بن المفضل الراغب (الأصفهاني) كان من حكماء الإسلام وهو الذي جمع بين الشريعة والحكمة في تصانيفه، وله تصانيف كثيرة منها غرة التنزيل ودرة التأويل وكتاب الذريعة، وكتاب كلمات الصحابة. وكان حظه من المعقولات أكثر. قال في مبدأ كتاب تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين من تصنيفه: الذين ينطقون ولكن عن الهوى ويتعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، ويعلمون ولكن ظاهرًا من الحياة الدنيا، ويجادلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق، ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يبغون، ويدعون مع الله إلهًا آخر، وإن كانوا بالصور المحسوسة ناسًا، فهم كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أشباه الرجال ولا رجال. وقد عبر البحتري عن ذلك حيث قال:
لم يبق من جل هذا الناس باقية ينالها الوهم إلا هذه الصور
وقال: الإنسان مستصلح للدارين، ولكل شيء هداية إلى مصالحه بين العقل والشرع تاهر، ويفتقر أحدهما إلى الآخر.
من لم يتحصن بالشرع وعبادة الله تعالى فليس بإنسان.
الغرض من العبادة تطهير النفس واجتلاب صحتها للإنسان أمراض لا يمكن إزالتها إلا بالشرع الإنسان مفطور على إصلاح النفس، وقال: إن النظر في العواقب من خاصية الإنسان، والباري تعالى لم يخلق له هذه الخاصية إلا لأمر جعله له في العقبى، وإلا كان وجود هذه القوة فيه معطلًا. ولو لم يكن للإنسان عاقبة ينتهي إليها غير هذه الحياة الخسية المملوءة نصبًا وحزنًا، ولا يكون بعدها حال مغبوطة، لكان أخس الحيوانات أحسن حالًا منه، ولكانت هذه القوة فيه عبثًا، وقد نبهه الله تعالى على بطلان ذلك حيث قال: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون. وأحكام بنية الإنسان ثم هدمها من غير معنى سوى ما يشاركه فيه البهائم مع ما يشوبه من التعب والهم الذي قد أعفى منه البهائم مضيعةً كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا تعالى الله عن ذلك.
وقال النبي ﵇ الدنيا دار ممر لا دار مقر، وقد خلقتم للأبد ولكنكم تنقلون من دار إلى دار حتى يستقر بكم القرار.