عدّ بعض المعاصرين من علماء الإمامية ومؤلفي طبقاتهم، البيهقي في الإمامية مستندين إلى أدلة سنعرض لها فيما بعد. ومن هؤلاء السيد شهاب الدين المرعشي، في مقدمته لكتاب لباب الأنساب (١/١٤٨) الذي رأى في قول البيهقي في هذا الكتاب (١/١٧٦) بعد ذكر النبي (ص): «ثم على آله وأهل بيتي الذين هم كما جاء في الحديث: النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض»، دليلا على إماميته؛ وآقا بزرك الطهراني الذي ترجم له «١» وذكر بعض مؤلفاته في الذريعة «٢»، والسيد محسن الأمين الذي قال عنه: «كان من أجله مشايخ ابن شهر أشوب وكبار علماء الإمامية. وقد ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء وابن الحر في أمل الآمل والأفندي في رياض العلماء والنوري في مستدركات الوسائل» «٣» . والعلامة الطباطبائي الذي عرض قضية كونه إماميا بأدلة منها «قوله في معارج نهج البلاغة:
(ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) كان باب مدينة العلوم. فما نقول في سقط أنفض من زند خاطره الواري، وغيض بدا من فيض نهره الجاري، ولا بل في شعلة من سراجه الوهاج، وغرفة من بحره المواج، وقطرة من سحاب علمه الغزير؟
ولا ينبئك مثل خبير) . وقوله في أهل البيت (ع) وعصمتهم بنص الكتاب العزيز في لباب الأنساب (١/١٧٧): (ورذائل صور أفعالهم بصيقل التنزيل مجلوّة، وسور مناقبهم من اللوح المحفوظ متلوة، ونهضوا من بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) .
ولكن فريد خراسان بحكم معايشته لمجتمع عصره السلاجقة ولمكانته الاجتماعية
[ ٤٤ ]
ومسايرته لمختلف الطبقات، كان يتحفظ في كتاباته فلا يظهر عليه تطرف، ففي نفس الفترة والبيئة نرى حتى الطبرسي يلتزم التحفظ في تفسير مجمع البيان. ففي نيسابور في تلك الفترة قتل العالم الجليل والواعظ البارع الفتال النيسابوري صاحب روضة الواعظين، قتله رئيس نيسابور شهاب الإسلام عبد الرزاق بن عبد الله بن علي بن إسحاق المتوفى سنة ٥١٥ هـ، ابن أخي نظام الملك، قتله سنة ٥٠٨ هـ على الرفض.
على أن البيهقي لم يدّعه مؤلفو الطبقات لا في طبقات الحنيفة ولا الشافعية ولا نسبه مترجموه إلى أحد المذاهب الأربعة.
ولكن أصحابنا عدّوه من أنفسهم وترجموا له في كتبهم، فقد شهد بتشيعه معاصره الجليل ومعاشره عبد الجليل الرازي في كتابه النقض الذي ألفه بالري سنة ٥٥٢ هـ عند المباهاة والمفاخرة بالغرر والأوضاح من كبار أعلام الطائفة في عصره حيث قال: (ومن من متبحري علمائنا المتأخرين الإمام أبو الحسن الفريد) (ص ٢١٢) .
وعده معاصره الآخر ابن شهر آشوب (٤٨٩- ٥٨٨ هـ) من أعلام الطائفة فترجم له ولأبيه في معالم العلماء (٥١، ٥٢) «١» . ونجده مترجما هو وأبوه في كثير من كتب التراجم الشيعية كرياض العلماء وأمل الآمل وخاتمة المستدرك وأعيان الشيعة وطبقات أعلام الشيعة ومعجم رجال الحديث وغيرها «٢» . بينما نرى غيرنا أهملوه فلم يترجموه، إلا ياقوتا والذهبي والصفدي. وترجم له ابن خلكان تبعا في ترجمة الباخرزي.
[ ٤٥ ]
ونسب جلبي في كشف الظنون إليه كتابين تفرد في نسبتهما إليه لم يذكرهما المؤلف في كتابه جوامع أحكام النجوم ولا في مشارب التجارب، ولا أحال إليهما في شيء من كتبه على عادته في ذكر كتبه بعضها في بعض، ولم يذكرهما ياقوت ولا الصفدي ولا غيرهما: المواهب الشريفة في مناقب أبي حنيفة، وسائل الألمعي في فضائل أصحاب الشافعي. ولعل الكتابين لبيهقي آخر فنسبهما إليه غلطا، بل المفروض أن يكونا لمؤلفين حنفي وشافعي- لا لمؤلف واحد- كما هو واضح» «١» . انتهى كلامه (﵀) .
وقد رد الأستاذ أسعد الطيب في مقدمته التي صدر بها تحقيقه معارج نهج البلاغة للبيهقي، على ما ورد في كلام السيد الطباطبائي. وها نحن نوجز ما ورد في هذا الرد:
«شهادة مؤلفاته التي وصلت إلينا حيث لا يظهر فيها أي أثر لتشيعه.
استدعى السلطان محمود الغزنوي، جده أبا سليمان فندق بن أيوب من قصبة سيوار إلى نيسابور ليتولى القضاء والفتيا فيها.
لما أراد الحاكم أبو علي الحسين بن فندق الحج، صدر من ديوان السلطان طغرل بك السلجوقي منشور موجه إلى عبد الملك بن محمد بن يوسف وزير الخليفة القائم ببغداد يطلب إليه فيه العناية بابن فندق، ومما ورد في منشور التوصية هذا: «وهذا الحاكم أبو علي ممن له البيت القديم والمحتد الصميم» . «والبيت القديم» أي في خدمة المذهب الذي يعتنقه السلطان السلجوقي ووزير دار الخلافة (نص المنشور في تاريخ بيهق، ١٠٢) .
