أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري أبوه رجل من رجال أهل بلخ من الكفاة والعمال، وانتقل إلى بخاري في أيام الأمير الحميد ملك المشرق نوح بن منصور، واشتغل بالتصرف، وتولى العمل بقربة خرميتن من ضياع بخاري، وتزوج أبوه إمرأة اسمها ستارة وولد أبو علي بهذه القرية في صفر سنة سبعين وثلثماءة، والطالع (السرطان) درجة شرف المشتري والقمر على درجة شرفه، والشمس على درجة شرفها، والزهرة على درجة شرفها، وسهم السعادة في كط من السرطان وسهم الغيب في أول السرطان مع سهيل والشعري اليمانية ثم ولد أخوه محمود بعده بخمس سنين، ثم انتقلوا إلى بخارى.
وأحضر أبو علي معلم القرآن ومعلم الأدب فلما بلغ عشر سنين حفظ أشياء من أصول الأدب، وأبوه كان يطالع ويتأمل رسالة إخوان الصفا وهو أيضًا أحيانًا يتأملها، وأبوه يوجهه إلى بقال يبيع البقل، ويعرف حساب الهندسة والجبر والمقابلة، يقال له محمود المساح.
ثم توجه تلقاء بخاري الحكيم أبو عبد الله الناتلي، وقد سبق ذكره فأنزله أبوه وآواه وأكرمه، وكان أبو علي يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد، ويتلقف مسائل الخلاف ويناظر ويجادل. ثم ابتدأ أبو علي بقراءة كتاب ايساغوجي على الناتلي حتى أحكم عليه المنطق، ثم ابتدأ بكتاب أوقليدس ثم المجسطي.
فلما فرغ الناتلي من تعليمه توجه تلقاء خوارزم قاصدًا حضرة خوارزم شاه مأمون بن محمد مولى أمير المؤمنين. واشتغل أبو علي بتحصيل العلوم من الطبيعي والآلهي، ونظر في النصوص والشروح، وانفتحت عليه أبواب العلوم، ثم رغب في علم الطب وتأمل الكتب المصنفة فيه. وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة فلا جرم صار فيه في مدة قليلة عديم المثيل، فقيد القرين والنظير.
وفضلاء الطب يختلفون إليه، ويقرؤون عليه المعالجات المقتبسة من التجربة، وهو مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد الفقيه. فلما جاوز اثنتي عشرة سنة من مولده أقبل بعد ذلك سنة ونصف سنة على العلوم، وأعاد قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة وفي هذه المدة ما نام ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغل في النهار بشيء سوى المطالعة، وجمع بين يديه ظهورًا من القراطيس، وكل حجة ينظر فيها يثبت مقدماتها القياسية، ويكتبها في تلك الظهور، وراعى شرائط المقدمات وفضل ما هو منتج مما هو عقيم. وإذا تحير في مسألة وما ظفر فيها بالحد الأوسط تردد إلى الجامع وصلى وابتهل إلى الله تعالى حتى يفتح الله تعالى له المنغلق منها. وكان يعود كل ليلة إلى داره، ويضع السراج ويشتغل بالقراءة والكتابة. فإذا غلبه النوم أو ابتدره ضعف مزاج شرب قدحًا من النبيذ. وكان الحكماء المتقدمون مثل أفلاطن وغيره زهادًا وأبو علي غير سنتهم وشعارهم، وكان مشغوفًا بشرب الخمر، واستفراغ القرى الشهوانية، ثم اقتدى به في الفسق والانهماك من بعده.
وأحكم جميع العلوم، ووقف عليها بحسب الإمكان الإنساني. وكل ما علمه في ذلك فهو كما علمه لم يزدد إلى آخر عمره، حتى فرغ من المنطق والطبيعي والرياضي. و(لم) يبالغ في علم الرياضي لأ (ن) من ذاق حلاوة المعقولات بضن بصرف فكره في الرياضيات. إلا فيما يتصوره مرة واحدة ويتركه.
