قال الحافظ أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي (^٢):
"سمعت مشايخنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد يرجعان إلى أبي عبد الله في السؤال عن الجرح والتعديل وعِلل الحديث وصحيحه وسقيمه.
وسمعتُ السُّلَمي يقول: "كتبتُ على ظهر جزء من حديث أبي الحسين
_________________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٤٦).
(٢) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩ - ٢٣٠).
[ ٣٦ ]
الحجاجي (الحافظ)، فأخذ القلم وضرب على (الحافظ) وقال: أيش أحفظ أنا، أبو عبد الله بن البيَّاع أحفظ مني".
وسمعتُ أبا أحمد الحافظ يقول: "إنْ كان رجل يقعد مكاني فهو أبو عبد الله".
وسمعتُ السُّلَمي يقول: "سألت الدارقطني: أيهما أحفظ: ابن مندة أو ابن البيِّع؟ فقال: ابن البيِّع أتقن حفظًا".
وقال أبو حازم: "أقمتُ عند الشيخ أبي عبد الله العصمي قريبًا من ثلاث سنين، ولم أَرَ في جملة مشايخنا أتقن منه ولا أكثر تنقيرًا، فكان إذا أشكل عليه شيء أمرني أن أكتب إلى الحاكم أبي عبد الله، فإذا ورد جواب كتابه حكم به وقطع بقوله".
وقال أبو حازم (^١): "أول من اشتهر بحفظ الحديث وعلله بنيسابور بعد الإمام مسلم إبراهيم بن أبي طالب، وكان يقابله النسائي وجعفر الفريابي، ثمَّ أبو حامد بن الشرقي وكان يقابله أبو بكر بن زياد النيسابوري وأبو العباس بن سعيد، ثمَّ أبو علي الحافظ وكان يقابله أبو أحمد العسّال وإبراهيم بن حمزة، ثمَّ الشيخان أبو الحسين وأبو أحمد وكان يقابلهما في عصرهما أبو أحمد بن عديّ وأبو الحسين بن المظفر والدارقطني، وتفرَّد الحاكم أبو عبد الله في عصرنا هذا من غير أن يقابله أحد بالحجاز والشام والعراقين والجبال والري وطبرستان وقومس وخراسان بأسرها وما وراء النهر، جعلنا الله تعالى لهذه النعمة من الشاكرين، ولما يلزمنا من تأدية واجبه من المؤدِّين، وبارك لنا في حياته ونَفَّس في مدته، وجعل ما أنعم به عليه وعلينا بمكانه موصولًا بالنعيم المقيم، إنه سميع قريب".
وقال الحاكم في تاريخه (^٢): "ذكرنا يومًا ما روى سليمان التيمي عن
_________________
(١) وهو من أقران الحاكم، وقد ترجم له الحاكم في تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٦٦)، وتوفي بعد الحاكم سنة سبع عشرة وأربعمائة.
(٢) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٤٦).
[ ٣٧ ]
أنس، فمررتُ أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي الحافظ وجماعةٍ من المشايخ، إلى أن ذكرتُ حديثَ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". فحمل بعضهم عليَّ، فقال أبو علي: لا تفعل، فما رأيتَ أنتَ ولا نحن في سِنِّه مثله".
وهذه المكانة العالية للحاكم بين أهل عصره حملت أقرانه من المشايخ على عرض أصولهم وسماعاتهم عليه ليحكم فيها، قال الحاكم في تاريخه (^١): "حمل محمَّد بن أحمد الجنجروذي بيده جميع سماعاته [إليَّ] (^٢)، فقال: ما تعلم أنَّه يصح لي منها قراءته، والباقي طرحته. فعرَّفته سماعاته بخط أبيه فاقتصر عليها"، وقال في تاريخه (^٣): "عرض عليَّ إبراهيم بن محمَّد المحفوظي في آخر عمره أصوله؛ أكثرها بخطه وكلها صحاح، فسمعنا منه"، وقال في تاريخه (^٤): "استشارني عبد الله بن محمَّد بن برزة التاجر غير مرة في الرواية، فأشرتُ عليه بذلك، فحدَّث"، وقال في تاريخه (^٥): "لما سُئِل الأمير محمَّد بن محمَّد بن إبراهيم بن سيمجور عقد المجلس للإملاء، أمر بأصوله المسموعة فحُمِلَت إليَّ، وانتقيتُ منها مجالس"، وقال في تاريخه (^٦): "عرض عليَّ محمَّد بن إبراهيم بن حمش النيسابوري فوائد جمعها".
ولم يجسُر أحد أقران الحاكم على التحديث ببعض الكتب حتى توفي الحاكم، قال محمَّد بن يوسف القطان النيسابوري: "كان أبو عبد الرحمن السُّلَمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيِّع، حدَّث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه" (^٧).
* * *
_________________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٢٣).
(٢) زيادة مني ليكتمل النص.
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٦٩).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٣٩٥).
(٥) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٦٧).
(٦) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٦٤٦).
(٧) تاريخ بغداد (٥/ ٢٤٨).
[ ٣٨ ]