في الجدي، والمشتري في السرطان، والمريخ في الحمل، والزهرة في الحوت، وعطارد في الثور، والله أعلم.
قال البارع الفضلويّ «١» في رثاء نظام الملك:
* كان إقبال نظام الملك في ازدياد وكانت وزارته ميمونة على الخلق
وأمان الدنيا مقرون بيمنه فالآن وقد رحل أخشى أن تكون القيامة قد أزفت
وكانت مدة بقاء السلطان ملك شاه من بعده، كحسوة الطائر، وزورة الزائر، وقد سقي سما على يد خادمه- وكان ذلك السم شحم أرنب بحري «٢» - فانتقل إلى جوار رحمة الحق تعالى، في شوال سنة خمس وثمانين وأربع مئة، وكان بين قتل نظام الملك ووفاة السلطان ملك شاه أقل من أربعين يوما رحمهما الله.
قال البارع الهرويّ في رثائهما:
* ذهب من كان ملكا على ملوك العالم وكان قدره الفلك لسموّ رفعته
غادرنا برفقة صدر العالم في سفره فواحسرتاه، كان ذهابهما على حين غرة
[ ١٨٦ ]
وكان قتل فخر الملك في عاشوراء سنة خمس مئة «١»، وأنا أتذكر [٧٧] ذلك، حيث كنت آنذاك في عهد الطفولة أدرس في الكتّاب بنيسابور.
وقد توفي الفقيه الأجل أبو القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق «٢»، في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وأربع مئة في مدينة سرخس، حيث كان ابنه شهاب الإسلام «٣» محبوسا في قلعة ترمذ آنذاك.
أما الشيخ أميرك النّزلاباديّ الذي مرّ ذكر نسبه، فقد انتقل إلى جوار رحمة الحق تعالي في صفر سنة ثمان وستين وأربع مئة وهو جدّ السيد الأجل العالم الأطهر بهاء الدين فخر الإسلام رئيس النقباء علي بن أبي القاسم الحسينيّ الفريومديّ «٤»، وجدّ الإمام ظهير الدين أبي المكارم عبد الملك بن شهاب الإسلام، وجدّ صفي الدين الحسن بن شمس الرؤساء علي بن منصور بن محمد بن إسحاق «٥» .
ومات الشيخ الرئيس شاه أخوه، في ذي القعدة سنة تسع وسبعين وأربع مئة.
ومات شمس الرؤساء أبو الحسن علي في رمضان سنة تسع عشرة وخمس مئة «٦» .
ومات أخوه الرئيس الإمام بدر الدين محمد «٧» في طريق الحج سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة ودفن ببغداد في مقابر قريش. قال السيد الأجل العزيز بن هبة الله «٨» يرثيه:
[ ١٨٧ ]
*
إن البدر الذي دخل المحاق بمرحلة واحدة أسلم روحه في طريق العراق
كان هجرة جزئيا إلا أن فراقه كلي هلّ من الهجر وغاب في الفراق
من أعقاب نظام الملك في عهدنا نصير الدين أبو الفضل نصر بن أحمد بطوس «١» .
وببغداد أخوه نظام الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن نظام الملك، وأخوه شهاب الدين أفضل العالم أبو نصر محمد بن نظام الملك.
وفي أصفهان: ظهير الدين أبو الحسن علي بن عثمان بن نظام الملك، وأبناء صدر الدين أبي الحسن بن فخر الملك: أبو الفتح محمد، وأبو بكر، وأبو المفاخر عثمان، وعلاء الدين أحمد، وكمال الدين يوسف.
وفي هراة: علاء الدين أبو علي الحسن بن مسعود بن مؤيد الملك بن نظام الملك.
وفي جوين: مسعود ومحمد ابنا إبراهيم بن جمال الملك.
ومن أبناء جمال الملك: الأمير ظهير الدين أبو سعد بن أحمد بن جمال الملك، ولم يكن له ولد، توفي في سبزوار من علة الفالج والسرسام «٢» في ليلة الجمعة الثاني عشر من شعبان سنة تسع [٧٨] وأربعين وخمس مئة.