[ ٨ ]
ثم أقبل على العلم الإلهي، وقرأ كتاب ما بعد الطبيعة، وأعاد قراءته أربعين مرة، وصار له محفوظًا، ومع ذلك لا يفهمه ولا المقصود منه، وأيس من نفسه وقال: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. واتفق أنه كان يومًا من الأيام في سوق الوراقين فعرض عليه دلال يقال له محمد الدلال كتابًا ينادي عليه، فرده أبو علي رد متبرم، معتقدًا ألا فائدة في هذا العلم، فقال الدلال اشتر مني فإنه رخيص بثلاثة دراهم وصاحبه محتاج إلى ثمنه، فاشتراه فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي الفيلسوف الذي هو المعلم الثاني في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة.
قال فرجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه كان لي محفوظًا، ففرحت بذلك وتصدقت بشيْ كثير على الفقراء شكرًا لله تعالى.
وكان ملك المشرق وخراسان في ذلك الزمان الأمير نوح بن منصور فعرض له مرض أعجز الأطباء. وكان اسمه اشتهر في التوفر على العلم والقراءة. فسألوا الأمير إحضار أبي علي فحضره وشاركهم في معالجته فوسم بخدمته. وصار أول حكيم توسم بخدمة الملوك. وكان الحكماء قبل أبي علي يترفعون عن ذلك ولا يقربون أبواب السلاطين.
فسأل الأمير نوح بن منصور الرئيس أبو علي الأذن له في دخول دار له فيها بيوت الكتب فنال الإيجاب فطالع من جملتها فهرست كتب الأوائل وطلب ما احتاج إليه فرأى من الكتب ما لم يقرع أسماع الناس اسمه لأبي نصر الفارابي وغيره. فقرأ تلك الكتب وظفر بفوائدها وعرف مرتبة كل رجل في علمه من المتقدمين.
فاتفق احتراق تلك الدار، واحترقت الكتب بأسرها، وقال بعض خصماء أبي علي إنه أحرق تلك الكتب ليضيف تلك العلوم والنفائس إلى نفسه، ويقطع أنساب تلك الفوائد عن أربابها والله أعلم.
فلما بلغ أبو علي سنة ثمان عشرة من عمره فرغ من العلوم كلها، ولم يتجدد له بعدها شيء، وكان في جواره رجل يقال له أبو الحسن العروضي، فسأله أن يصنف كتابًا جامعًا في هذا العلم، فصنف له المجموع وذكر اسمه فيه، وأثبت فيه سائر العلوم سوى الرياضي (فإنه ليس فيه زيادة مرتبة وسعادة في العقبى) .
و(كان) في جواره أيضًا رجل يقال له أبو بكر البرقي الخوارزمي فقيه زاهد مفسر مائل إلى هذه العلوم، فسأله شرح الكتب فصنف له كتاب الحاصل والمحصول. وكان في بيت كتب بوزجان منه نسخة فقدت. وأتم كتاب الحاصل والمحصول في عشرين مجلدة. وصنف له كتابًا في الأخلاق وسماه البر والإثم. ورأيته عند الإمام محمد الحارثان السرخسي ﵀ بخط رديء مقرمط في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ثم مات والده وسن أبي علي اثنتان وعشرون سنة.
وتصرفت (به) الأحوال، وتقلد عملًا من أعمال السلطان. ولما اضطربت أمور السامانية دعته الضرورة إلى الخروج من بخارء والإنتقال إلى كر كانج والإختلاف إلى خوارزم شاه علي بن مأمون بن محمد وكان أبو الحسن السهلي المحب لهذا العلم بها وزيرًا. وكان أبو علي على زي الفقهاء بطيلسان وعمامة (تحت الحنك)، فأثبتوا له مشاهرة تقوم بكفاية مثله.
