يدلل وجود كتابين للبيهقي أحدهما في مناقب الإمام أبي حنيفة والآخر في طبقات الشافعية، على صلة له بهذين المذهبين، لكنها صلة ظلت غامضة لأسباب منها عدم العثور على الكتابين حتى الآن لمعرفة المزيد عن هذه الصلة، ومنها أن مؤلفي
[ ٤٩ ]
كتب الطبقات في هذين المذهبين لم يترجموا له أو على الأقل أن يرد اسمه في كتب هذين المذهبين بوصفه شيخا لواحد من أعلامهما. كما أننا نجد في مشايخه ومن عاشرهم خلال فترة الدراسة رجالا من شتى المذاهب. ومما عقّد هذه المسألة عدم العثور على مؤلفاته بكاملها للمساعدة على جمع المعلومات ومقارنتها. وبعض هذه الأسباب أدت بالمرحوم الطباطبائي إلى نفي نسبة كتابي المواهب الشريفة ووسائل الألمعي إليه «لتفرد حاجي خليفة بذكرهما» «١» ولعدم ورودهما في كتابي جوامع أحكام النجوم أو مشارب التجارب للبيهقي. ويمكن الإجابة على هذا التشكيك الأخير بالقول إن البيهقي يمكن أن يكون قد ألفهما بعد كتابته قائمة أسماء مؤلفاته، فنحن نجد ياقوتا وبعد أن ذكر قائمة مؤلفاته التي كتبها البيهقي نفسه قال: «هذا ما ذكره في كتاب مشارب التجارب، ووجدت له كتاب تاريخ بيهق بالفارسية، وكتاب لباب الأنساب» «٢» . وهو مثلا لم يشر في قائمته تلك أو مؤلفاته المعثور عليها إلى كتابيه تلخيص مسائل من الذريعة وجواب يوسف اليهودي العراقي اللذين ذكرهما معاصره ابن شهر آشوب الذي التقاه أيضا. ومع ذلك لا يمكن التشكيك بصحة نسبة هذين الكتابين إليه.
ولنا شهادتان على كونه حنفي المذهب وردت الأولى منهما على لسان ابن الصلاح (٤٦٣- ٥٧٧ هـ)، فقد ذكره في كتابه طبقات الفقهاء الشافعية عند ما نقل من كتابه وسائل الألمعي بقوله: «أبو الحسن بن أبي القاسم الحنفي المذهب» و«أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي الحنفي» «٣» .
أما الشهادة الثانية فهي لفصيح الخوافي (٧٧٧- بعد ٨٤٥ هـ) الذي ترجم له
[ ٥٠ ]
وقال عنه: «كان حنفي المذهب» «١» .
ولعل في تأليفه كتاب عرائس النفائس في الأسرة الصاعدية المنسوبة إلى عميدها أبي العلاء صاعد بن محمد الذي انتهت إليه رئاسة الحنفيين بنيسابور، الذي شغل منصب قاضي القضاة وشغل أولاده وأحفاده مناصب قضائية أيضا، لعل في ذلك ما يعزز القول بحنفيته (انظر الرقم ٥٣ من القسم الخاص ب (مؤلفاته) من مقدمتنا هذه: (عرائس النفائس) .
أما كتابه في طبقات الشافعية فقد ذكره السبكي (٦٨٣- ٧٥٦ هـ) عند حديثه عن الكتب المؤلفة في طبقات هذا المذهب فقال: «ثم ألف المحدث أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي المعروف بفندق كتابا سماه وسائل الألمعي في فضائل أصحاب الشافعي لم أقف عليه»، ثم ذكره مرة أخرى بقوله: «صنف الحافظ أبو الحسن كتابا كبيرا في المناقب «٢»» . لكن محقق هذه الطبعة من طبقات الشافعية الكبرى، نقل بهامشه زيادة أخذها من نسخة الطبقات الوسطى تعقيبا على أحد النصوص: «وإن ابن الصلاح (٥٧٧- ٦٤٣ هـ) نقل ذلك من كتاب وسائل الألمعي في فضل أصحاب الشافعي من (تصنيف) أبي الحسن بن أبي القاسم البيهقي المعروف بفندق.. رأيته منقولا عن مجموع يشتمل على جماعة من الشافعية جمعه أبو النجيب السهروردي (﵀)» «٣» .
