ونسوق هنا قصة تصوِّر لنا همّة الحاكم وصبره وسعيه لفترة طويلة على طلب شيخ له حتى ظفر به، قال الحاكم في تاريخه (^١): "دخلتُ مرو وما وراء النهر (^٢) فلم أظفر بأبي مسلم عبد الرحمن بن محمَّد البغدادي، وفي سنة خمس وستين في الحج طلبته في القوافل فأخفى نفسه، فحججتُ سنة سبع وستين وعندي أنَّه بمكة، فقالوا: هو ببغداد، فاستوحَشْت من ذلك وتطَلَّبته فلم أظفر به، ثمَّ قال لي أبو نصر الملاحمي ببغداد: هنا شيخ من الأبدال تشتهي أن تراه؟ قلت: بلى، فذهب بي فأدخلني خان الصبّاغين، فقالوا: خرج، فقال أبو نصر: نجلس في هذا المسجد فإنَّه يجيء، فقعدنا. وأبو نصر لم يذكر لي من الشيخ، فأقبل أبو نصر ومعه شيخ نحيف ضعيف برداء، فسَلَّمَ عليَّ، فأُلهِمْتُ أنَّه أبو مسلم الحافظ، فبينا نحن نحدِّثه إذ قلتُ له: وجد الشيخ ها هنا من أقاربه أحدًا؟ قال: الذين أردت لقاءهم انقرضوا، فقلتُ له: هل خَلَّفَ إبراهيم ولدًا؟ - أعني أخاه إبراهيم الحافظ -، فقال: ومن أين عرفت أخي إبراهيم؟ فسكتُّ، فقال لأبي نصر: من هذا الكهل (^٣)؟ فقال: أبو فلان، فقام إليَّ وقمتُ إليه، وشكا شوقه وشكوت مثله، واشتفينا من المذاكرة، وجالسته مرارًا".
_________________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤١٦).
(٢) دخل الحاكم مرو وما وراء النهر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، كما تراه في فصل: (رحلاته).
(٣) كان عمر الحاكم آنذاك ستًّا وأربعين سنة.
[ ٢٢ ]