الفيلسوف أوحد الزمان فيلسوف العراقين وممن ادعى أنه نال رتبة أرسطو، وكان له خاطر وقاد، وله تصانيف كثيرة مثل كتاب المعتبر وكتاب النفس والتفسير وغير ذلك، وعاش تسعين سنة شمسية وأصابه الجذام فعالج نفسه فصح، وعمي فبقي أعمى مدة.
[ ٣٠ ]
وقد اتهمه السلطان محمد بن ملكشاه بسوء علاجه، وسوء تدبيره، فحبسه مدة. وفي شهور سنة سبع وأربعين وخمسمائة أصاب السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه قولنج بعد ما افترسه أسد، فحمل من بغداد إلى همذان أبا البركات. فلما يئس الناس من حياة السلطان خاف أبو البركات على نفسه، ومات ضحوة، ومات السلطان بعد العصر، وحمل تابوت أبي البركات إلى بغداد مع الحجاج. ولما أخذ أبو البركات في مصاف المسترشد بالله والسلطان مسعود وقرب حينه أسلم في الحال وكان من قبل يهوديًا فنجا من القتل، وخلع عليه السلطان وحسن إسلامه ومن كلمات (الحكيم) أبي البركات: الخطيب هو الذي تصدر عنه الخطابة، ومن شرطه أن يكون متنسكًا متعففًا فصيحًا بليغًا، يقدر على استمالة السامعين واستدراجهم، ويعرف أخلاق الناس، ويكلمهم على قدر عقولهم، ويكون قوي العزم على الأمر، لا ينفعل من المغضبات، والمخطوب هو السامع، وقد يكون خصمًا، وقد يكون نظارًا، والمخطوب به الضمير والتمثيل، والمخطوب فيه المشوريات والمنافريات والمشاجريات فيجب أن يعرف الخطيب في المشوريات الخير من الشر وخير الخيرين وشر الشرين، والخير الحقيقي أربعة: العفة والشجاعة والحكمة والعدالة.
وسعادة الدنيا لطف الحواس، وجودة المشورة في الآراء، والبراءة من الخطأ والزلل، والإسجاح في الطلب وكرم الأصل، وإن يكون له أولاد ذكور، وإناث حسان عفيفات، ويكون له إخوان يساعدونه على ما يهواه، ويكون له الغنى والتجمل والثروة، وهو في الاستمتاع لا في القنية.
وإن شئت جمعت هذا الكلام في المقولات، أما في " الجوهر " فإن يكون كريم الأصل، وفي " الكم " أن يكون جزل العطاء، وفي الكيف أن يكون له اليسار والإقتدار، وفي الإضافة الرياسة، وفي الأين المكان الأنيق المبهج، وفي متى الوقت الطيب وفي الموضع الهيئة الحسنة وفي الفعل نفاذ الأمر وفي الانفعال السماع الطيب.
ولا أدري إن كان هذا الكلام له أم لغيره