والمستفاد من خبر السبكي هو اعتباره البيهقي محدثا وحافظا، ولو اعتقد بشافعيته لترجم له في طبقاته ولعله لم يجد له ذكرا في كتب طبقات من سبقوه فلم يثبته. وهناك ابن الصلاح أيضا الذي ذكر كتابه هذا ونقل منه. وعنوان الكتاب لديه هو وسائل
[ ٥١ ]
الألمعي إلى فضائل الشافعي «١» . وقد نفعنا ابن الصلاح في نقله من كتاب البيهقي هذا عدة أمور منها أن كتاب البيهقي كان ما يزال موجودا حتى العصر الذي عاش فيه ابن الصلاح، وثانيها أنه نص على كون البيهقي حنفي المذهب كما نقلنا عنه آنفا، ثالثها، لو اعتقد ابن الصلاح بكون البيهقي شافعيا لترجم له في كتابه هذا المخصص لطبقات الشافعية، وسيكون مدعاة لفخره أن يضمن كتابه ترجمة عالم جليل موهوب مثل البيهقي.
ومع ذلك فإن حاجي خليفة المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ أضاف إلى اسم البيهقي نسبة «الشافعي» عند ذكره كتابه الانتصار «٢»، وكذلك إسماعيل باشا البغدادي المتوفى سنة ١٣٣٩ هـ الذي دأب على إضافة نسبة الشافعي إلى آخر اسم البيهقي خلال ذكره مؤلفاته المبثوثة في إيضاح المكنون (راجع قسم «مؤلفاته» من مقدمتنا هذه) .
وكتاباه هذان دالان على اتخاذه موقفا وسطا بين المذهبين، فالرجل كان ذا عقلية منفتحة، وكانت الخلافات بين علماء وأتباع المذهبين الشافعي والحنفي قد بلغت على عهده حدا أن أدى الأمر إلى القتال العنيف. يقول مؤلف أخبار الدولة السلجوقية وهو يتحدث عن أواخر عهد السلطان سنجر (حكم من ٥١١- ٥٥٢ هـ): «إن الفتنة لما وقعت بين الشافعية والحنفية، قتل بنيسابور من الحنفية، قتل بينسابور من الحنفية سبعون رجلا» «٣»، ويقول العماد الأصفهاني وهو يتحدث عن تحزّب بعض حواشي الوزراء إلى هذا الفريق أو ذاك:
«وكانت الخدام الحبوش لهم الجيوش، والأسرة والعروش، منهم نجم الدين رشيد من مشايخهم وأكابرهم، وجمال الدين إقبال وأمثالهم وهم عصبة فيهم
[ ٥٢ ]
عصبية على الشافعية، ويتقربون إلى الله بما يوصلون إليهم من الأذية، ونكبوا أصحاب الشافعي بأنواع البلاء في جميع البلاد، وخصوهم بالطرد والإبعاد، وحاولوا إخفاء مذهبه فتعالى ظهورا، وأرادوا إطفاء نوره فما زاده الله إلا نورا، قال: ونكبوا رؤساء المذهب في كل بلد، ولم يبقوا منهم على أحد، فمنهم أبو الفضائل ابن المشاط بالري ومنهم أبو الفتوح الإسفراييني ببغداد، ومنهم بنو الخجندي بأصفهان، ودخل في مذهب أبي حنيفة جماعة طلبا للجاه، وخوفا منهم لا من الله، ومن جملتهم القاضي عمدة الدين الساوي» «١» . وضمن حوادث سنة ٥٥٨ هـ من مجمل فصيحي، يقول الخوافي: «وفي هذه السنة وقعت الحرب في أصفهان بين القضاة بسبب التعصب المذهبي، واستمرت مشتعلة لسبعة أيام بين الجانبين وقتل خلالها كثير من الناس ودمرت البيوت» «٢» .
