يوجد في كل بلد آفة ومرض قبيح ففي مصر: البرغوث والحصبة والوباء، وقلة المطر، فإذا نزل جلب الضرر، قال الشاعر «٣»:
وما خير قوم تجدب الأرض عندهم بما فيه خصب العالمين من القطر
وقال الجاحظ: إذا تواصلت بمصر ريح الجنوب، التي يسمونها المريسية ثلاثة
[ ١٢٦ ]
عشر يوما، فإن أهل مصر يهيئون الأكفان والحنوط ويكتبون وصاياهم، لأنهم يعلمون بأنه سيعقبها وباء عام مهلك «١»، إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
«٢» .
وقد ضرب العرب المثل بثعابين مصر، ولو لم يكن النمس موجودا- وذلك الحيوان عدو الثعابين- لهلك أهل مصر بالثعابين، فعندما يدنو النمس من الثعبان، يحاول الثعبان أن يبتلعه، فينفخ النمس فيه نفخة، يقطعه فيها إلى نصفين «٣»، سبحان المقدر لما يشاء.
وأفاعي سجستان مثل ثعابين مصر، وقد قالوا: أفاعي سجستان، كبارها حتوف، وصغارها سيوف «٤»؛ وكان مما عاهد عليه [٣٠] أهل سجستان العرب أن لا يقتلوا القنفذ، لأنهم إن قتلوه، فلن تكون لهم قدرة على أفاعي تلك البلاد «٥» .
ويوجد في البطائح «٦» بعوض يهجم على الإنسان النائم، فيمتص دمه ويأكل لحمه، فلا يبقى منه في اليوم التالي إلا عظام خالية من اللحم والدم.
ويكون الشتاء في مدينة همذان في غاية الرداءة، كما قال الشاعر «٧»:
[ ١٢٧ ]
بلاد إذا ما أقبل الصيف جنة ولكنها عند الشتاء جحيم
وأول هذه القصيدة هو:
إذا همذان اعترّها البرد وانقضى برغمك أيلول وأنت مقيم
وفي الهند والسند «١»: الجرب والحصبة، ولكي يسلموا فإنهم يطلون أسافلهم بطحين الشعير والبقلة الحمقاء والخل.
وفي قاسان: العقرب اللادغة.
وفي الموصل وديار ربيعة يوجد حيوان كحبّة الباقلاء يقال له الجرادة، كل من عضّه يموت في الحال.
وكلّ من أقام بالموصل تزداد قوّته في كل عام «٢» .
ومن أقام في التبت فإنّه يكون ضاحكا منبسطا إلى أن يخرج منها «٣»، كما أنه لا يهتمّ بمنفعته ولا يفكر فيها، وهذا بلاء عظيم.
وفي طبرستان: الوباء والأمراض المعدية، والأفاعي والعقارب التي لا حصر لها.
وفي بلخ: العقارب والقرحة البلخيّة.
وأما ماء طخارستان فإنه يصيب الفم بالورم.
وفي البحرين: عظم الطحال «٤» .
[ ١٢٨ ]
وفي المصيصة يصاب الغرباء بالجنون في أقصر مدة «١» .
وفي مرو: البعوض والدوالي، وهما في صنعاء اليمن وأبيورد أيضا.
وفي بغداد والبصرة، مرض الجذام، والعقارب فيهما كثيرة.
وفي الدامغان وقومس شيء كالعدس، يقال له شوكز، إذا [٣١] لدغ أي عضو من البدن فإنه يصبح عفنا.
وفي كرمان تظهر علل الكبد، وهم يسمونها الأمراض الكبدية، والمعمّرون في تلك الديار قليلون.
وفي زنجان يظهر الجرب «٢» .
وفي خوارزم: الحر والبرد المفرطان، والقولنج، والجوع الكلبي «٣» .
وفي بلاد النوبة يوجد نوع من الأفاعي التي خلقها الله من محض غضبه، فما من طائر يحلق فوق رأسها إلا سقط على الأرض، وما من مخلوق سمع صفيرها إلا أغمي عليه، واجتاز بها فارس في إحدى المرات، فلدغت شفة حصانه، فمات الفارس في الحال، وحدث أن مرّ به فارس آخر، فلامس ذلك الميت، فمات ذلك الفارس أيضا من ساعته «٤» .
[ ١٢٩ ]
وأما قزوين، فكل من شرب ماءها، إذا لم يتحرك كثيرا أو يتريض فإن قدميه تتعفنان.
ومن أقام في الأهواز عاما واحدا، وكان عاقلا متفرسا فإن النقصان يظهر في عقله وفراسته «١» .
وجرارات الأهواز يضرب بها المثل كثعابين مصر وأفاعي سجستان، وفيها الحمى، حتى إن الطفل يولد وهو محموم «٢»، ويصاب الغرباء فيها بالجنون.
وفي بست وسجستان تكثر أوجاع العين.
وتكثر الهوام والحشرات ببلاد الهند كثرة مفرطة، حتى إنه يخشى من النوم على الأرض ليلا.
ولا يموت أحد باليمامة والهند وعمره أقل من سبعة وخمسين عاما، وإن مات كان من النوادر.
وفي نسا وجرجان: حمى الرّبع، والحمى النافضة، ووجوه أهل هذين البلدين خالية من النضارة.
وفي نصيبين وشهرزور: العقارب القاتلة كثعابين مصر.
وينتشر في بلاد دهستان مرض ضربة الشمس وجراحاته تكون متقيّحة.
وفي عسكر مكرم: العقرب الطائر القاتل.
وبمجرد أن يضاء مصباح في الصيف بسرخس وباورد، فإن أنواعا من الحشرات القارصة تتجمع حوله، إلى الدرجة التي لا يستطيع الناس معها الجلوس قربه.
[٣٢] أما في بلاد شروان فيوجد داء الأدرة.
وهكذا، ففي كل بلد توجد آفة إذا أردنا أن نذكرها كلها أدى ذلك إلى الملل.
[ ١٣٠ ]
أما مدينة بيهق، فلا يوجد فيها شيء مختص بها من تلك الآفات التي ذكرناها، اللهم إلا الأمراض التي اعتاد الناس أن يبتلوا بها، وأكثر أمراض هذه المدينة يجيء من الحرارة، والمرضى بهذه المدينة قليلون بتقدير الله تعالى.