استغرقت علمية تحقيق الكتاب سنوات كنت أضعه أحيانا جانبا لأعود إليه بعد مدة وقد عثرت على معلومة جديدة أو ترجمة حياة ممن ضاع خبره علي فيما بين يدي من مصادر قبل ذلك. وكنت خلال ذلك أترقب ما يطبع من كتب التراث بالعربية والفارسية لأجد فيها ما يوضح غامضا أو يضيف شيئا. وحدث أحيانا أن صدرت طبعات جديدة لكتب كانت قد طبعت فيما مضى، فكنت أبادر إلى مراجعة هوامشي زيادة في التأكيد على صحة ما نقلته منها. فقد أعدت النظر مثلا في جميع نقولي من طبعة معجم الأدباء عند صدور الطبعة المتقنة التي دبجها يراع الأخ الغالي علّامة فلسطين الدكتور إحسان عباس (طيّب الله ثراه) «١» للدقّة التي روعيت فيها، حيث اعتمد- فضلا عن مخطوطات الكتاب المتوفرة لديه- على نسخة مختصرة له وجد فيها حوالي ١٦٠ ترجمة لم تكن موجودة فيما صدر من طبعاته، وتلك غنيمة كبرى.
وكذلك في نقولي من كتاب تاريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي الذي ظل يعاني
[ ٧٦ ]
الغلط والنقص والتحريف والتصحيف حتى صدور طبعته المتقنة على يد المحقق الماهر الدكتور بشار عواد معروف.
وفضلا عن ضبط ما في الكتاب من وقائع تاريخية وأدبية ومعلومات جغرافية، فقد شغلت بضبط أسانيده وأسماء أعلامه التي فشا فيها الخرم والغلط والتصحيف والتحريف، فقد وجدنا مثلا عبد الجبار الأعلى (ص ١٤١) وبعد لأي رأينا صوابه:
عبد الجبار الأيلي؛ أو أحمد بن مغيرة (ص ١٥١) وصوابه ابن عميرة؛ وعبد الجبار بن بغاطر، الذي صوابه: أحمد بن يعقوب بن عبد الجبار بن بغاطر. وحدث قلب في الأسانيد أحيانا حيث وجدنا: أخبرنا عبد المنعم بن إدريس عن عيسى بن موسى الأنصاري (ص ١٥٩)، والصواب عكس ذلك أي أن يحدّث عيسى الأنصاري عن عبد المنعم، فضلا عن أن صواب اسم عيسى هو: عيسى بن إسحاق بن موسى، وغير ذلك في عشرات المواضع، وقد نبهت إلى كل ذلك في الهوامش فلعل لأفاضل المحققين رأيا آخر فيما ارتأيته؛ كما حرصت على التعريف بأعلامه المترجم لهم، وبشكل خاص أولئك الذين لم أجدهم في المظانّ المتوفرة لديّ، فحين لا يكون في النص ما يدلّ على العصر الذي عاش فيه هذا، لجأت إلى ما كنت قد لجأت إليه في تحقيقي كتاب القند في ذكر علماء سمرقند، وهو أن أعرّف بشكل موجز جدا بشيخ المترجم له أو الراوي بشكل مباشر عنه، على أن أذكر تأريخ وفاة هذا الشيخ أو الراوي، ليعلم بشكل تقريبي عصر المترجم له، باذلا في ذلك ما استطعت من جهد لمعرفتي بأهمية الكتاب لمكتبتنا العربية، وآمل أن أكون قد وفّقت إلى شيء من الإتقان، والله الموفق للصواب.
يوسف الهادي دمشق، آب ٢٠٠٣
[ ٧٧ ]