ويكفي أن نشير إلى عمق مأساوية هذا الصراع المذهبي فننقل ما ذكره الراوندي مؤرخ دولة آل سلجوق في راحة الصدور عن حال نيسابور بعد أن غادرها الغز الذين تحدثنا فيما مضى عن غزوهم وتدميرهم الفظيع الذي أحدثوه في المدينة:
«ولما غادر الغز المدينة وبسبب الأحقاد الدفينة لدى أهلها والتي مصدرها الخلافات المذهبية، كان الناس ينظّمون أنفسهم على شكل فرق يتجمع أفرادها كل ليلة في محلاتهم ثم ينطلقون إلى المحلة الأخرى ليشعلوا فيها النيران، بحيث تحول ما خلفه الغز من خراب فيها إلى أطلال دوارس على أيدي هؤلاء» «٣» .
ومن حوادث الصراع الطائفي ما حدث في مدينة بيهق نفسها مما هو مؤرخ في كتابنا تاريخ بيهق، كما في الصراع بين الكراميّة وأتباع بقية المذاهب من جهة، وبين
[ ٥٣ ]
الحنفية والشافعية من جهة أخرى «١» . ومن ذلك ما حدث في عهد السلطان محمود الغزنوي عند ما بنى أحد المحسنين على نفقته أربع مدارس في مدينة بيهق: واحدة للحنفية وأخرى للشافعية وثالثة للكراميّة، وجعل الرابعة للسادة العلويّة والمعتزلة والزيديّة، وقد بعث صاحب البريد بهذا الخبر إلى محمود الغزنوي الذي بادر إلى إرسال من حمل باني تلك المدارس إلى غزنة حيث وبّخه محمود على فعلته تلك وقال له:
كان الأجدر بك أن تبني مدرسة لأتباع المذهب الذي تعتنقه فقط، فإذا بنيت مدرسة لمن هم على خلاف مذهبك وربّيتهم فيها فقد قصدت بذلك المراءاة وليس التقرّب إلى الله تعالى. ويضيف البيهقي قائلا: إن الشفعاء توسّطوا للرجل فتمكّن من النجاة «٢» .
نبذا منه لهذا التعصب المذهبي المدمّر، رأى البيهقي أن يؤلف كتابين أحدهما في أئمة المذهب الشافعي والآخر في مناقب الإمام أبي حنيفة.
ومما يعزز عدم كونه إماميا روايته لأحاديث لا ترد في كتب الإمامية مثل الحديث المنسوب للنبي (ص): «اللهم إني بشر، فإذا دعوت على إنسان فأجعل دعائي له لا عليه، واهده إلى الصراط المستقيم «٣»» . وهو الحديث الذي يرد في عدد من المجاميع الحديثية «٤» من غير كتب الإمامية فهؤلاء يرونه متعارضا وقوله تعالى في وصف النبي:
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
وفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
[ ٥٤ ]
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
ولَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.
ومن ذلك روايته حديث «لا تجتمع أمتي على ضلالة» «١» . وهو لا يوجد في كتب الإمامية، ولهم فيه نقاش «٢» .
ومع ذلك تبقى ترجمته المختصرة جدا، الواردة مع ترجمة أبيه لدى ابن شهر آشوب في معالم العلماء، فضلا عن ذكر عبد الجليل الرازي له بعبارة «من علمائنا المتأخرين» كما نقل الطباطبائي، تبقى هذه العبارات في كتب الإمامية، جديرة بالنظر. ومعلوم أن كلا الرجلين: ابن شهر آشوب والرازي كان معاصرا لمؤلفنا البيهقي، لكن المثير للحيرة إذا افترضنا كونه إماميا- هو: لماذا لم يترجم له معاصره الثالث منتجب الدين علي بن عبيد الله الرازي (٥٠٤- كان حيا في ٦٠٠ هـ) في كتابه فهرست علماء الشيعة ومصنفيهم الذي ألفه في «تراجم رجال الإمامية ممن تأخر زمانهم عن زمان الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي» «٣»، كما ذكر في مقدمة كتابه؟ لقد طاف منتجب الدين في البلاد فذهب إلى بغداد والحلة ونيسابور ومدن ما وراء النهر، فضلا عن الري التي كان يعيش فيها والتي كان البيهقي يزورها بين الحين والآخر ويلتقي علماءها ووجهاءها، كما أنه لم يترجم لوالد البيهقي.
لقد ترجم منتجب الدين في فهرسته- فضلا عن العلماء وكبار المحدثين- لرجال ومحدثين ومتفقهين أقل شأنا من مؤلفنا فريد خراسان البيهقي العالم والمحدث والمؤرخ والفيلسوف المتعدد المواهب، فقد كان يترجم أحيانا لمن يكتفي بذكر اسمه مع عبارة «صالح ديّن» أو «صالح محدث» أو «فقيه صالح» . وترجم حتى لأولئك الإمامية
[ ٥٥ ]
الذين كانوا لا يعلنون عن اتجاههم المذهبي، قال مثلا في ترجمة عماد الدين جعفر بن علي الجعفري الزينبي نزيل دهستان: «فقيه فاضل، وكان يتحنف ويفتي على مذهب أبي حنيفة نعمان بن ثابت» «١» . وترجم لتاج الدين علي بن جعفر الجعفري نجل المتقدم فقال: «فوض إليه منصب الفتوى بدهستان كما كان مفوضا إلى والده السيد عماد الدين جعفر، ويتحنف تقية فيه» «٢» .
تم الخلط أحيانا بينه وبين بيهقي آخر معاصر له، فقد ترجم منتجب الدين لفقيه بيهقي سمع منه الحديث هو «أبو الحسين زيد بن الحسن بن محمد البيهقي» «٣»، فاعتقد بعض أساطين فن التراجم من الإمامية مثل الحر العاملي «٤» والمحقق النوري «٥» والسيد محمد صادق بحر العلوم «٦»، أن زيد بن الحسن هذا هو نفسه علي بن زيد مؤلف كتابنا، وأن الأمر لا يعدو كونه أغلاطا من النساخ بإبدال اسم بآخر وكنية بأخرى.
قلت: ورد اسم «زيد بن الحسن البيهقي» في كتابي منتجب الدين: الفهرست والأربعين، ومن المستبعد جدا أن يكون ناسخا الكتابين قد وقعا في نفس الغلط، والحقيقة هي أن زيد بن الحسن هذا كان من محدثي الإمامية وأحد رواة صحيفة الإمام علي بن موسى الرضا، ولا علاقة له بمؤلفنا علي بن زيد وإن كان معاصرا له وبيهقيا مثله. يقول القاضي اليمني جعفر بن أحمد بن عبد السلام المتوفى سنة ٥٧٣ هـ في تيسير المطالب: «أخبرنا القاضي الإمام أحمد بن أبي الحسن أسعده الله قال: أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد فخر الدين أبو الحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي بقراءتي
[ ٥٦ ]
عليه، قدم علينا الري، قال: أخبرنا السيد الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن جعفر الحسني النقيب بأسترآباد في شهر الله رجب الأصم سنة ثمان عشر وخمس مئة » «١» .
ونقرأ في أسانيد مسند زيد بن علي: «عن أحمد بن أبي الحسن الكني عن زيد بن الحسن البيهقي عن الحاكم أبي الفضل وهب الله بن الحاكم أبي القاسم (عبيد الله بن عبد الله) الحسكاني » «٢» . ترجم له صفي الدين أحمد بن صالح فقال: «زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أحمد بن عبد الله الخراساني الزيدي. واشتهر بنسبته إلى جده الحسن، فالموجود في الكتب زيد بن الحسن البروقني «٣» ويقال البروقاني، وهو نفسه زيد بن الحسن الخراساني البيهقي الوارد إلى اليمن سنة ٥٤٠ هـ، ومات في تهامة. وشيخ زيد هو الفضل بن الحاكم أبي سعيد (كذا، والصواب سعد) المحسن بن كرامة الجشمي البيهقي. وقال أحمد بن محمد الشرفي: زيد بن الحسن البيهقي الزيدي، قدم اليمن من خراسان سنة ٥٤١ هـ بجمادى الأولى منها» «٤» . وذكره العلامة الطباطبائي فقال: إنه فخر الدين البروقني الزيدي المتوفى حدود ٥٥٠ هـ» «٥» . ويرى القاضي إسماعيل الأكوع «٦» أنه توفي سنة ٥٤٢ هـ.