بن أحمد بن أبي صادق، المتطبب (النيسابوري) نال في الحكمة وأجزائها مرتبة عظيمة، خصوصًا في الطب، وتصانيفه في شرح مسائل حنين وفصول بقراط علق مضنة الحكماء والأطباء، وكان حسن الشمائل، نيسابوري الأصل والميلاد، وهو الملقب ببقراط الثاني.
وحكى لي من رآه أنه انتقل في آخر عمره إلى بعض متنزهات نيسابور، وهي قرية انبروذستانه، ولزم مكانه واختار الإنزواء، فدخلت يومًا عليه وبين يديه أطباق من الفواكه الصيفية، فقال لي الحكيم أبو القاسم: قم وطف في ذلك الباغ فإني (أرى) ألا فرق بين أطباق الفواكه التي بين يدي، فإن الفواكه تضرني فقنعت منها بالرائحة وتطيب الهواء، كما قنعت من اللخالخ بذلك، فكما أنك لا تشتهي تناول اللخالخ فكذلك أنا لا أشتهي تناول تلك الفواكه، وأرحت نفسي من تناولها ودفع مضارها، فإن المضرة ربما تنتهي إلى حد لا يدفع.
[ ٢٢ ]
وكان حسن المعالجة فأصاب عميد خراسان محمد بن منصور قولنج أعيا دواؤه كل طبيب، فبعث إليه عميد خراسان مركوبه وغلمانه، وكلفه المصير إليه، والشمس في أول درجة من السرطان، وبين تلك القرية وبين نيسابور اثنا عشر فرسخًا، فلما هم الحكيم أبو القاسم بالمسير إلى نيسابور آذاه الحر. وسرعة الحركة، وجماح ذلك المركب والعطش، فقال لمن معه من تلامذته: نجا عميد خراسان وهلكت. وكان الأمر كما قال: فلما وافى نيسابور، وعالج عميد خراسان، وصح العميد، مرض أبو القاسم وسقطت قوته، وقد نيف على الثمانين، وقضى نحبه.
وقيل إن السلطان بعث إليه خواصه ودعاه إلى خدمته فقال: القنوع بما عنده لا يصلح لخدمة السلطان، ومن أكره على الخدمة لا ينتفع بخدمته، كالبازي الذي يكره على الصيد.
وبعث إليه سلطان غزنة وهو السلطان الكريم إبراهيم، مالًا عظيمًا مع المحفة والمراكب، ودعاه إلى حضرته بلطائف فأجاب وقال: السلطان يطلبني لعلمي فأنفق علي ماله لأنفق عليه علمي، وهذا بيع وشراء والعلم لا يشرى ولا يباع، وما بي حاجة إلى قبول تلك الأموال، وإفاضة علمي على أهل بلدتي أولى، فأنا أدعو للسلطان بالخير، وأريح نفسي من رق المنة.
ومن كلماته: الطبيب الحقيقي من عالج بالفضائل نفسه، ورأى مضرته في الرذائل، ثم يهبط بعد ذلك إلى معالجة الأجسام فمن لا يهبط من معالجة النفس إلى معالجة الجسد فهو أسفل السافلين.