كان حكيمًا منطقيًا، ومنطقيًا كاملًا. وله رسالة في أن علم الحكمة أقوى الدواعي إلى متابعة الشرائع.
منها: (من زعم أن الحكمة تخالف الشريعة فهي مفسدة لها) مقدمة غير كلية، وتقريرها: الحكمة مخالفة للشريعة، وكل ما هو مخالف لشيء مفسد له، والكبرى غير كلية فإن الحلاوة تخالف البياض ولا تفسده، والصور تخالف المادة ولا تفسدها، فإذا كانت الكبرى غير كلية لا ينتج القياس. منها: الغرض من المنطق تمييز الحق من الباطل والكذب من الصدق فمن قال إن الناضر في صناعة المنطق مستخف بالشريعة، فإن ذلك القائل طاعن في الشريعة، لأن كلامه في قوة قول من قال إن الشريعة لا تثبت عند البحث والتحقيق، ومنزلته منزلة رجل حامل للدراهم المبهرجة الذي يهرب بعين من النقاد، ويأنس بمن ليس من أهل المعرفة. فمن قال إن الحكمة تفسد الشريعة فهو الطاعن في الشريعة، لا المنطقي الذي يميز بين صدق الكلام و(كذ) به.
و(منها) قول من قال إن الحكيم يستخف بالشريعة لأن الحكيم يبحث عن غوامض الأمور وحقائقها، فليس له أن يتفوه بلائمة، لأنه اعتقد في الشريعة أن البحث عنها يفسدها، فهو أولى باللوم بسبب هذا الاعتقاد. ويقال له: أتعلم يقينًا أن المنطق يفسد الشريعة، أم تعتقد ذلك ظنًا وحسبانًا؟ فإن قال: يقينًا لزمه ما ذكرناه، وإن قال: ظنًا، فالظن لا يغني من الحق شيئًا، وان ذلك من طريق الشيوع والاستفاضة فليس كل شائع حقًا وإن قال: ذلك بسبب أن الشارع صلوات الله عليه نهى عن ذلك، والشرع يفسد المنطق وليس للمنطق أن يفسد الشرع بل الشرع يفسده، فنحن لم نجد في قول صاحب الشرع ﵇ ولا في أفعاله ما يدل على فساد علم المنطق ثم نقول: يلزم هذا القائل أن يكون قوله بذلك عن علم منه بالمنطق، وأنه يؤدي إلى ما ادعاه عليه وعلى أهله من أجله، أو عن غلبة الظن. فإن كان القائل بذلك من أهل المعرفة بالصناعة المنطقية فقد أدى علمه إلى إفساد الشريعة، فهو أيضًا مخالف للشريعة بسبب علمه، فمن حقه أن يبين كيف يؤدي هذا العلم إلى إفساد الشريعة، أو كيف يؤدي الشرع إلى إفساد المنطق وإن قال ذلك عن غلبة الظن والتقليد فهو مخالف للشريعة، لأن الشرع نهى عن التقليد والحكم على الناس بغلبة الظن.
ومنها: لا يعرف صدق النبي ﵇ إلا بالمعجزات، ومن لم يعرف حقائق المعجزات فلا سبيل (له) إلى تصديق النبي ﵇ فمن عرف حقائق المعجزات وحقائق النبوة فهو أقرب إلى تصديق النبي ﵇ من المقلد المتمسك بظواهر الأمور.
وهذه رسالة طويلة لا يحتمل الموضع إثباتها بكمالها وتمامها.
ومن كلماته: كل من فكر فكرًا رديئًا في غيره فهو من نفسه يقبل الرديء. الشقي من لا يذكر عاقبته.
[ ١٤ ]
وذكر ذلك الحكيم في بعض تصانيفه عن أرسطو أنه قال: إني ربما خلوت بنفسي كثيرًا، وخلعت بدني فصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن، فأكون داخلًا في ذاتي وخارجًا من سائر الأشياء، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء ما أبقى له متعجبًا باهتًا، فاعلم أني جزوء من العالم الشريف، وإني ذو حياة فعالة، فلما بقيت كذلك ترقيت بذهني من ذلك العالم إلى العوالم الإلهية فصرت كأني موضوع فيها، معلق بها، فأكون فوق العالم العقلي فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف وأرى هناك من البهاء والنور ما لا تقدر الألسن على صفته، والأسماع على قبول نعته فإذا استعز الشأن وغلبني ذلك النور والبهاء، ولم أقو على احتماله، هبطت من العقل إلى الفكرة، وحجبت الفكرة عني ذلك النور، فأقضي عجبًا أني كيف انحدر (ت) من هذا العالم، وعجبت أني كيف رأيت نفسي ممتلئة نورًا، وهي مع البدن كهيئتها.