تولى جده أميرك بن الحسين بن فندق خطابة نيسابور نيابة عن إسماعيل
[ ٤٦ ]
الصابوني، ثم وليها بالأصالة بمرسوم من القادر بالله العباسي.
تولى أخو أميرك وهو القاضي سديد القضاة علي مدة قضاء بيهق وأستراباد.
أقام والد مؤلفنا (زيد بن محمد) في بخارى أكثر من عشرين سنة وأختلف إلى علمائها. وبلاد بخارى في ذلك الوقت وإلى الآن لا يوجد ما يدعو إلى اعتبارها من بلاد الشيعة.
تحدث مؤلفنا عن نفسه فقال إنه تزويج واحدة من كرائم والى الري للسلاجقة شهاب الدين محمد بن مسعود المختار. فهل ولى السلاجقة كورة الري الكبيرة لرجل شيعي؟
فوض إلى البيهقي نفسه منصب قضاء بيهق سنة ٥٢٦ هـ.
لما جاء من ملك الأبخاز رسول بمسائل إلى بلاط السلطان سنجر السلجوقي لم يدع أحد من العلماء غيره للجواب على تلك المسائل.
ورد في ٥٥٥ هـ إلى بيهق علماء من يوزجند (في أفغانستان الحالية) متجهين إلى الحج فقرأوا عليه واستجازوه في رواية الحديث.
عقد له مجلس الوعظ بنيسابور في الجامع القديم يوم الجمعة، وفي مسجد المربع يوم الأربعاء وفي مسجد الحاج يوم الاثنين، وكانت تفد عليه (وفود إكرام الوزير ملك الوزراء طاهر بن فخر الملك وإكرام أكابر الحضرة) «١» .
تأليفه في فضائل أصحاب الشافعي وفي مناقب الإمام أبي حنيفة.
عقده مجلس الوعظ في مدرسة مرو وجامعها.
في تاريخ بيهق وردت مرات: الإمام أبو حنيفة.
قال في مقدمة معارج نهج البلاغة: بعد الصلاة على النبي (ص): «وعلى
[ ٤٧ ]
أصحابه الصديق والفاروق وذي النورين والمرتضى، تحيات لا ترخى على سدفها سجوف » (ص ٩٤) .
في تاريخ بيهق جاءت صلاته على النبي (ص) بعبارة: صلى الله عليه. ولم يزد كلمة: وآله» . وفيما يتعلق في الرد على القول إن مؤلفي طبقات الشافعية والحنفية لم ينسب أي منهم البيهقي إليه، رد أسعد الطيب بالقول: «إن كتب الطبقات لم تستوعب جميع علماء المذهب المؤلفة لترجمة علمائه، ولذلك ألف بعضهم استدراكا لها وتذييلا عليها: أما القول بأن مترجميه من الجمهور لم ينسبوه إلى أحد المذاهب الأربعة، فأجاب الطيب عليه بالقول: إننا وجدنا عمر رضا كحالة ترجم له ولقبه بالشافعي، والرجل ناقل متقيد بما تذكره مصادره» «١» . انتهى كلامه.
قلت: مما يؤيد ما ذهب إليه الأستاذ الطيب من امتناع أن يكون علي بن زيد البيهقي أو أحد كبار الشخصيات من أسرته ممن تسنموا مناصب القضاء والفتيا خلال العهدين الغزنوي والسلجوقي، شيعيا، هو السياسة التي اتبعها محمود الغزنوي والسلاجقة من بعده في اختيار الموظفين في الإدارات الحكومية، ففي الرسالة التي كتبها محمود الغزنوي بعد قضائه على الأسرة البويهية في بلاد الري واستتباب الأمور له ورد قوله:
«فانتدبت جيشا من الترك المسلمين الأطهار الحنفية لحرب الديلم والزنادقة والباطنية واجتثاث جذورهم، حيث قتل بعض منهم بسيوفهم، وقيّد آخرون وألقي
[ ٤٨ ]
بهم في السجن، بينما شرد بعضهم في بقاع العالم. وعهدت بكل الوظائف والأعمال إلى الغلمان والموظفين الخراسانيين الأطهار الذي كانوا إما حنفية أو شافعية. وكلا الطائفتين عدو للرافضة والخوارج والباطنية ومؤيد للترك. حتى لم أدع ولا كاتبا عراقيا»
يخط بقلمه على الورق، لعلمي أن كتاب العراق منهم ويشغبون عليهم.
ليخلو العراق بهذا الإجراء وبمرور الأيام من سيئي الدين» «٢» .
لقد أورد هذا النص الوزير نظام الملك في كتابه سياست نامه وهو الكتاب الذي أراده مرشدا للقيادات العسكرية والسياسية في إدارة شؤون البلاد. ومعلوم أن نظام الملك وأبناءه وأحفاده اشتغلوا جميعا وزراء وموظفين في البلاط السلجوقي على تعاقب سلاطينه. ولذا فإن انتماء مؤلفنا الأسري وشغله هو لمنصب القضاء خلال العهد السلجوقي وعلاقته بالسلطان سنجر، تنفي عنه احتمال كونه شيعيا. ومما يدعم هذا الرأي قول البيهقي في افتتاح الجزء الثاني من كتابه غرر الأمثال بعد حمد الله:
«والصلاة على محمد خاتم أنبيائه، وعلى الصديق والفاروق وذي النورين والمرتضى، وسائط قلائد أوليائه» «٣» . وعلى هذا يمكن القول إن البيهقي كان محبا لأهل البيت وإن هذا لا يعني بالضرورة كونه إماميا.