مع كل ما خلفه فريد خراسان من تراث ضخم متنوع في شتى العلوم، يتوقع المرء أن يجد له في بطون المؤلفات- في شتى العلوم أيضا- أسماء حشود من تلاميذه أو الرواة عنه، ونحن نعلم أيضا أنه تولى التدريس وإلقاء المحاضرات والوعظ في بعض المدارس والمساجد مما نجده في سيرته، كما ذكر هو مرة في تاريخ بيهق كيف أن حشدا من العلماء كانوا ذاهبين لأداء فريضة الحج قادمين من حدود يوزكند سنة ٥٥٥ هـ قد طلبوا إليه أن يكتب لهم إجازات في رواية الحديث كما قرأوا عليه شيئا من تفاسير القرآن «٢» .
لكننا نفاجأ- في تراثه المعثور عليه- بأسماء ثلاثة فقط ممن درس عليه أو عد نفسه تلميذا له أو تناول منه كتابا. ولعل الكشف عما خفي من تراثه- إن بقي منه شيء في زوايا المكتبات- سينير شيئا من حياته ومعرفة شيوخه وتلامذته. ولكن علينا أن نشير إلى أهم سبب في ضياع جزء خطير من تراث خراسان وما وراء النهر وفقدان علمائها، ذلكم هو اجتياح قبائل الغزّ لهذه البلاد منذ سنة ٥٤٨ هـ وما تلاها، وما اتسم به هذا الاجتياح من قسوة لا تبلغ مداها سوى قسوة المغول الذين اجتاحوا هذه المناطق وسواها فيما بعد. يقول ابن خلدون مجملا بعض وقائع ذلك الاجتياح (سنة ٥٤٩ هـ)
[ ٣٧ ]
وما فعلوه بحواضر العلم والأدب وأهلها وعلمائها: «ومروا بطوس فاستباحوها وقتلوا حتى العلماء والزهاد وخربوا حتى المساجد، ثم ساروا إلى نيسابور في شوال ٥٤٩ ففعلوا فيها أفحش من طوس حتى ملأوا البلاد من القتلى. وتحصن طائفة بالجامع الأعظم من العلماء والصالحين، فقتلوهم عن آخرهم، وأحرقوا خزائن الكتب وفعلوا مثل ذلك في جوين وأسفرايين، فحاصروهما واقتحموهما وفعلوا ما فعلوا في البلاد الأخرى» «١» . ولقد أشرنا فيما فيما مضى من هذه المقدمة إلى بعض ما ارتكبه هؤلاء بحق العلماء والمكتبات التي كان كثير منها ملحقا بالجوامع، وحدث أحيانا أن أحرق العلماء داخل الجوامع التي كانوا يلجأون إليها، ففي ترجمة أبي نصير عبد الرحمن الخطيبي الفقيه المذكور في معجم البلدان نجد: «لما وردت الغز (إلى مرو) صعد في جماعة إلى المنارة، فأضرم الغز فيها النار فأحترق أبو نصير وابنه» «٢» . كما كانوا يضعون بعض العلماء أهدافا لسهامهم فيرشقونهم حتى الموت كما فعلوا بأبي حفص عمر بن محمد الصكاك الطوسي «٣» . وقد ذكرنا فيما مضى عقوبتهم بحثو التراب في أفواه العلماء حتى الموت. وعلى حد تعبير ياقوت: «قدموا نيسابور وقتلوا كل من وجدوا واستصفوا أموالهم، حتى لم يبق فيها من يعرف وخربوها وأحرقوها» «٤» .
