تباحث الحكماء في تعليل قول الناس: إن هواء هذه المدينة وماءها وترابها أحسن وأطيب مما هو في مدينة أخرى، ولم يقولوا هذه المقالة في النار التي هي رابعة العناصر الأربعة: الهواء والماء والتراب والنار، فلم نجد أحدا يقول إن نار هذه المدينة أشدّ حرا أو لهبا أو إحراقا من نيران المدن الأخرى.
وفي الجواب على ذلك قالوا: إن النار أقل هذه العناصر قبولا [٣٣] للتأثير،
[ ١٣١ ]
واختلاطها أصعب مع العناصر الأخرى، فالأرض التي يقال لها البر، تتقبل التأثيرات الناتجة عن اختلاط الماء والهواء لتصبح طينا، ووحلا، وملحا، وزاجا أبيض وأمثال هذا، ويتأثر الماء من مجاورته للأرض بحسب طبيعة التراب من حيث الملوحة والمرارة، ويأخذ الهواء كيفيته من الماء، حيث يتعفن الهواء في المكان الذي يكون ماؤه عفنا، فكل واحد منها يتأثر بالآخر، ويخرج من حد الاعتدال ليظهر فيه الضرر، إلا أن النار لا تقبل أمثال هذا الفعل والانفعال إلا قليلا، ولا يتغير أو يتبدل في أي مكان ضياؤها وإحراقها ولهيبها، وذكر الانفعال الذي يظهر فيها عند مجاورتها لأخواتها- التراب والماء والهواء- قليل إذا ما قسناه إلى ما يقع في العناصر تلك.
فالنار التي مادتها النفط الأسود والكبريت الخالص، وتلك التي مادتها الحطب، وتلك التي من حطب رطب، وما هي من الخشب الذي فيه مادة دهنية تتميّز عن بعضها، يوجد الإحراق والضياء فيها جميعا، والناس يعتدّون بخاصيتي الإحراق والإنارة، ولا يعيرون أهمية لتلك المواد.