استنادا إلى ترجمة حياته التي كتبها بقلمه في كتابه مشارب التجارب ونقلها ياقوت في معجمه، يقول البيهقي:
«ومولدي يوم السبت سابع عشرين شعبان سنة تسع وتسعين وأربع مئة «٣»» .
ولكن هذا لا يتفق وقوله الذي ذكره في تاريخ بيهق عند ذكره حادثة مقتل الوزير فخر الملك بن نظام الملك: «كان مقتل فخر الملك في عاشوراء سنة خمس مئة، وأنا أتذكر ذلك، فقد كنت في عهد الصبا في الكتّاب بنيسابور» «٤» .
[ ١٣ ]
كان أول من حاول إيجاد مخرج من هذا التناقض هو السيد محمد مشكاة الأستاذ بجامعة طهران «١» حيث قدر أن يكون عمر البيهقي وهو طالب في عهد الصبا، يتراوح بين ١٢- ١٣ سنة، واحتمل أن تكون ولادته قد حدثت خلال السنوات من ٤٨٧ إلى سنة ٥٠٠ هـ، ثم أتخذ من قول البيهقي المذكور لدى ياقوت من أنه ولد في «يوم السبت ٢٧ شعبان» منطلقا ليبحث في جداول فرديناند وستفلد التاريخية عن هذا التاريخ الذي يكون فيه يوم السبت مصادفا للسابع والعشرين من شعبان خلال السنوات من ٤٨٧ حتى ٥٠٠ هـ، فوجده ينطبق على يومين:
السبت ٢٧ شعبان سنة ٤٨٨.
السبت ٢٧ شعبان سنة ٤٩٣.
ولما وجد السيد مشكاة نفسه أمام هذين الرقمين (٤٨٨ و٤٩٣)، ورأى أن الرقم ٤٩٣ منها شبيه بالرقمين ٤٩٠ و٤٩٩، اختار منهما الرقم ٤٩٣ وقال إن الظن القوي يتجه إلى أن تكون ولادته قد حدثت في يوم السبت السابع والعشرين من شعبان سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة، وان عمره يوم قتل فخر الملك (العاشر من المحرم سنة ٥٠٠) كان ست سنوات وأربعة أشهر وثلاثة عشر يوما. انتهى كلامه.
ومنذ ذلك الحين اتخذ تاريخ ولادته الذي استنبطه السيد مشكاة، مسلّمة لا نقاش فيها لدى الباحثين في حياة البيهقي «٢» غير عابئين بما ذكره فصيح الخوافي من أن البيهقي
[ ١٤ ]
عند إكماله تاريخ بيهق سنة ٥٤٤ هـ «كان له من العمر أربع وخمسون سنة»، وهذا يجعل ولادته قد حدثت سنة ٤٩٠ هـ، ويبدو أن السبب في عزوف السيد مشكاة عن هذه السنة هو عدم وجود يوم سبت فيها يقع في السابع والعشرين من شعبان. ولكن أليس ممكنا أن يكون التصحيف قد نال أيضا من «سابع عشرين شعبان» الواردة لدى ياقوت؟
نرجح بما يقرب من اليقين- إن لم يكن هو اليقين عينه- أن صواب العبارة هو:
«ومولدي يوم السبت تاسع عشر من شعبان سنة تسعين وأربع مئة»، وان ناسخ المخطوطة قد أخطأ في كتابة «تاسع عشر من» فكتبها «سابع عشرين» وهي قريبة منها في الرسم، هذا أولا، وثانيا أخطأ في السنة فكتب «تسع» ثم استدرك فكتب «تسعين» ولكنه نسي أن يشطب الكلمة الأولى «تسع» فظلت الكلمتان متجاورتين مما حدا بناسخ آخر إلى أن يضع بينهما واوا حيث أصبحتا «تسع وتسعين» وهو رقم مغلوط بكل تأكيد. فكما مر بنا، لا يعقل أن يكون عمره سنة واحدة عند ما كان تلميذا في الكتّاب يوم قتل فخر الملك سنة ٥٠٠ هـ. وندعم ما نذهب إليه بما يلي:
١. قال فصيح الخوافي ضمن ذكره حوادث سنة ٥٤٤ هـ: «إتمام تاريخ البيهق (كذا) الذي كتبه أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي.. في محرم السنة المذكورة وهو ابن أربع وخمسين سنة» «١» . وذلك يعني أن فصيحا المؤرخ قد عدّ ولادته في ٤٩٠ هـ.
وسنؤجل الآن بحث التاريخ الذي انتهى فيه من تأليف تاريخ بيهق، وإن هذه المعلومات الدقيقة من ذكر الشهر والسنة ومقدار سني عمره، كلها دالة على أن هذا المؤرخ كان ينقل من مصدر موجود لديه عند تدوينه تاريخه.
٢. جرت العادة لدى نساخ المخطوطات أن تلتبس لديهم كلمة «تسع» و«تسعة» ب «سبع» و«سبعة» والعكس صحيح أيضا. وان تلتبس «تسع وتسعون» ب «سبع
[ ١٥ ]
وسبعون» والعكس صحيح، وما شابه ذلك. ومن العسير جدا- إن لم نقل من المستحيل- أن يسهو قلم الناسخ فيكتب سنة «تسع وتسعون» بدلا من «ثلاثة وتسعون» ليقال بعدها إن الرجل ولد سنة ٤٩٣ هـ كما ارتأى ذلك السيد محمد مشكاة ومن تابعه، فلا وجه لشبه إطلاقا في رسم الخط بين «تسع» و«ثلاث» .
٣. استنادا إلى الجداول التاريخية «١» فإنه حدث أن صادف يوم السبت، يوم التاسع عشر من شعبان وذلك في سنة ٤٩٠ هـ، وهي السنة التي تتفق وكلام فصيح الخوافي الذي نقلناه آنفا من أن البيهقي كان له من العمر أربعة وخمسون عاما في سنة ٥٤٤ هـ.