ثم دعت الضرورة أيضًا إلى الإنتقال عن خوارزم والتوجه تلقاء نسا وأبي ورد ثم إلى طوس ثم إلى سمنقان ولم يدخل نيسابور، ثم إلى جاجرم رأس حد خراسان ثم إلى جرجان. وكان يقصد الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير، فاتفق في أثناء تلك الحالات أخذ قابوس وحبسه في بعض القلاع وموته هناك. ثم مضى إلى دهستان ومرض بها مرضًا صعبًا. وعاد إلى جرجان، واتصل به الفقيه أبو عبيد الجوزجاني، واسمه عبد الواحد، وبجرجان رجل يقال له أبو محمد الشيرازي قد ارتبط الشيخ واشترى له دارًا في جواره.
وأبو عبيد يختلف إليه كل يوم يقرأ المجسطي ويستملي المنطق، فأملى عليه المختصر الأوسط في المنطق، لذلك يقال له الأوسط الجرجاني. وصنف لأبي محمد الشيرازي كتاب المبدأ والمعاد وكتاب الأرصاد الكلية. وصنف في جرجان كتبًا كثيرة كأول القانون والمختصر من المجسطي وكثيرًا من الرسائل والكتب.
[ ٩ ]
وهذا فهرست جميع مصنفاته: كتاب المجموع مجلدة، كتاب الحاصل والمحصول عشرون مجلدة، كتاب البر والإثم مجلدتان، كتاب الشفاء ثمان عشرة مجلدة كتاب القانون أربع مجلدات، الأرصاد الكلية مجلدة، الأنصاف عشرون مجلدة، النجاة مجلدة، الهداية مجلدة، الإرشادات مجلدة، الأوسط مجلدة، العلائي مجلدة، كتاب لسان العرب عشر مجلدات، الأدوية القلبية مجلدة، الموجز مجلدة، الحكمة القدسية مجلدة بيان ذوات الجهة مجلدة، كتاب المبدأ والمعاد مجلدة، كتاب المعاد مجلدة، كتاب المقتضيات مجلدة. ومن رسائله رسالة في القضاء والقدر والإجرام العلوية والآلة الرصدية وغرض قاطيغورياس والمنطق بالشعر. ورسالة التحقة ورسالة في الحروف وتعقب المواضع الجدلية، ومختصر أوقليدس وفي النبض وفي الجدل وأقسام علوم الحكمة وفي النهاية واللا نهاية، وحي بن يقظان، وفي أن أبعاد الجسم غير ذاتية له، وفي الهندباء ومسائل جرت بينه وبين فضلاء العصر.
ثم انتقل إلى الري، واتصل بخدمة السيدة وابنها الملك مجد الدولة أبي طالب رستم بن فخر الدولة علي، وعرفوه بسبب كتب وصلت معه، وتضمنت تعريف قدره. وقد استولت على مجد الدولة علة الماليخوليا فاشتغل الشيخ بمداواته، وصنف هناك كتاب المعاد وأقام إلى أن قصد شمس الدولة قتل هلاك بن بدر بن حسنوية وهزيمة عسكر بغداد.
ثم اتفقت أسباب أوجبت بالضرورة خروجه إلى قزوين ومنها إلى هنذان واتصاله بخدمة كدبانويه وبالنظر في أسبابها. ثم اتفقت له معرفة شمس الدولة، وأمر بإحضاره مجلسه بسبب قولنج أصابه، فعالجه حتى شفاه الله، وفاز من ذلك المجلس بخلع كثيرة، ورجع إلى داره بعد ما أقام هناك أربعين يومًا بلياليها، وصار من ندماء الأمير. ثم اتفق نهوض الأمير إلى قرمسين لحرب عناز.
وخرج الشيخ منخرطًا في سلك خدمته، ثم توجه تلقاء همذان، منهزمًا راجعًا. ثم سألوه تقلد الوزارة فتقلدها، ثم اتفق تشويش العسكر بسببه وإشفاقهم منه على (أنفسهم) فأغاروا على داره وأخذوه وحبسوه، وسألوا الأمير قتله فامتنع منه الأمير. ثم أطلق الشيخ فتوارى في دار الشيخ أبي سعد بن دخدوك أربعين يومًا. فعاود الأمير شمس الدولة مرض القولنج، فطلب الشيخ وحضر مجلسه فاعتذر إليه الأمير، فاشتغل الشيخ بمعالجته، وأقام عنده مكرمًا مبجلًا، وأعيدت الوزارة إليه ثانية.