ومن أولاد جمال الملك وأحفاده بالشادياخ وكليان: صدر الدين مسعود وأخوه تاج الدين محمود ابنا علاء الدين محمد، ومحمود بن تاج الدين أخوه، وكلاهما كريم الأطراف، وأمهما بنت قاضي القضاة شمس الدين محمود بن شيخ الإسلام قاضي القضاة محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد، وأم أمهما بنت الرئيس جمال الرؤساء أبي
[ ١٨٨ ]
علي الحسين بن المظفر رئيس بيهق.
ومن أبناء قوام الدين أبي بكر رئيس خراسان ﵀: ركن الدين الحسن، وعلاء الدين عثمان، وبهاء الدين مسعود، ومؤيد الدين يوسف، وصدر الدين يعقوب، وعمدة الدين علي، وعز الدين أبو الفتح محمد، ونصير الدين محمود، ومعين الدين أبو القاسم عبد الملك.
مات قوام الدين رئيس الشرق أبو بكر محمد بن طاهر بن عبد الله ﵀ بقصبه جشم أواخر رمضان سنة ست وخمسين وخمس مئة غفر الله له وقدس روحه.
وكانت ولادته في شهور سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة.
وتوفي ركن الدين الحسن في شهور سنة ستين وخمس مئة، بنيسابور، ﵀.
عدنا إلى التاريخ والقصة: ثم إن إسحاق الدّهقان عندما أشرف من بحر الحياة الدنيا على ساحل الفناء، جاء بخمسة آلاف درهم (دينار) محمودي وقال: لم أستطع طيلة حياتي وبكل الوسائل أن أجمع أكثر من هذا، ثم أودع ذلك المبلغ لدى أبي الحسن، وجعله وصيا وأودع لديه أولاده، وأسلم روحه إلى قابض الأرواح، وكان عمره خمسا وتسعين سنة.
اتصل الشيخ أبو الحسن بخدمة صاحب الديوان عميد خراسان أبي الفضل سوري بن المعتز، فكانت خدماته على منهاج الاستقامة وأدب الصدق والصواب، إلى أن ولّاه أبو الفضل سوري بن المعتز «١» أعمال وبندرة «٢» طوس [٧٩]، وقد خاض في ذلك العمل سنين، وتزوج هناك، وكانت ولادة نظام الملك في أرض طوس، قال الشاعر:
* كان كل وزير وعالم وشاعر كنظام الملك والغزالي والفردوسي
[ ١٨٩ ]
وقد حصلت السعادة بتلك الولادة، ورتبت بالتربية، واختصت برضاع الاصطناع في قماط الاغتباط، بواسطة قابلة الإقبال، وداية الهداية.
وكانت بداية دولة آل سلجوق قد جلبت نهاية ملك المحموديين، حيث انكسر مال الخراج، وكانت أعمال طوس من المدن التي انكسر فيها.
وقد استحصل سوري خمسين ألف درهم من الشيخ أبي الحسن، واستوفى منه كل ما لديه من ضياع وعقار وأثاث مما قدر بثلاثين ألف درهم، بينما سجل الباقي عليه قبالات «١»، ثم فرّ سوري إلى غزنين، وجاء الشيخ أبو الحسن إلى بيهق مع نظام الملك، الذي كان فيه حنكة الشيوخ مع كونه طفلا، وبرد شبابه كان طراز الكبر، وثوب صباه علم الكياسة والشهامة. روى جدي شيخ الإسلام أميرك ﵀، بأن رئيس هذه الناحية في ذلك الوقت، كان الرئيس حمزة بن محمد بن الفقيه الرئيس أبي عبد الله محمد بن يحيى، بينما كانت دار رئاسة خسروجرد في قصر شرف الرؤساء أبي عبد الله محمد بن حمزة. وفي ذلك الوقت، كنت قد طلبت إعفائي من منصب القضاء، بسبب الاضطراب والفترة، ثم جئت إلى بيهق. وفي يوم من الأيام ذهبت إلى الرئيس حمزة، لأداء آداب التحية والسلام، وقد رأيت الشيخ أبا الحسن البندار في وسط السوق جالسا في أحد الدكاكين، وكان معه نظام الملك، الذي كان في عهد الصّبا تهبّ عليه نسمات صبا الشهامة، فقال لي: إنني انتظر هنا منذ الصباح الباكر ولم أعط إذنا بالدخول.