وبهذا قتل على أيدي «الظلمة الغز» «٥» . هذا الحشد الهائل من العلماء والأدباء الذين كان من بينهم بلا شك بعض أساتذة أو تلامذة البيهقي، وضاعت أخبارهم- فضلا عن آثارهم- والسبب في هذا الوهم على ما يبدوا هو اختفاء البيهقي من نيسابور خلال تلك الحوادث. ذلك أننا نعرف أنه كتب في سيرته الذاتية يقول: «فعدت إلى بيهق في
[ ٣٨ ]
شعبانها (سنة ٥٣٦ هـ) فأزعجني عنها حسد الأقارب فخرجت منها خائفا أترقب في رمضان سنة سبع وثلاثين (وخمس مئة) إلى نيسابور، فأكرمني أكابرها، فكنت أعقد المجلس في يوم الجمعة بجامع نيسابور القديم، ويوم الأربعاء في مسجد المربع، ويوم الاثنين في مسجد الحاج، وتفد عليّ وفود إكرام الوزير ملك الوزراء طاهر بن فخر الملك وإكرام أكابر الحضرة. فألقيت العصا بنيسابور وأقمت بها إلى غرة رجب سنة تسع وأربعين وخمس مئة، ثم ارتحلت عنها لزيارة والدتي» «١»، أي إلى بيهق، فمن غير المعقول أن يكون قد مكث بنيسابور لو كان الغز دخلوها في ٥٤٨ هـ، وإن اعتماد ابن الأثير على كتاب مشارب التجارب للبيهقي في تدوين وقائع اجتياح الغز لخراسان يجعلنا نعتمد بدورنا عليه في تسلسل هذه الوقائع التي كان السبب فيها أن الغز قتلوا ولدا لقماج أحد قادة سنجر، وقد التزموا بدفع الدية بمبالغ مضاعفة وتسليم القاتل إليه، لكنّ هذا أصر على حربهم، فحاربوه وهزموه، فشكا ذلك إلى سنجر، فبادر الغز إلى التضرع والخضوع وتعهدوا بمضاعفة الدية وأموال الخراج وتسليم القاتل، فرفض سنجر ذلك العرض مندفعا بعناده وتحريض قائده قماج. فلما رأى الغز ذلك استبسلوا للدفاع عن أنفسهم وقرروا خوض حرب مصيرية، فألحقوا الهزيمة النكراء بسنجر وأسروه، ثم اندفعوا يدمرون كل شيء «٢» .
يقول ابن الأثير في حوادث ٥٤٨ هـ: في المحرم انهزم السلطان من الأتراك الغ، ثم دخلوا بلخ حيث «أكثروا القتل في العسكر والرعايا واسترقوا النساء والأطفال وعملوا كل عظيمة وقتلوا الفقهاء وخربوا المدارس ودخلوا مرو (في رجب ٥٤٨ هـ) «٣» . ثم ولّوا على نيسابور واليا فقسط على الناس كثيرا وعسفهم وضربهم،
[ ٣٩ ]
وعلق في الأسواق ثلاث غرائر وقال: أريد ملء هذه ذهبا. فثار عليه العامة فقتلوه ومن معه، فركب الغز ودخلوا نيسابور ونهبوها نهبا مجحفا، وجعلوها قاعا صفصفا، وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوا وقتلوا القضاة والعلماء في البلاد كلها، فممن قتل «١»، ولم يسلم من خراسان شيء لم تنهبه الغز غير هراة ودهستان لأنها كانت حصينة فامتنعت» «٢» .
ثم يتحدث عن اجتياحهم نيسابور ليقول إنه تم في شوال ٥٤٩ هـ، فيقول:
«فقصدوا نيسابور فمروا بطوس وهي معدن العلماء والزهاد، فنهبوها وسبوا نساءها وقتلوا رجالها وخربوا مساجدها ومساكن أهلها. ولم يسلم من جميع ولاية طوس إلا البلد الذي فيه مشهد علي بن موسى الرضا ومواضع أخرى يسيرة لها أسوار
وساروا إلى نيسابور فوصلوا إليها في شوال ٥٤٩ ولم يجدوا دونها مانعا ولا مدافعا فنهبوها نهبا ذريعا وقتلوا أهلها فأكثروا حتى ظنوا أنهم لم يبقوا بها أحدا، حتى إنه أحصي في محلتين خمسة عشر ألف قتيل من الرجال دون النساء والصبيان، وسبوا نساءها وأطفالها وأخذوا أموالها وبقي القتلى في الدروب كالتلال بعضهم فوق بعض، واجتمع أكثر أهلها بالجامع المنيعي تحصنوا به، فحصرهم الغز، فعجز أهل نيسابور من منعهم، فدخل الغز إليهم فقتلوهم عن آخرهم. وكانوا يطلبون من الرجال المال فإذا أعطاهم أحد قتلوه. وقتلوا كثيرا من أئمة العلماء والصالحين منهم محمد بن يحيى الفقيه الشافعي [يقول الآقسرائي: إنه مات تحت التعذيب] «٣» ورثاه جماعة من العلماء
[ ٤٠ ]
منهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي. ومنهم (ثم ذكر قائمة بأسماء بعض العلماء القتلى) . وأحرقوا ما بها من خزائن الكتب ولم يسلم إلا بعضها» . ويواصل حديثه عن اجتياحهم لمدينة أسفرايين وغيرها ثم يقول: «لما فرغ الغز من جوين وأسفرايين عادوا إلى نيسابور فنهبوا ما بقي فيها بعد النهب الأول، وكان قد لحق بشهرستان كثير من أهلها فحصرهم الغز واستولوا عليها ونهبوا ما كان فيها لأهلها ولأهل نيسابور وهتكوا الحرم والأطفال، وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين، وكان العيارون أيضا ينهبون نيسابور أشد من نهب الغز ويفعلون أقبح من فعلهم. ثم إن السلطان سليمان شاه (حاكم خراسان المعيّن من قبل السلطان سنجر) ضعف وكان قبيح السيرة سيئ التدبير، وإن وزيره طاهر بن فخر الملك توفي في شوال سنة ثمان وأربعين (وخمس مئة) فضعف أمره وأستوزر سليمان شاه بعده ابنه نظام الملك أبا علي الحسن بن طاهر، وانحل أمر دولته بالكلية ففارق خراسان في صفر وعاد إلى جرجان» «١»، وعن مجزرة الجامع المنيعي يقول الراوندي: «إن الغز قتلوا جميع من لجأوا إلى الجامع بحيث كانت الجثث غارقة في برك الدماء ثم قدموا إلى مسجد المطرز وهو كبير يسع ألفي مصل وله قبة عالية منقوشة بالخشب المدهون، فأحرقوه فارتفعت ألسن اللهب بحيث أضاءت المدينة» «٢» .