ثم سأله الفقيه أبو عبيد شرح كتب أرسطو فذكر أنه لا فراغ له، ولكن إن رضيت مني بتصنيف كتاب أورد فيه ما صح عندي من هذه العلوم بلا مناظرة مع الخصوم، ولا اشتغال بالرد عليهم فعلت. قال أبو عبيد: فرضيت بذلك، فابتدأ بالطبيعيات من كتاب الشفاء وقد صنف المجلد الأول من القانون.
فكان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم وأبو عبيد يقرأ من كتاب الشفاء نوبةً، ويقرأ المعصومي من القانون نوبة، وابن زيلة يقرأ من الإشارات نوبة، وبهمن يار يقرأ من الحاصل والمحصول نوبة، فإذا فرغوا حضر المغنون واشتغلوا بالشراب. وكان التدريس بالليل لعدم الفراغ بالنهار.
ثم توجه شمس الدين تلقاء طارم لحرب الأمير بهاء الدولة، وعاوده القولنج قرب ذلك الموضع واشتدت علته، وانضاف إلى ذلك أمراض أخر جلبها سوء تدبيره، وقلة القبول من الشيخ. فخاف العسكر وفاته، فرجعوا سار بين إلى همذان، فتوفي شمس الدولة في الطريق، ثم بويع ابن شمس الدولة وطلبوا استيزار الشيخ فأبى عليهم.
[ ١٠ ]
وكان علاء الدين سأل الشيخ المصير إليه، فأقام في دار أبي غالب العطار متواريًا، وصنف فيها بلا كتاب يطالعه جميع الطبيعيات والإلهيات من كتاب الشفاء، وابتدأ بالمنطق وكتب منه جزءًا. ثم اتهمه تاج الملك بمكاتبة علاء الدولة فأخذه وحبسه في قلعة نردوان وبقي فيها أربعة أشهر. ثم قصد علاء الدولة أبو جعفر كاكويه همذان واستولى عليها. ثم رجع علاء الدولة وعاد تاج الملك وابن شمس الدولة من القلعة إلى همذان وحملا معهما الشيخ، فنزل في دار علوي واشتغل بتصنيف المنطق من كتاب الشفاء، وصنف في القلعة كتاب الهداية وكتاب حي بن يقظان ورسالة الطير وكتاب القولنج، فأما الأدوية القلبية فقد صنفها في أول وروده همذان. ثم عن للشيخ التوجه تلقاء أصفهان، فخرج متنكرًا، ومعه أخوه محمود والفقيه أبو عبيد وغلامان له في زي الصوفية، فلما وصلوا إلى الطبران على باب أصفهان استقبله خواص الأمير علاء الدولة، وحمل إليه الثياب والمراكب الخاصة، وأنزل في دار عبد الله بن بابي في محلة كونكنيذ.
وكان الشيخ في ليالي الجمعات يحضر مجالس علاء الدولة مع علماء البلدة. وإذا تكلم استفادوا منه في كل فن. واشتغل بتتميم كتاب الشفاء. أما في المجسطي فأورد عشرة أشكال في اختلاف المنظر. وأورد في علم الهيئة أشياء لم يسبق إليها، وأورد في أقليدس شكوكا، وفي الارتماطيقي خواص (حسنة)، وفي الموسيقى مسائل غفل عنها الأولون. أما كتاب الحيوان والنبات من الشفاء فقد أنهاه في السنة التي توجه فيها علاء الدولة تلقاء سابور خواست، وكان الشيخ في خدمته وكان السلطان محمود بن سبكتكين وابنه مسعود لا يعدان واحدا من الملوك من أقرانهما وخصائصهما سوى علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه وكان يقيم ابن علاء الدولة بحضرة غزنة مدة، وجرى يوما عند علاء الدولة ذكر الخلل الواقع في التقاويم المعمولة بحسب الأرصاد القديمة، فأمر علاء الدولة الشيخ بالإشتغال برصد الكواكب، وأطلق من الأموال ما احتاج إليه، وابتدأ الشيخ به والفقيه أبو عبيد هو القيم بهذه الأمور يتخذ آلاتها ويستخدم صناعتها، حتى ظفر بكثير من المسائل. وكان الخلل واقعا في أمر الرصد لكثرة الأسفار، وتراكم العوائق. وصنف الشيخ في أصفهان كتاب العلائي.