فما كان مني إلا أن دخلت وسألت الرئيس حمزة، وكان مما قلته أثناء كلامي:
إن الشيخ أبا الحسن كان صاحب دولة، وكان من الكفاية والهداية رئيسا على رأس العصر، فأبعده عقال العلل عن إقدام العمل، وهو اليوم [٨٠] تعب بضربة النوائب، مقطوعة علائقه بالدولة بسبب شربه شراب المصائب؛ حتى ابتلي بذل الحجّاب،
[ ١٩٠ ]
خاصة وأنه قد قطع المسافة من نزلاباد إلى هنا، وذلك غير لائق بكرمه وسيادته، فإن الحرّ يخاف بواب الدار، كما يخاف عذاب النار.
فقال لي الرئيس حمزة: صدقت فيما نطقت؛ لكنني رأيت عن طريق التفرّس في ذلك الولد، أن وجهه عنوان رسالة الإقبال، وأراه- أي ابنه- لتكبره بتلك الدولة التي لم تقم بعد كمن ضمّه جبريل تحت جناحه، وتلألأت الشمس المشرقة على مفرق رأسه:
لا تسأل المرء عن ضمائره في وجهه شاهد من الخبر «١»
وطبعي لا يسمح لي بمجالسته؛ فلو كان الشيخ أبو الحسن يأتي وحده لكان عزيزا مكرما، ولما نازعه البواب بالمنع. ثم إن الشيخ أبا الحسن جاءه وحده، وودّع الرئيس حمزة قائلا: سأذهب إلى غزنين لحقوق لي من الممالحة والمجالسة مع الوزير أحمد بن عبد الصمد العبّاسيّ، ولخشيتي من جباة الضرائب أن ينزلوا على رأسي كما تنزل اللعنة على إبليس بغتة. ثم ذهب إلى غزنين.
واتفق أن وصل الشيخ أبو الحسن البندار في كنف السلامة إلى غزنين، وفي الحال رأى ضرورة الاستحمام لإزالة الأوضار والأوساخ والأدناس ووعثاء السفر، وعندما فرغ، وصل إلى الحمام سوري مع غلمانه، فعرفه سوري وقال: أتتك بحائن رجلاه «٢»، ثم أمر بإلقاء القبض عليه، فقال:
أتغلق باب السجن دوني وهمّتي إذا هبطت أوفت على مطلع النسر
لقد رضت أوصال الزمان وإن طغى ولكنها الأقدار تجري كما تدري
وكان الوقت آنذاك في شهر رمضان، فلما حان وقت صلاة العشاء ومدت مائدة
[ ١٩١ ]
الإفطار، أحضروا الشيخ أبا الحسن البندار، فجلس وقد عزل نفسه إثر ما لاقاه من المشقة، مانعا نفسه من تناول الطعام.
واتفق أن التفت إليه سوري، فقال أيها الشيخ! إن الصفاء على الإفطار شرط في رمضان، فرد الشيخ أبو الحسن: لم يبق مجال للغذاء، لأن الطبيعة والمزاج متلاشيان، والقلب محترق، والحيرة قد استولت على الفكر، ثم ما حاجتي إلى الغذاء ولم يبق لي إلا الوقت القليل للوصول إلى الآخرة؟ وزاد الآخرة ليس الطعام والشراب، بل الإيمان والعمل الصالح والتوبة والإنابة، إن كل الذي جمعته طيلة حياتي، قد أخذته مني لأجل سد النقص الحاصل في الأموال المنكسرة، كما تريد منّي خمسين ألف درهم، وأنا ليست لي القدرة على جمعها وأدائها، بل إنه مما لا يقدر سعي الناس عليه:
ومن لم ير الإيثار لم يشتهر له فعال ولم يبعد بسؤدده ذكر
وإن الذي أعطي عقله ثمرة التمييز، ووجهه النور المتلألئ وأفعاله علامة الرئاسة، يعذرني من تناول الطعام:
لو كنت تعلم ما شجوي وما شجني رقّت عليّ حواشي قلبك الخشن
فنادى سوري بفظاظة طبعه وغلظته على الدواتي أن يحضر الخريطة «١»، فقابل الدواتي الأمر بالانقياد والامتثال، فمزق سوري من تلك القبالة مقدار عشرين ألف درهم [٨٢] ورمى الورقة أمام الشيخ أبي الحسن وقال: إن هذا المبلغ لا يستحق من الرجل الامتناع عن الطعام، وإن أحرم أنا من مؤاكلته.
