نقرأ في ختام مخطوطات تاريخ بيهق قول مؤلفه: «وفرغ المصنف (﵀) من نسخ هذا الكتاب في الرابع من شوال سنة ثلاث وستين وخمس مئة بقرية ششتمد» .
ولكن لدينا تواريخ أخرى دالة على أن الكتاب ألف في فترة متقدمة على هذا التاريخ، وكان المؤلف يضيف إلى مخطوطته وقائع تاريخية مستجدة وتواريخ وفيات بعض معاصريه. ففضلا عن قول المؤرخ فصيح في مجمله والذي ذكرناه فيما مضى من أن البيهقي أتم تاريخ بيهق في محرم سنة ٥٤٤ عند ما كان له من العمر أربعة وخمسون عاما، نجد المؤلف نفسه يقول في أول الكتاب (ص ٢١): «من عجائب بغداد أنه لم يمت فيها خليفة إلا المقتفي الذي توفي في هذه الأيام» . والمعلوم أن وفاة المقتفي لأمر الله حدثت في ٢ ربيع الأول سنة ٥٥٥ هـ «٢» . بل إنه يتحدث بلغة الماضي عن خلافة المقتفي عند ما يذكر موفق الدين البيهقي فيقول إنه كان عميد بغداد خلال خلافة المقتفي لأمر
[ ١٦ ]
الله «١» ونقرأ تواريخ وفيات بعض معاصريه خلال السنوات ٥٥٦ و٥٥٧ هـ، ثم نجد إشارته إلى كتابه لباب الأنساب «٢»، ومعلوم أنه انتهى من تأليف كتابه هذا سنة ٥٥٨ هـ «٣» .
وهذا دال على أنه كان في سنة ٥٥٨ هـ أو ٥٥٩ هـ كما ذكر في موضع آخر من نفس كتابه هذا- قد كتب مؤلفه تاريخ بيهق وأنه ظل يضيف إليه حتى سنة ٥٦٣ هـ. ولعل أفضل مثال لهذه الإضافات التي ظل المؤلف يثري بها كتابه، الواقعتان التاليتان اللتان تداخلت عباراتهما وإحداهما حدثت سنة ٥٣٦ هـ، والأخرى في ٥٦٠ هـ:
«أعجوبة: بدأ هطول المطر من السادس من حزيران سنة ست وثلاثين وخمس مئة حتى الثامن من غير انقطاع. وكانت الشمس في الدرجة الثالثة من الجوزاء. فحدث من الخراب في المدينة ما يعجز البيان عن وصفه، وكانت الشمس في آخر الحوت. ونزل الثلج ليومين وليلتين، وتواصل انجماد الصقيع مدة أسبوع. وكان ذلك من عجائب الدنيا. وقد بلغ البرد حدا دمر معه كثير من النبات والأشجار في هذه الناحية وذلك سنة ستين وخمس مئة «٤»» .
وأما الفصل التاريخي الخاص بوقائع مجيء إيل أرسلان بن خوارزم شاه آتسز إلى سبزوار سنة ٥٦١ هـ ثم الخطبة له بنيسابور سنة ٥٦٢ هـ، فواضح أنه قد كتب على عهد هذا الأمير الذي امتد حكمه حتى سنة ٥٦٧ هـ «٥»، وذلك أنه جاء بعد اختتام فصل الوقائع التاريخية بفاصلة طويلة والدخول في عناوين مثل الأشياء التي تنفرد بها بيهق
[ ١٧ ]
عن سائر البقاع وأعجوبة هطول الأمطار.
وبهذا يمكن القول إن تأليف الكتاب انتهى بنسخته الأولى في المحرم من سنة ٥٤٤ هـ وهي النسخة التي رآها المؤرخ فصيح الخوافي، ونسخت آخر مسودة له في ٤ شوال سنة ٥٦٣ هـ.