ومن عجائب أحوال الشيخ أن أبا عبيد صحبة ثلاثين سنة قال إنه ما رآه ينظر في كتاب في كتاب جديد على الولاء بل يقصد المواضع الصعبة، والمسائل المشكلة منه، فينظر ما قاله المصنف فيها، فتبين عنده مرتبته في العلم.
وكان الشيخ جالسًا يومًا بين يدي الأمير، والأديب أبو منصور الجبان حاضر، فجرت في اللغة مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فقال له أبو منصور: إنك حكيم، ولكنك لم تقرأ من اللغة ما يرضى به كلامك، فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين. وكان ينظر في كتاب تهذيب اللغة من تصنيف أبي منصور الأزهري.
فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها. وأنشأ ثلاث قصائد وضمنها ألفاظًا غريبة، وكتب ثلاث رسائل على طريقة ابن العميد والصاحب والصابي وأمر بتجليدها وأخلاق جلدها. ثم سأل الأمير عرض تلك المجلدة على أبي منصور الجبان وذكر أنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء في وقت الصيد، فيجب أن تنتقدها وتقرر لنا ما فيها. فنظر فيها الشيخ أبو منصور، وأشكل عليه كثير منها فقال له الشيخ أبو علي إن ما تجهله من هذا الكتاب مذكور في موضع كذا وكذا، وذكر له كتبًا معروفة في اللغة، ففطن أبو منصور أن هذه القصائد والرسائل من إنشاء أبي علي فتنصل واعتذر إليه. ثم صنف الشيخ كتابًا في اللغة وسماه لسان العرب، لم يصنف مثله، ولم ينقله إلى البياض فبقي على مسودته، لا يهتدي أحد إلى ترتيبه.
وقد حصل للشيخ تجارب في المعالجات وعلقها في أجزاء، وعزم على تدوينها في كتاب القانون فضاعت الأجزاء.
ومن تجاربه أنه صدع يومًا، فتصور أن مادة نزلت إلى حجاب رئته وأنه لا يأمن ورمًا يحصل فيه، فأمر بإحضار ثلج كثير ولفه في خرقة وغطى رأسه بها حتى تقوى الموضع، وامتنع عن نزوله تلك المادة وعوفي.
ومن تجاربه أن إمرأة مسلولة بخوارزم حضرته، فأمرها إلا تتناول من الأشربة إلا جلنجبين السكر حتى تناولت على مر الأيام منه مائة من، وشفيت المرأة.
[ ١١ ]
وكان الشيخ صنف بجرجان المنطق الذي وضعه في أول النجاة، ووقعت منه نسخة إلى شيراز فنظر فيها جماعة من أهل العلم، فوقعت لهم شبه في مسائل فكتبوها على جزء، وكان القاضي بشيراز من جملة القوم، فأنفذوا الجزء إلى الحكيم أبي القاسم الكرماني، فدخل أبو القاسم على الشيخ عند اصفرار الشمس في الصيف، ووضع الجزء بين يدي الشيخ. فلما خرج أبو القاسم صلى الشيخ العشاء، وكتب خمسة أجزاء مربعة كل جزء عشرة أوراق على الربع الفرعوني ثم نام، فلما صلى الغداة، بعث الأجزاء إلى أبي القاسم وقال: استعجلت في الجواب حتى لا يمكث القاصد. فلما رأى أبو القاسم (ذلك) تعجب وكتب إلى شيراز بهذه القصة.