فقال الشيخ أبو الحسن: يا عميد خراسان! لقد زينت وجه العظمة بنور كرمك، ونشرت بالمحامد والمآثر سماء المعالي، وكانت مناقبك النجوم الثواقب لدروع الأيام:
ولبست منك مواهبا منشورة لو كنّ في فلك لكنّ نجوما
[ ١٩٢ ]
وجعلت تلك الليلة ليلة عيد سعيد بالأمل الواسع والقلب الجذلان.
وفي يوم آخر قررت عرض المسألة على الوزير، وذهبت إلى الديوان ووقفت بحيث تراني عين الوزير، فتأمل فيّ الوزير ساعة ثم طأطأ رأسه، فقلت صارت المعرفة نكرة:
نسيتم أخلائي عهودي كأننا على جبلي نعمان لم نتجمّع
وأردت العودة، إلا أن أحد الخدم جاء وأخذني إلى البيت الخاص بالوزير، الذي ما أن انتهى من عمله حتى جاء وأظهر لي ما كان ينبغي من الإكرام وقال:
تذكّر ليلى وعهدا قديما وملكا كبيرا وفوزا عظيما
وقال سقى الله عهدا تولّى فأبلى شبابا وأفنى نعيما
زمانا كألفاظ سعدى صحيحا فعاد كألحاظ ليلى سقيما
وعرضت عليه المسألة، فقال: غدا، عندما تتلألأ الشمس بأشعتها الذهبية، وتعود شياطين الظلمة إلى سجن الأرض، ويأتي الشيخ سوري إلى الديوان ليخدم الحق، فتعال أنت على أثره، لكي يصيبك منه الإكرام والإنعام الذي تستحقه، وأشكره- الوزير سوري- بلغة يعجز عن بلوغ نهايتها وغايتها البنان والبيان، ولا تصل القدرة الإنسانية والاستطاعة البشرية إلى درك جملها وتفصيلها [٨٣] لأن شكر شجرة البستان، ثمرته المزيد من الإحسان، وسوري في يومنا هذا هو من أشد الناس فقرا في هذه الدولة التي شارفت على نهايتها، ولا يمكن مخاطبته بلغة الزجر والتأديب.
فقال الشيخ أبو الحسن: فعملت طبق وصيته، ونظمت درر عقد ذلك الشكر، فلما خرج سوري قال لي: أيها الشيخ! أتشكر نعمة لم أنعم عليك بها بعد؟ فأية حالة عجيبة، وصفة بديعة هذه؟
أسأنا إليكم ثم أنتم شكرتم إساءتنا، هذا لديّ عجيب
وإن امرءا يهدي إليك كرامة وبرا ويرعى حقكم لمصيب
[ ١٩٣ ]
ثم إنه عوّضنني عن الثلاثين ألف درهم التي كان قد أخذها مني، وانتهت تلك المسألة على أحسن وجه، ونجوت منها نجاة السيف من يد الصيقل.
وكان غرضنا من تقرير حال الشيخ أبي الحسن على سبيل التفصيل لكونه من بيهق، ومن قرية أنكو، وهو أبو الفقيه الأجل؛ والفقيه الأجل هو جد الأمير الرئيس الأجل ضياء الدين محمد بن علي بن الحسين بن المظفّر «١»، ويوجد من هذه الأسرة في هذه الناحية- بيهق- فرع شامخ.