والفقيه محمد بن يحيى هو أبو سعد الجنزي الذي قال عنه السمعاني: «قتل بنيسابور في جامعها الجديد في الحادي عشر من شوال سنة تسع وأربعين وخمس مئة.
ورزق سعادة الشهادة. قتله الغز في وقت الإغارة على نيسابور» «٣» . وقد اتخذ مسار
[ ٤١ ]
الحوادث التسلسل التالي:
محرم ٥٤٨ هـ ألحق الغز الهزيمة بالسلطان سنجر واجتاحوا مدينة بلخ.
رجب ٥٤٨ هـ اجتاحوا مرو.
شوال ٥٤٨ هـ توفي الوزير أبو الفتح ناصر الدين طاهر بن فخر الملك المظفر ابن نظام الملك الذي أستوزره السلطان سنجر منذ سنة ٥٢٨ هـ. وهو الذي كان يرعى البيهقي بالإكرام ويوفر له الدعم والحماية. وقد استمر الغز يعيثون فسادا في بلاد خراسان لثلاثة أو أربعة أشهر أخرى.
صفر ٥٤٩ هـ غادر السلطان سليمان بلاد خراسان.
١ رجب ٥٤٩ هـ غادر البيهقي نيسابور عائدا إلى بيهق.
الأيام الأولى من شوال ٥٤٩ هـ اجتاح الغز نيسابور.
وللتأكيد على مدى الدمار والقتل الذي مارسه هؤلاء بنيسابور نشير إلى اجتياحهم هذه المدينة مرتين بعد ذلك. ففضلا عن اجتياحهم لها سنة ٥٤٩ هـ، اقتحموها في ٥٥٠ وفي ٥٥٤ هـ «١» .
سيشير البيهقي إلى واقعة خروجه من نيسابور هذه في حديثه عن تأليف كتابه لباب الأنساب بإيعاز من نقيب السادة العلوية في بيهق عماد الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى الحسيني من آل زبارة، فيقول: «ولما أزعجتني الفتنة العمياء الصماء بنيسابور عن مغانيّ، أقمت عشر سنين في ظلال لطائف المجلس العالي النبوي العمادي الجلالي المكي، في بلاد بها نيطت علي تمائمي، وهي أول أرض مس جلدي ترابها، اشتغلت بابتداء هذا الكتاب يوم السبت في أواخر جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين
[ ٤٢ ]
وخمس مئة» . ثم ذكر بعد ذلك أنه انتهى من تأليف مجلده الأول في شهر رمضان ٥٥٨ هـ «١» . فيكون بذلك قد أكمل منذ خروجه من نيسابور إلى حين إتمامه لباب الأنساب، تسع سنوات وسبعة أشهر، أي ما يقرب من عشر سنوات.
ذكر هو واحدا من تلامذته فقال: «الحكيم ناصر الهرمزدي الماسورآبادي «٢»:
كان سليل الأكاسرة، عالما بأجزاء علوم الحكمة جليلها ودقيقها مع طبع وقاد في الشعر العربي والفارسي، وذكرت طرفا من أشعاره في كتابي المعنون بوشاح دمية القصر.
وقد اختلف مدة إلي ثم إلى قطب الزمان «٣» . مات حتف أنفه بنيسابور. وقد دعاه ملك الوزراء طاهر بن فخر الملك إلى مرو للارتباط بالحضرة» «٤» .
والآخر هو سيد علوي من آل زبارة قرظ كتابه معارج نهج البلاغة شعرا، ذكره البيهقي فقال: «وقال السيد الإمام كمال الدين أوحد العترة أبو الحسن علي بن محمد العلوي الزبارة في هذا الكتاب والمصنف » . وعند نتهائه من قصيدته ذيلها بقوله:
«منشئ هذه الأبيات تلميذه أبو الحسن » «٥» .
[ ٤٣ ]