ثم وضع بسبب الرصد آلات ما سبقه بها أحد. واشتغل بالرصد، ثماني سنين، ثم صنف الشيخ كتاب الإنصاف.
ووقعت محاربة بين العميد أبي سهل الحمدوني صاحب الري عن جهة السلطان محمود وبين علاء الدولة، قصد السلطان مسعود بن محمود أصفهان، وأخذ أخت علاء الدولة. فبعث أبو علي إلى السلطان مسعود وقال: إن تزوجت بهذه المرأة التي هي كفؤ لك سلم علاء الدولة إليك الولاية، فتزوجها السلطان مسعود، ثم اشتغل علاء الدولة بالمحاربة، فبعث السلطان إليه رسولًا وقال: أنا أسلم أختك إلى ولوده (؟) العسكر، فقال علاء الدولة لأبي علي: أجب فقال أبو علي: إن كانت المرأة أخت علاء الدولة فهي زوجتك، وإن طلقتها فهي مطلقتك، والغيرة على الأزواج لا على الأخوات، فأنف السلطان من ذلك ورد أخت علاء الدولة عليه عزيزة مكرمة.
ثم نهب العميد أبو سهل الحمدوني مع جماعة من الأكراد أمتعة الشيخ وفيها كتبه، ولم يؤخذ من كتاب الإنصاف إلا أجزاء. ثم ادعى عزيز الدين الفقاعي الزنجاني في شهور سنة خمس وأربعين وخمسمائة أنه اشترى منه نسخة بأصفهان وحملها إلى مرو والله أعلم.
وأما الحكمة المترقية بتمامها والحكمة العرشية، فقال الإمام إسماعيل الباخرزي أنهما في بيوت كتب السلطان مسعود بن محمود بغزته، حتى أحرقها ملك الجبال الحسين وعسكر الغور والغز، في شهور سنة ست وأربعين وخمسمائة.
وكان أبو علي قوي المزاج، وكانت قوة المجامعة عليه أغلب، وكان يشتغل باستفراغها، فأثر ذلك في مزاجه، وكان لا يعالج شخصه، حتى ضعف في السنة التي حارب فيها علاء الدولة الأمير حسام الدولة أبا العباس تاش فراش على باب الكرخ وعرا الشيخ داء القولنج فحقن نفسه في يوم واحد ثماني مرات، فتقرح بعض أمعائه، وظهر له سحج، وكان لا بد له من المسير مع علاء الدولة، فظهر به الصرع الذي يتبع علة القولنج، فأمر يومًا باتخاذ دانقين من بزر الكرفس في جملة ما يحقن به، وخلطه بها طلبًا لكسر ريح القولنج. فقصد بعض الأطباء الذي يعالجه، وطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم، ولا يدري أعمدًا فعله أم سهوًا، فازداد السحج به من حدة بزر الكرفس، وكان يتناول مثروديطوس لأجل الصرع فقام بعض غلمانه وطرح في مثروديطوس شيئًا كثيرًا من الأفيون وتناوله. وكان سبب ذلك أن ذلك الغلام خان في خزانته فخاف عاقبة فعله عند برئه.
ونقل الشيخ في المهد كما كان إلى أصفهان، فاشتغل بتدبير نفسه وكان من الضعف بحيث لا يقدر على القيام، فانصرف علاء الدولة إلى أصفهان، والشيخ يعالج شخصه، وغلمانه بتمنون هلاكه، بسبب خيانتهم في أمواله، فقدر الشيخ على المشي، وحضر مجلس علاء الدولة، لكنه مع ذلك لا يحتمي ولا يتحفظ ويكثر التخليط في أمر المعالجة. ولم يبرأ من العلة كل البرء، وكان يبرأ أسبوعًا ويمرض أسبوعًا.
ثم قصد علاء الدولة همذان ومعه الشيخ، فعاود الشيخ القولنج في الطريق إلى أن وصل إلى همذان، وعلم أن قوته قد سقطت، وأنها لا تفي بدفع المرض، فأهمل من أداة نفسه، وقال: المدبر الذي في بدني، عجز عن تدبير بدني، فلا تنفعني المعالجة، ثم ا (غتسل وتا) ب وتصدق بما بقي معه على الفقراء، ورد المظالم إلى عرفه من أربابها، وأعتق غلمانه.
