تحاشيا لما يقع به بعض مترجمي النصوص التراثية حين يستخدمون مفردات ومصطلحات حديثة ومعاصرة في ترجمة نصوص غبرت عليها القرون، مما يشكل عيبا فاضحا في الترجمة، فقد اخترت منهجا صارما في ترجمتي لتاريخ بيهق يعتمد على استخدام المفردات العربية التي كان البيهقي يستخدمها في مؤلفاته والمفردات الشائعة في مؤلفات علماء وأدباء وكتّاب نبغوا في بيهق ونيسابور وما وراء النهر، وهي البلدان التي عاش فيها البيهقي أو تردد عليها، لتظل لغة الكتاب منسجمة مع عصر المؤلف وثقافته، آخذا بنظر الاعتبار السؤال التالي: لو قيض للبيهقي أن يؤلف كتابه تاريخ بيهق بالعربية فأية مفردات كان سيستخدم؟ والجواب البسيط على ذلك هو أنه سيستفيد من مخزونه من المفردات التي دأب على استخدامها في مؤلفاته. وعندها التجأت إلى المتوفر من مؤلفاته مما نجا من عوادي الزمن وهو واف بالغرض لوجود كمية متنوعة يمكن الاستعانة بها في هذا المضمار، وكان تنوعها عاملا مساعدا على ترجمة شتى المفردات والجمل سواء أكانت في اللغة والشعر والأمثال أم في الحديث والتفسير والبلاغة والفقه وغير ذلك.
والترجمة مع الالتزام بهذا الشرط عملية عسيرة لكوني قد ألزمت نفسي- طوعا ولغايات علمية جمالية- باستخدام لغة المؤلف التي كان يكتب ويتحدث بها في بيئة خراسان وما وراء النهر قبل ما يزيد على ثمانية قرون ونصف، مستعينا بقراءة مؤلفاته الباقية بين أيدينا، وقد دعت الحاجة أحيانا إلى إعادة قراءتها لترسيخ مفرداتها في الذهن وطريقة المؤلف في صياغة عباراتها، وهي: تتمة صوان الحكمة، معارج نهج البلاغة، لباب الأنساب، وهي مطبوعة. وغرر الأمثال وهو مخطوط. كما استعنت بالمعجمات العربية- الفارسية التي كانت رائجة في تلك الأصقاع على عهد المؤلف، وبشكل
[ ٧٥ ]
خاص التي درسها في صباه أو شبابه وهي: كتاب المصادر في اللغة للقاضي الزوزني الذي حفظه في عهد الصبا، وكتاب تاج المصادر الذي حفظه على مؤلفه أبي جعفر المقرئ، والسامي في الأسامي الذي قرأه على مؤلفه أحمد بن محمد الميداني، والبلغة في اللغة لأبي يوسف يعقوب بن أحمد الكردي النيسابوري وهو والد شيخه الحسن بن يعقوب الذي قرأ عليه نهج البلاغة، وأفدت أيضا من مقدمة الأدب لمعاصره الشهير محمود بن عمر الزمخشري. وجميع هذه المعجمات مطبوع. وهذه الطريقة وما رافقها من صعوبات، حيث أجيل الفكر زمنا طويلا أحيانا بحثا عن مفردة عربية خراسانية مما كان يتكلّم به علماء خراسان وأدباؤها قبل ٩٠٠ سنة قد جعلتني أكثر رضا عنها.