عَدَّ السبكيُّ الحاكمَ أشعريًّا في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٦٢)، وذكر أنَّ مشايخه الذين كانت له بهم خصوصية من المتصلِّبة في عقيدة أبي الحسن الأشعري، كالشيخ أبي بكر بن إسحاق الضِّبغي، وأبي بكر بن فورك، وأبي سهل الصعلوكي، وذكر أن ابن عساكر أثبته في عداد الأشعريين في كتابه "تبيين كذب المفتري".
فأقول، وبالله العليّ أستعين:
١ - إن ابن عساكر ذكر الحاكم في كتابه من الأشعريين من غير أن يأتي بدليل من كلام الحاكم أو غيره يشهد له بالأشعرية.
٢ - إن السبكي لا يقبل قوله، لأنه - كما قيل - لو استطاع لعَدَّ الشافعي أشعريًّا، والمضحك أنه نقل في ترجمته لابن خزيمة في طبقاته (٢/ ١٣٥/ ط. دار المعرفة) تأويله لحديث الصورة، ثم قال أن تأويل ابن خزيمة "شاهد صحيح لا يرتاب فيه من أن الرجل بريء عما ينسب إليه المشبِّهة (^١) وتفتريه عليه الملحدة، وبراءة الرجل منهم ظاهرة في كتبه وكلامه (!!) ولكن القوم
_________________
(١) يقصد السبكي بـ "المشبِّهة" أهل الحديث السلفييّن كعادته، وأحيانًا يسمِّيهم "الحَشويّة".
[ ٥٩ ]
يخبطون عشواء ويمارون سفهًا". وتغاضى السبكي النظر عن أن تأويل ابن خزيمة لحديث الصورة (^١) ذكره في "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - ﷿ - التي وصف بها نفسه" الذي ملأه من أوله إلى آخره بإثبات الصفات لله - ﷿ -، كصفة الوجه والعينين واليدين والاستواء والكلام والضحك والنزول وغيرها من الصفات. فلماذا أعرضت يا سبكي عن كتاب الرجل بأكمله وتعلَّقتَ بهذه المسألة الواحدة، فنقول لك: "إن كلام ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" شاهد صحيح لا يرتاب فيه من أنه سلفيّ العقيدة، بريء عما نسبته إليه من الأشعرية".
٣ - ذكر السبكي "أن مشايخ الحاكم الذين كانت له بهم خصوصيّة من المتصلِّبة في عقيدة أبي الحسن الأشعري، كالشيخ أبي بكر بن إسحاق الصبغي … " اهـ.
قال عبد الغافر الفارسي: "اختصّ الحاكم بصحبة إمام وقته أبي بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصَّبغي، فكان في الخواص عنده والمرموقين" (^٢).
وترجم الحاكم للصبغي أول ترجمة في طبقة شيوخه من "تاريخ نيسابور"، وذكر أنه توفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، أي أن سن الحاكم وقتها كان إحدى وعشرين، فهو شيخه الذي تأسّس عليه منذ بداية طلبه للعلم، فهل عقيدة شيخه أشعريَّة كما "زعم" السبكي؟
قال البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" (ص ٥٣١): قال أبو عبد الله الحافظ (^٣): قال الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه: "قد تضع العرب (في) بموضع (على)، قال الله - ﷿ -: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ومعناه على الأرض وعلى النخل،
_________________
(١) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦): تأوّل ابن خزيمة حديث الصورة، فَلْيُعْذر من تأوّل بعض الصفات. وأما السَّلَف فما خاضوا في التأويل.
(٢) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٦).
(٣) هو الحاكم، ويقصده البيهقي عند إطلاقه لفظ (أبي عبد الله الحافظ)، وقد فعل هذا البيهقي آلاف المرات في كتبه.
[ ٦٠ ]
فكذلك قوله ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي - ﷺ - ". اهـ.
وفي بيان الصِّبغي لعقيدته الذي عرضه على ابن خزيمة (^١) قال: "وأنه ينزل تعالى إلى سماء الدنيا فيقول: "هل من داع فأجيبه". فمن زعم أن علمَه تنزلُ أوامره، ضلَّ، ويكلِّم عباده بلا كيف. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، لا كما قالت الجهمية: إنه على الملك احتوى، ولا استولى. وأنَّ الله يخاطب عباده عوْدًا وبدءًا، ويُعيد عليهم قصَصَه وأمره ونهيه، ومن زعم غير ذلك فهو ضال مبتدع". اهـ.
٤ - قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٣٩) - عند كلامه على الإِمام ابن خزيمة -: "وأنا أذكر في هذا الموضع من دقيق كلامه الذي أشار إليه إمام فقهاء عصره أبو العباس بن سُرَيج ما يُسْتَدَل به على كثير من علومه، … سمعت محمَّد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمَّد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يُقِرّ بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه، يُستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبَت عنقه، وأُلْقِيَ على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بنتن ريح جيفته، وكان ماله فَيئًا لا يرثه أحد من المسلمين، إذ "المسلم لا يرث الكافر" كما قال - ﷺ -". اهـ.
الله أكبر! يعد الحاكم هذا الكلام من "دقيق كلامه" و"ما يُسْتَدَل به على كثير من علومه" مِن أنه "من لم يُقِرّ بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه، يُستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبَت عنقه"، فلو كان الحاكم كما "زعم" السّبكي أشعريًّا لِمَا أثنى على كلام ابن خزيمة، لأن الأشاعرة يُنكرون بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، ولعدَّ الحاكم هذا الكلام من الضلال المبين بدلًا من الثناء على قائله. ولكنه أثنى على قائله، لأنه يوافق عقيدته السلفيَّة، عقيدة السَّلَف الصالح أصحاب الحديث.
_________________
(١) نقله الذهبي - عن الحاكم في "تاريخ نيسابور" - في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٨١).
[ ٦١ ]
وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٣٥٩) عن الحاكم أن عقيدته وعقيدة ابن قتيبة الدينوري "فيما يتعلق بالصفات واحد". أما عقيدة ابن قتيبة؛ فقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩): "ما رأيتُ لأبي محمَّد (ابن قتيبة) في كتاب "مُشكِل الحديث" ما يُخالف طريقة المُثبتة والحنابلة، ومن أن أخبار الصفات تُمَر ولا تتأوَّل".