وكان يحفظ القرآن فيختم في كل ثلاثة أيام. ثم مات في الجمعة الأولى من رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ودفن في همذان. وفي هذه الجمعة خطبوا في نيسابور للسلطان طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق، وأعرضوا عن ذكر السلطان مسعود بن محمود. وكان عمر الشيخ نح سنة من السنين الشمسية مع كسر.
[ ١٢ ]
حكاية عجيبة: كان أبو علي يحضر مجلس علاء الدولة وعليه قباء داري وعمامة خيش وخف أدم، ويجلس بين يديه قريبًا منه. وكان يتبين أثر السرور في وجه الأمير إذا حضر، لتعجبه من جماله وفضله وظرفه، فإذا تكلم بين يديه استمع له أهل المجلس، لا ينبسون بحرف حتى (ينتهي) . واتفق أن أعطاه الأمير علاء الدولة منطقة مفضضة مذهبة مع السكاكين، ثم رآها الأمير مع غلام من خواص غلمانه، فقال له من أين هذه المنطقة؟ فقال أعطانيها الحكيم. فاشتد غضبه عليه، وصك وجهه ورأسه وأمر بقتله، فطلبوه فوجده واحد من أصحاب الأمير فخلاه حتى هرب، وقد غير ثيابه وزيه.
فورد الري على هيئة المتصوفة وعليه مرقعة، وليس معه شيء ينفقه على نفسه، فدخل السوق لتحصيل القوت، فرأى أن يطالع مقامات الناس ليتخذ ما هو أروح، وكان يطالع واحدًا بعد واحد، حتى اطلع على شاب ظريف اتخذ مقامًا على باب داره، وقد اجتمع عليه خلق كثير فأرته إمرأة تفسره فقال لها: هذه تفسرة يهودي، فاعترفت وقالت: هي كما نقول. ثم قال: وقد تناول رائبًا. فقالت: نعم. ثم قال: داركم في المدينة في موضع منخفض من الأرض، فقالت: هي كذلك. فتعجب الحكيم من ذلك، فنظر الشاب إليه وقال: أنت أبو علي بن سينا، هربت من علاء الدولة فاجلس، فجلس بجنبه حتى فرغ الشاب من شأنه، وأخذ بيده وأدخله داره، وأمر حتى أدخل الحمام، وألبسه ثيابًا حسنة، ودعا با (لطعام فقال) للشيخ أبي علي: كيف تعرف من التفسرة أنها تفسرة يهودي فقال: رأيت في يدها قميصًا عليه غيار اليهود، ورأيته ملوثًا بشيء من الرائب، فحدست أنه اشتهى الرائب وتناوله، واليهود كلهم يسكنون المدينة الداخلة من بلدنا، وجميع الدور في تلك المدينة في انخفاض. فقال له الشيخ وكيف عرفتني؟ فقال الشاب: كنت أسمع بجمالك وحسن هيئتك وفطانتك، فلما نظرت إليك حدست أنك هربت من علاء الدولة، وأني لأعلم أنه يزول غضبه عليك، ويشتاق إلى لقائك، ويردك إلى مجلسه، فأردت أن أتخذ عندك يدًا. قال أبو علي: فما حاجتك؟ فقال الشاب أن تحضرني مجلس الأمير، وتحكي له ما رأيته لعله يستظرفني للمنادمة. فما مضى إلا أيام قلائل (حتى) طلب علاء الدولة الحكيم، وخلع عليه، ورده إلى مجلسه. فحمل أبو علي معه الشاب إلى أصفهان، وحكى للأمير ما رأى من حاله، وارتضاه الأمير وصار من ندمائه.
نسخت عما كتبه أبو علي لنفسه وما كان في النسخة التي انتسخت منها غير مكتوب تركته ضرورة عدم وجوده، وشرعت بذكر الحكيم أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني.